زاخو زاغروس
إن الآلام التي تعاني منها المرأة والشعوب في المنطقة
وكردستان فظيعة وكبيرة لدرجة لا يمكن تحملها من
قبل الإنسان، مما يجعل ردود الفعل وطرق النضال من
أجل تجاوز هذا الوضع المأساوي مثير للدهشة. التحول
إلى قنابل حية، القذف من القمم، حرق النفس، كلها
أساليب تعبر عن مستوى المعاناة ومستوى الحقد الذي
تكنه إنسانة وإنسان هذه الأرض ضد الخيانة
والانحطاط الذي يتم فرضه على جغرافيتنا، لأن
القضايا العالقة والمنتظرة الحل كبيرة وشاملة لذلك
فهي بحاجة إلى نضال وصراع مرير، ومن أجل التمكن من
تحقيق البديل هنالك حاجة إلى شخصيات طليعية تعمل
على تحقيق النصر والنجاح في ذاتها أولاً للتمكن من
تحقيق النصر على أسباب المعاناة، فتتحول تلك
الشخصيات إلى النواة التي تتكون حولها المجتمع
الجديد، درجة رفضهم للنعم والحياة التي يتم منحها
من قبل النظام المستبد، تحرير ذاتهم من كل آثار
العبودية، ثقتهم وإيمانهم بالعدالة والحرية،
انعتاق ضميرهم من الأنانية والجشع، حبهم وعشقهم
للمثل وللإنسان، تؤدي إلى إثارة اليقظة في وجدان
المجتمع وتخلق فيه الرغبة في التحقيق فيما يحيط به
ويثير الرغبة في المناهضة والتمرد على الواقع
المزري الذي يعانيه البشرية، في أوقات الفوضى
والأزمات الاجتماعية يمكن رؤية هذه الشخصيات بشكل
دائم، إنهم بعملياتهم وبمواقفهم يريدون أن يثيروا
الدقة أمام ما يعانيه الإنسان مما يمنع الغفلة
ويجعلون وجدان البشر حياً ونابضاً، لأن في تلك
الأوقات تعمل قوى الشر على تنويم كل القيم التي
يمكن أن تهدد مصالحهم، الرفيقة فيان من هؤلاء
الشخصيات التي شعرت بما تعانيه المرأة والأكراد
والإنسان، فأرادت أن تعبر عن نقمتها على المتآمرين
بعمليتها، فهي أرادت أن تؤكد للقوى الرجعية بأنه
لا يمكنهم أن
ينتصروا في أهدافهم وأن
هناك من يدافع ويحمي بكل ما لديه
في هذه الأرض لكي لا
تفقد طهارتها وصفاءها.
فيان كانت باحثة عن الحرية والحقيقة
الرفيقة فيان مثل كل طفلة في كردستان عانت الظلم والقهر.
الهجرة، الجوع، السير بأرجل عارية، البرد والصقيع
جعلتها تفهم وفي سن مبكرة قانون تاريخ الشعب
المهجور والوطن المنفي، الطفل في كردستان يحمل عبأ
قضية شعب وهو في
السابعة لذلك تكون كل سنة
مقابل عشرة سنوات، فيصبح الأطفال مسنين وهم في سن
العاشرة، فيان أيضاً فتحت عيونها على الحياة بهذه
الطريقة، هذه الالآم والمعاناة وطرق الهجرة كانت
قد أفشت لها بسر وهو ( إذا كنت تريدين أن تعيشي
بكرامة وشرف يجب أن تكوني مثل زهور الثلج عاصية
ومتمردة وجميلة، إنه قانون حياة المرأة والأكراد)،
فيان كانت في انسجام دائم مع هذا القانون الخاص
بنا، لذلك فهي كانت تعمل بشكل دائم من أجل الوصول
لفضيلة هذا القانون، فقد كانت باحثة عن الحقيقة
والجمال ولأنها عرفت بأن ب ك ك هو الذي يمكن أن
يحقق هذه الرغبة لم تتأخر في الانضمام وقد كانت
رفاقيتها معه في مستوى العشق، كأنها قامت ولسنين
بالبحث عن شيء ضائع وقامت بالحصول عليه، إنها فعلا
كانت عاشقة، كانت عاشقة للحرية، للحب، للصداقة
والحياة وتمنح المعنى والأهمية لكل نواحي الحياة،
كانت مثل زهور الثلج عاصية أمام المصاعب وذو
جمالية أمام الحياة، كانت في سباق مع الزمن، لذلك
الحياة معها كانت مثل سمفونية
صخبة مليئة بالمعاني،
إذ لم تكن تنشغل بالأمور البسيطة والتافهة، تجابه
الحياة كفيلسوف ناضج، وعاطفية بمستوى الأم وتحمل
أمل وطموح طفل في داخلها، يمكن أن تكون الحرية
مجهولة أو أمر غير ملموس للبعض، لكن فيان كانت ترى
الحرية في أدق ثنايا وجه الحياة، فهي بقدر ما كانت
باحثة عن الحرية، كانت تنظم الحرية في مواقفها، في
مشاعرها، في علاقاتها، في فكرها.
فيان بديل للحياة العبودية
أكثر من أي وقت مضى تتعرض المرأة للبيع والشراء من قبل
النظام المتسلع، يتم التسوق على كل عضو من أعضