|
أ ـ المدخل:
نحن النساء كنا نمثل دور
الألهة الأم في بدايات التاريخ. وبذكائنا العاطفي
ناصرنا العدل والمساواة والسلام. حيث كنا رمزاً
للصفاء والجمال والعلم والإبداع الخلاق. وبذلنا
جهوداً لا حدود لها في سبيل الإنسانية. وخلقنا
الحياة بكدح أيادينا وعرق جبيننا. كانت تلك
الأزمنة الغابرة بمثابة فجر مشرِق للإنسانية،
والحياة فيها زاهرة بألوان الربيع ورائعة كروعة
الأغنية. لأننا كنا نستمتع بحيوية الطبيعة
وإبداعها، ونتعلم منها كل شيء. والطبيعة المتميزة
بشفقة ورحمة الأم الحنونة كانت تهمس في آذاننا
معاني أسرارها الساحرة وألغازها الغامضة، تلك
المعطاءة أهدتنا الأزهار والورود بأشكالها
وألوانها الغنية والنباتات بأنواعها. ومقابل هذا
قمنا بتقديسها وقدمنا لها أروع الهدايا وأجملها.
وكنا رمزاً لإمرأة الحب في تلك العصورالقديمة.
ونبادل حباً أبدياً مع المخلوقات الطبيعية التي
تمثل لون الحياة الحقيقي. ولذا كان الجميع يبدي
الحب والإحترام نحونا دون تقديم أي بديل. فمنذ
آلاف السنين وحتى الأن نحن مَن دَوّنَ التاريخ
للمرة الاولى، ونقشنا فيه كافة الجماليات والقيم
الإنسانية. وبتلك البراءة والصفاء الطفولي، كيف كان
بامكاننا أن نعلم بأننا سنواجه عتمة شتاءٍ موحشٍ،
وأن ظلاما أبديا بإنتظارنا في عتبة التاريخ. لأننا
كنا نعيش الشفافية والنقاء، ولم نعرف ما هو الكذب
والرياء. وبينما نحن نتقرب بصفائنا وطيبة النية،
كان الرجال المسنين والشباب الذين يثقون بقوة
عضلاتهم الجسدية يحسدوننا ويحبكون الحيل والأكاذيب
ضدنا. ووجدناهم في حالة من الوفاق والإتفاق فيما
بينهم. ويعشعشون الكذب والألاعيب في قلوبهم. ومن
ثم شنوا هجوماً على قيمنا المقدسة لاشباع رغباتهم
الأنانية وجوع نفوسهم. راغبين في امتلاك كل شيء.
في البداية رفضوا الآلهة الأم واحتجوا عليها.
وأرادوا تجفيف منابع الحياة. ولم نستطع قبول تلك
الالاعيب فعارضناها وأعلنا عدم رضائنا. وتوحدنا
حول قيمنا كالبنيان المرصوص. الا ان الماكرين
هاجمونا بعنف لا مثيل له. ومزقوا أرواحنا
وأجسادنا. وأنزلوا علينا اللعنة وأعلنوا للجميع
بأننا جنسٌ ملعون، ومن ثم جعلوا من كل إمرأة أمة
عبدة، تعبد حكمهم وترضخ لسيطرتهم وظلمهم. ولم
يكتفوا بهذا. بل تحولت شَرَه الوصول إلى السلطة في
عيونهم لمرض خبيث. فبحكاياتهم وخرافاتهم الكاذبة
أعلنوا أنفسهم رهباناً وأرباباً وملوكاً متسلطين.
وقاموا باستعباد الإنسانية بالهراء الكاذب
والأقنعة المصطنعة. ولطخوا الحياة المتسمة بألوان
الربيع، بلون الدماء. وحولوا فجر الإنسانية المشرق
إلى ظلام ليلٍ دامس.
إن سرد هذا التاريخ سهل
وبسيط... ولكننا خُضعنا له لمدة خمسة آلاف سنة،
وتم بيعنا في الأسواق، وانحصرنا بين أربعة جدران،
وأباحوا موتنا وقتلنا بدءا من الرجم بالحجارة وحتى
الحرق وكافة أشكال الموت. وفي أغلب الأحيان كنا
نشعر بأن الموت أفضل من هذه الحياة المذلة، ولهذا
فضلت الكثيرات منا الموت على هذه الحياة الفظيعة.
وفي نفس الوقت تلقينا المديح والمجاملات الغزلية
تحت اسم العشق، وألقوا الاشعار باسمنا. وتوجونا
بالتيجان وزينونا بالقلادة والجواهر والألبسة
الفاخرة. ووضعونا في أقفاص ِذهبية وبؤور سحيقة. كل
هذا بسبب دوام حكم الظلام والعبودية.
وساهمنا كثيراً كي نكون وجدان
وضمير الإنسانية داخل الوعاء المغلي لحضارة
الرجل. فزمن الآلهة الأم مايزال حياً في ذاكرة
الإنسانية بشكل مخفي مكبوت. وعلى مدى هذه العصور
الطويلة التي مرت بنا لم نستطع أن نرضى ونقبل
بهذا الشتاء العاتم القارس. بل كنا ننتظر في عتمة
هذا الظلام الدامس ولادة وإنبعاث الشمس في يوم
جديد، وكنا في إنتظار اليوم الذي سيعود فيه الربيع
الزاهر.
وها نحن اليوم نجد بأننا نلتقي
لأول مرة بزمن المرأة في هذا العصر الجديد بعد
خمسة آلاف سنة. ونرى بصيص شعاع الأمل يشع بقوة في
هذا الزمن الجديد أكثر من كافة الأزمنة والعصور
الماضية. وسنناضل في سبيل احياء قيم الآلهة الأم،
بجهودنا التي تحمل نوعية إجتماعية للواقع، وسنقوم
بإحياء عواطفنا، ونجدد جوهر قلوبنا المسالمة
ونظهرها بسطوع للحياة. فقد تسلحنا بالوعي واكتملنا
بالنضوج وتفعمنا بالإيمان القوي. وخلقنا في داخلنا
قوة عظيمة تكفي لرفع سوية الكفاح في سبيل حرية
المرأة واحراز النجاح في الزمن الذي نحياه. وسنجعل
من هذا القرن زمن إنتصار المرأة والإنسانية جمعاء،
فلابد من تغيير مسار التاريخ بتنظيم أنفسنا.
لذا علينا أن نتعرف على أزمة
نظام الدولة الأبوية الذي نسميه بحضارة الرجل
المهيمن، ونزيل آثاره وتأثيراته من أرواحنا
وقلوبنا، ونهدف لتجاوز وإنهاء نظامه.
ب ـ أزمة حضارة
الدولة الأبوية:
إن حضارة الدولة الأبوية
البطرياركية مارست الظلم والاستبداد بكل بشاعة على
المرأة والبشرية وتركتهم عرضة للألم والعذاب
على مر خمسة ألاف سنة
خلت، ونجدها اليوم تواجه مرحلة ترتج بأزمةٍ مزمنة.
حيث تحولت الأزمة إلى مرحلة مليئة بالفوضى
والمشاكل المستعصية الحل في يومنا الراهن. بسبب
النظام الامبريالي ممثل الحلقة الأخيرة لهذه
الحضارة، وتفاقمت المشاكل والأزمات في جميع أنحاء
العالم وانتشرت بين كافة الشعوب كانتشار النار في
الهشيم. ولم تبقَ ساحةٌ لم تنل حصتها من مشاكل هذا
العصر.
إلى جانب كل هذا نجد أن الحروب
والضربات الدامية الأثنية، والأزمات الموجودة في
الدول القومية لم تنحسر في الكثير من المناطق
العالمية. ووصل مجتمعنا الدنيوي إلى درجة لم يعد
قادراً على تحمل مشاكل الجوع والبطالة المتفشية
بشكل مخيف. فالإنحلال الخلقي الإجتماعي، والسلوك
الفردي أوالأنانية التي تجاوزت الحدود، أوقعت
البنية الإجتماعية في الركود وبات يهدد التطور
الاجتماعي بشكل رهيب. ونلاحظ أن حاجات التعليم
والصحة باتت في وضعٍ معدوم الحل، وإنتشرت أمراض
السرطان والإيدز والقلق أوالاضطرابات الدائمة في
كافة أرجاء المعمورة. وتحولت المؤسسات الفنية
والرياضية إلى وسائل مخادعة ومخدرة تفسد المجتمع.
حيث أن العلم والتكنيك هما من أكثر الوسائل التي
يجب أن يلعبا دورهما في هذه المراحل التي تتسم
بالأزمات المزمنة، الا اننا نجد بأنهما قد تحولا
إلى وسائل فتاكة تخدم النظام الأبوي وحكمه، الذي
استغلهما في صنع الأسلحة واعلان الحروب النووية
وتطويره.
وتوجهت قوة السلطة والمحاربة
في بنية الدولة نحو عامل الشدة والعنف أكثر من أي
أمر آخر. ولا يكتفي بوسائل الضغط والعنف الذي
يمارسه بحق حقوق وحريات الإنسان ولا يتخلى عنه.
وهذا الوضع يفسح المجال لتطور حق الدفاع المشروع
في المجتمع ويخلق الحاجة والضرورة لتبادل العنف
والشدة فيما بين هاتين القوتين. والكوارث التي حلت
بالبيئة وصلت الى خطورة فظيعة، ولا تهدد الإنسانية
فقط بل تهدد الوجود (الأحياء والمخلوقات) على سطح
الأرض. والأطفال الذين يدخلون ضمن حسابات النظام
الإمبريالي سيتحولون إلى أجيال نافعة لهم عندما
ينشؤون تحت ظلهم ويترعرعون بين أحضانهم. اما
الشيوخ والمسنين بالنسبة لهم يشكلون العبئ أمام
الإنتاج الإمبريالي وربحه. وكل هذه الظواهر تشكل
انكسارا في رغبة التجديد والإنبعاث لدى الفرد،
وتسد الطريق في وجهه لتقرير مستقبله بإرادته
الذاتية. والظاهرة التي تشير إلى هذه الحقيقة
(بأنه لم يبق أي فرد ولم يخضع لتأثير النظام
الإمبريالي)، تؤكد وتظهر لنا بأن النظام قد تمم
عملية إنتشار وتوطيد ذهنيته وتمكين طرازه الذكوري،
حيث أن الولايات المتحدة الأمريكية (إمبراطورية
الأزمة والفوضى) باتت تعكس هذه الحقائق في بنيتها
الداخلية بشكل ٍ ظاهر للعيان.
داخل هذا النظام الموجود يسعى
كل فرد ويجهد من أجل الوصول إلى السلطة، ونفس
الشيء سارٍ بالنسبة لأدنى فئة مضطهدة فيه. فحتى
أفقر رجل موجود في المجتمع يرى نفسه بأنه إمبراطور
صغير أمام المرأة. والديالكتيك ذاته يطبع العلاقة
الموجودة بين المرأة الأم والأطفال أيضاً. الا ان
مؤسسة العائلة المقدسة التي تشبثت بها النظام
السلطوي ببراثنه بدأت بالإنحلال والتشتت.
ومؤسسةالعائلة التي تمثل بذرة تأسيس النظام تؤكد
لنا بأننا نعيش مرحلة اجتماعية تشبه عملية تجزئة
الذرة. حيث أن العلاقات الموجودة بين الأب والأم
والأطفال والمسنين أصبحت تفقد معانيها مع مرور
الزمن. وتَعمقَ الضغط والغصب الممارس بحق المرأة
توازيا مع عمق أزمة النظام الامبريالي. وكلما
تفاقمت المشاكل الاجتماعية كلما وقعت المرأة تحت
وابل ثقل أزمة النظام وتحولت إلى حقيقة فعالة
تتحمل ثقل هذه المشاكل لوحدها في أجواء النظام
الحالي. وبدءا من أغلظ أشكال الشدة وحتى أرفع
وسائل الاستعباد والإحتكار الذي يعتمد تبضيع
المرأة وتشويهها، توضح لنا مدى تعمق ديالكتيك هذه
العلاقة المخيفة بين النظام وظاهرة المرأة. وهذا
الوضع سبّب في ضياع هوية المرأة وإنزلاقها نحو
الهاوية. لهذا كلما تعرفت المرأة على حقيقتها كلما
استطاعت أن تتجاوز إنحطاطها. وهذا بدوره يعني
تجاوز مشاكل المجتمع، ومع مرور الزمن ستخلق
امكانية فك عقدة النظام الكأداء. فهوية المرأة
تمثل في الجوهر قيم المشاعية الاجتماعية، وكلما
فقدت المرأة تأثيرها في المجتمع، كلما تم الإبتعاد
عن ذلك الجوهر. وتخلف علم الإجتماع وعدم ايلائه
الاهتمام لهذه المسائل نابع من أزمة الامبريالة
المتجذرة. ومع ظهور كل هذه الحقائق للعيان، نلاحظ
أن ظاهرة المرأة بدأت باظهار نفسها للواقع بكل
جوانبها.
كل هذه الأمثلة الواردة تثبت
عدمية إستمرار النظام الحالي بهذا النمط. والذهنية
التي أنجبت الحضارة الأبوية هي العامل الوحيد
لتفاقم الأزمات اليومية التي حلت بالنظام
الامبريالي. أزمة نظام المجتمع الحاكم المترعرع
على أرضية الدولة الأبوية وعلى عوامل العنف
والسلطة أصبحت من المواضيع الأساسية التي تناقش
بين الإنسانية بشكل معمق في يومنا الراهن. ويجب أن
نعلم بأن استحالة إستمرار معادلة الدولة
الراسمالية لا تكفي لوحدها، بل من المعلوم أيضا أن
جميع براديغمات الأنظمة الاجتماعية التي تطورت ضد
المرأة والإنسانية على مر التاريخ، لن تستطيع
الإستمرار بهذا الوضع. لأن العالم قد وصل إلى حدود
التحول الديناصوري بسلطة الرجل التي لا تعرف
الحدود.
ج ـ الجنسوية
الإجتماعية هي منبع أزمة الشرق الأوسط:
إن منطقة الشرق الأوسط هي
الجغرافية التي تم فيها إنفجار أزمة النظام
الإمبريالي. وأيضا هي مركز البحث عن سبل وطرق
التغيير الجذري. وبسبب التأثيرات الباقية من
الثقافة النيولوتية نجد بأنها صاحبة قوة نوعية
عظيمة تمكّنها من تجاوز أزمة النظام الإمبريالي.
وبسبب ميزتها التاريخية التي يضعونها في خلفية
الخطة ولاينظرون لها بعين الاعتبار نجد بأنها
المنطقة الوحيدة التي لم تُفتَح من قبل الرأسمالية
الأمبريالية في العالم، وهذه الخصوصية تميزها عن
المناطق الأخرى.
وبالتالي نلاحظ بأن كافة
السياسات التي طورتها الامبريالية خلال القرنين
المنصرمين بهدف فتح واستعمار هذه المنطقة، قد
تحولت إلى عوامل ومؤثرات أساسية لتعميق أزمة
العصر. ويوماً بعد يوم نجد بأن سياسات الرأسمالية
الامبريالية، والدول القومية الموجودة في المنطقة
تتسبب في تجذر هذه المشاكل. حيث أن المداخلة
الأخيرة التي طورتها الحركة الكونية الثالثة على
المنطقة فتحت السبيل لتكثيف وإثارة التناقضات
الموجودة في المنطقة. والحقيقة المعاشة في هذه
المرحلة هي السعي لوضع أهداف جديدة تعمل على تفاقم
الأزمة التي حلت بالإنسانية والتي تجاوزت حدة
الحروب العالمية. وكل هذا يعرض لنا مدى وضوح
التناقض الموجود بين الشعوب والقوات الدولية
الموجودة في المنطقة وقاعدة الأمم والدول
الخارجية. وبسبب تأثيرات النظام الأبوي الذي يمتد
حكمه إلى خمسة آلاف سنة، نجد بأن حقيقة الشعب
والتي هي أصل ديناميكية التغيير تعيش حالة صعبة لا
تستطيع فيها التنفس والتحرك بسهولة. والعلاقة
الموجودة بين المجتمع والدولة تقاوم التغيير بسبب
تأثيرات الثقافة البطرياركية. وبنفس الوقت لم يتم
تجاوز ظواهر السلطة والحرب مطلقاً.
وجميع هذه الظواهر تساعد في
تعميق مشاكل المرأة في منطقة الشرق الأوسط. حيث أن
المشاكل الأثنية والمذهبية والقومية، ترافقا مع
الحقيقة التي تطورت بعد مداخلة الرأسمالية
الامبريالية، تأسر المرأة وتقيدها ضمن حدود
الأزمة. وكافة المشاكل الموجودة في منطقة الشرق
الأوسط بشكل عام تنعكس على علاقة المرأة والرجل.
فكل عائلة تحتضن مشاكل تكافئ
مقدار مشاكل دولة كاملة بسبب الفوضى والإضرابات
الحاصلة. فالشرخ الموجود بين الجنسين هو بمقدار
كبر الشرخ الموجود بين الدولة والمجتمع، ويتسبب
بنفس الدرجة بمؤثرات قوية لتعمق الأزمة التي
أصبحنا بحوزتها. فالمجتمع بكافة جوانبه هو مجتمع
رجولي(ذكوري) . والفروقات الجنسية تتفعم في كل
نسمة من نسمات الحياة. حيث يضعون المرأة في مركز
المشاكل التي لم يتم حلها. فالمرأة التي تأخذ
مكانها في أدنى بنى مجتمع الدولة الأبوي، تُعتبر
من أحط المخلوقات التي يجب أن تتعرض لهجوم الرجل
وعنفه بشكل مشروع. ويقيّمون المرأة على أنها السبب
الأساسي لوجود الإنحطاط والضعف. وتَرَدَت مستوى
حياة المرأة الإجتماعية لدرجة الصفر، نتيجة
الاوضاع المذكورة. أما في الميادين السياسية
والمجتمعية والاقتصادية نجد أنه لا يتم ذكر اسم
المرأة. وفي النتيجة نستنتج بأن وجود المرأة لا
يتجاوز حدود العائلة.
وبدلاً من خلق الوحدة بين
قاعدة المجتمع الأبوي البحت وإنعكاسات الحضارة
الغربية المتمدنة والمعاصرة، يتم خلق عُقدٍ كأداء.
وكثرة الأطفال وتعدد الزوجات يسبب في احلال الفقر
وعدم تطور الاقتصاد الذي يساعد على استمرارية وجود
العائلة. والعائلة التي تعتمد على هذا الطراز
القديم في علاقاتها مع الدولة لا تستطيع أن توفر
إقتصادها بل تقع في حالة متأزمة ومعقدة. والعائلة
الشرق أوسطية تنساب نحو الإنجراف. ورغم روابطها
الإجتماعية المنحلة، نجد بأنها ما تزال تحافظ على
وجودها لأن العائلة تمثل الخندق الأساسي بالنسبة
للمجتمع الشرقي. وفي حال فقدان الرجل سلطته في هذا
الخندق، يبدأ شعورالإنتهاء(بأنه لاشيء) لديه. لذلك
يقاوم التغيير والتجدد. الرجل والنظام الذي تأسس
حوله يحتلّ مكانا ضمن مركز الأزمة العصرية.
والرجل هو إنعكاس إستبداد الدولة في العائلة ويمثل
هذه السلطة على المرأة والأطفال ضمن نطاق عائلته.
ومن ناحية أخرى نجد بأن الدول الإستبدادية
الموجودة في منطقة الشرق الأوسط والتي إنهزمت في
كافة مجالات الحياة تنطوي على نفسها ومحافظة
ومنغلقة تجاه الخارج و مفعمة بروح الهجومية نحو
الشعوب الأخرى، كما نرى أن الرجل الشرقي المهزوم
في كافة مجالات الحياة يطابق الحقيقة ذاتها ويهاجم
المرأة في حدود العائلة. فالرجل الممتلئ
بالإنفعالات النابعة من عدمية الحل والحماية
لمجتمعه، يقوم بإفراغ إنفعالاته وحقده بوجه المرأة
والأطفال القاصرين عن حماية أنفسهم. فكافة الجرائم
التي تحصل تحت اسم الناموس والشرف تنبع من هذه
الإنفعالات المتولدة عن الضعف الذي يعيشه الرجل
ضمن هذه الأزمة الإجتماعية الراهنة، وفي الحقيقة
نجد أن الذي يلطخ الشرف والناموس هو الرجل ذاته،
ولأجل التخلص من هذا الحال يفرغ شحنات انفعالاته
بالمرأة كي يبرر به ضعفه وانهزامه في هذا النظام.
وفي هذه المراحل العصيبة والمتأزمة نلاحظ ازدياد
الاغتصاب الجنسي وكافة أشكال العنف ضد المرأة.
فحتى الأن ما تزال الدولة الإيرانية ترجم المرأة
وتقتلها رميا بالحجارة. وفي العراق وصلت حوادث
الاغتصاب الجنسي لسوية لاتصدق بمداخلة الولايات
الأمريكية المتحدة. وفي تركيا لم تنته الجنايات
وجرائم القتل المرتكبة بحق المرأة تحت إسم الشرف
والأعراف الاجتماعية، وإنتحار النساء ظاهرة لايمكن
انكارها وغض النظر عنها. ولاتزال عادة ختان
الفتيات مستمرة في أغلب دول الشرق الأوسطية.
ورغم وجود كل هذه الحقائق،
والإنحلال المتولد عن وجود هذه الأزمة العصرية،
دخلت المرأة الشرق الأوسطية في عملية البحث عن
الحرية والمساواة. وهي من أقوى الديناميكات التي
تمثل دور الطليعة في عملية تجاوز المجتمع الجنسوي
وتطوير التحول الديمقراطي. وهي صاحبة إمكانيات
هائلة لاحراز إنطلاقة قوية في المنطقة التي ستخدم
مصالح الشعوب والنساء عامة. ومع إبتداء هذه
الحركات الإجتماعية واستمرارها، نصل الى مفترق
طريقين للكفاح، وهما: إما أن نساهم في سبيل إيجاد
الحلول المناسبة لهذه الأزمة، أو أن يكون لنا
دورا ذا تأثير لتعميق حدة الأزمة. والتحول
الديمقراطي الذي سيحصل على صعيد المنطقة سيسبب في
إزدياد مرحلة تقلص نظام الولايات الأمريكية
المتحدة في المنطقة وسيساعد في إنتشار هذه الموجات
في كافة أنحاء العالم. وفي نفس الوقت ستجري تطورات
كبيرة في عملية التحول الديمقراطي وستضفي عليه
السرعة التي يتوجب تطويرها لبناء الحضارة
الديمقراطية الكونية.
1ـ كردستان:
العقدة العمياء لمنطقة الشرق الأوسط:
لقد ألقى المجتمع النيولوتي
الذي تطور في
مزوبوتاميا تأثيره على المجتمع الكردي والمرأة
منذ بداية التاريخ وحتى الأن. وقد تأثرت بنية
المجتمع الكردي لفترة طويلة بهذه الثقافة. وتشكلت
قاعدتها السياسية أيضا تحت ظل هذه الحقيقة، وبهذا
التكوين جابهت بنى نظام الدولة الأبوية. وبسبب
التأثيرات الجذرية المتبقية من ثقافة المجتمع
النيولوتي، نجد أن الشعب الكردي قد حافظ على تطوره
وعمل على حماية نفسه من ثقافة الدولة الأبوية.
ولعب الأكراد دوراً فعالا في تضييق الحصار على
النظام العبودي الفظ. وبتأسيس حضارة مدنهم وتطوير
كونفدرالية عشائرهم طوروا الإمكانيات التي تساعد
الثقافات الأخرى بالحفاظ على وجودها ضمن النظام
العبودي. حيث أن نمط حياة العشائر الجبلية
المهاجرة و تأثير قوة الثقافة النيولوتية لم تدع
الفروقات الطبقية بالتطور في المجتمع الكردي.
وحافظت بنيتها الإجتماعية على خصوصية الديمقراطية
والمشاعية.
ولهذا السبب سعت المرأة على
إحياء وإستمرار وجودها في الحياة الإجتماعية بفضل
تأثير الثقافة النيولوتية التي دامت لفترة طويلة
المدى ضمن المجتمع الكردي. وبعد دراسة البحوثات
التاريخية نستنج أنه فيما بعد يتم تقوية تأثير
ثقافة النظام الرجولي(الذكوري) في المجتمع الكردي.
لأن الاغتراب عن الذهنية الإقطاعية والعبودية تحتل
أهمية بالغة في هذه النقطة. فتطوير عمالة المجتمع
الطبقي، استهدفت إنهاء تأثير المجتمع النيولوتي،
ولاخماد نار المقاومة لدى هذه الثقافة العريقة.
إلى جانب هذا كله فقدت المرأة قيمتها التي تدنت
نحو الأسفل. وكلما تطورت الفروقات الطبقية
الإقطاعية في المجتمع الكردي، كلما افتقد حرية
حياته. ومع مرور الزمن ازدادت حدة الفروقات بين
الشعب والطبقة العميلة وتأصلت على مدى 20 قرن
بأكمله. وهذه الطبقة العميلة التي تتحرك حسب
رغبات النظام الامبريالي تمنع الشعب من نيل حريته
وتمارس الضغط ضد رغبات الشعوب بالإستقلال
والمساواة، عندما تدرك مناهضة الشعوب لمصالحها،
وعبّر هذا عن مرحلة مليئة بالإرهاب الشامل على يد
هذه الطبقة الإقطاعية العميلة.
وبعد تطور هذه المرحلة لم يبق
أي مكان مناسب يعبر فيه الشعب الكردي عن هويته
ورغباته الحرة. وطبق الحظر على الديناميكيات
الأساسية لنضال الشعب. وتوصلت التجزئة الاجتماعية
التي إبتدأت بالمجتمع العبودي وتطورت بظهور
المجتمع الإقطاعي إلى أعلى درجاتها. والشخصية
الكردية لم تستطع خلق التوازن والتفاهم مع هذا
العالم المعاصر الجديد وفي نفس الوقت لم تستطع
ايجاد المرادف أوالبديل المناسب لهذا النظام، وفي
النهاية فمن الصعب جدا القيام بتحليل حقيقة
الشخصية الكردية التي تشكلت نتيجة هذه الأوضاع.
وقد إنحسرت يوتوبيا الشعب الكردي نحو المستقبل في
حدود عائلته. والمرأة عاشت حالة دائمة من العصيان
والتمرد الداخلي في مواجهة ضغوطات ثقافة النظام
الأبوي المتسلط. والحدود التي تحركت المرأة داخله،
تحولت إلى أماكن إنكار ثقافة الربة الأم والآلهة
الإناث وبأعمق الأشكال. ورغم إنحلال الروابط
الإجتماعية القديمة في يومنا الراهن نلاحظ أن
الرجل لا يزال يحافظ على استمرارية فرض قوته في
خندقه الأساسي الذي
يسمى بمؤسسة العائلة. لذا يقاوم الرجل ويدافع عن
ذاته في سبيل عدم فقده لهذه الساحة الوحيدة التي
يمارس فيها سلطته الرجولية. وعندما نتمعن في
الإنسداد والأزمة التي حلت بالرجل، نرى بأنه لا
يستطيع الفرار منها بسهولة، لذلك يفرغ حقده
وإنفعاله على المرأة والأطفال . وبهذا المعنى نجد
بأن الجرائم والجنايات التي تحدث تحت إسم العادات
والأعراف، وفي نفس الوقت ظاهرة العنف ضمن العائلة
تزداد يوما بعد يوم. وهكذا نجد بأن هجومات وتقربات
المجتمع الجنسوي وذهنية الدولة الأبوية المناهضة
للمرأة تتسبب في خلق وضع تُمنَع فيه حركة المرأة
لدرجة يصعب عليها عملية التنفس. ومن جهة أخرى
ظاهرة إنتحار النساء قد إنتشرت في الكثير من
المناطق الموجودة في كردستان. والمعاملات السيئة
تجاه الفتيات الصغيرات ما زالت متصاعدة، كعدم
ارسالهن للمدارس التعليمية وتزويجهن في أعمار
مبكرة لاتناسب سن الزواج.
ولأجل كل هذه الأسباب نجد بأن
المهام الإساسية التي تنتظرنا هي تجاوز المجتمع
الجنسوي وإنهاء سلطة الرجل ضمن حدود العائلة
الكردستانية وفي المجالات الحياتية. وسيتم عبور
هذا الطريق بتصعيد نضال تحرير المرأة واحداث
التحول الديمقراطي في المجتمع بطليعة المرأة.
حيث أن المشكلة الكردية
ماتزال مستمرة بشكل عميق في يومنا الراهن. والشعب
الكردي يمر بقتل عام ثقافي، بسبب عدم الاعتراف
بحقوقه المدنية والسياسية والإقتصادية على
الاطلاق. والمشكلة الكردية المتواجدة في الدول
العربية والإيراينة والتركية تمتلك طاقة عظيمة
تعمق الأزمة الموجودة في منطقة الشرق الأوسط بسبب
عدم بحث هذه الدول وبناها الإجتماعية عن الحلول
المناسبة لهذه المعضلة. فالاهمية والمعنى الذي يجب
ان تُعطى للمشكلة الكردية من قبل العالم هو نفس
الاهمية والمعنى الذي تُعطى لمنطقة الشرق الاوسط.
وتطور الحل على أساس الكونفدرالية الديمقراطية
يتسم بأهمية حياتية ومصيرية. وبإحراز هذا التطور
ستتأثر عملية تطور الديمقراطية الكونية، وستخلق
معها سلسلة متتالية من التطورات الحياتية.
2 ـ نضال التحرر
الوطني الكردستاني وتطور حركة تحرير المرأة:
حزب العمال الكردستاني هو أول
حزب أحرز التطورات على صعيد النضال التحرري
المعاصر في كردستان، ولقائد كونفدرالية الشعوب
الديمقراطية عبدالله أوجلان دوراً بارزاً في عملية
تصعيد هذه الحركة. حيث تطورت التناقضات الإجتماعية
الأولى لدى القيادة نتيجة ردود فعله المتطورة تجاه
الحالة المنحطة للمرأة ونظام العلاقات الكردية،
وبإصرار ٍكبير أظهر القائد رفضه وتمرده. ولم تستطع
القيادة الاعجاب بقيم مجتمع الدولة الأبوية بل
تقرب منها بالشكوك والشبهات والقلق الدائم. وبنى
نظامه الاجتماعي بتأثيرات ميراث الثقافة
النيولوتية، وبذل جهوده لإحياء هذه الثقافة
العريقة. وأثبت حقيقة ألا وهي أن تحليل المشكلة
الكردية بخطوطها العريضة لا تكفي لإيجاد الحلول
المناسبة لها. ولهذا السبب هَدَفَ من خلال بناء
حزب العمال الكردستاني الى خلق المرأة والرجل
الحُرَّين، وهذا يشير الى مساعينا في خلق وتطوير
مجتمعٍ عصري. وديناميكية الحزب القابلة للتجدد
الدائم ألقت تأثيراتها على كافة الفئات الموجودة
في المجتمع بشكل قوي. وأحدثت ثورة وتحولا في
الساحة الإجتماعية.
وعندما طورت القيادة من
ايديولوجية تحرير المرأة أثبتت الميزة والفرق التي
تتسم بها ايديولوجيتها. فقد رفضت اقامة العلاقة مع
المرأة المبني على التحكم، وطورت تحليلات مكثفة
بصدد حقيقة الرجل المتسلط والمرأة المستعبدة وبهذه
التحليلات والتقربات العلمية أرادت القيادة خلق
نظامنا الإجتماعي المعاصر. وأبدت أهمية بالغة
للقضاء على البنية الإجتماعية المستندة لسلطة
النظام الرج |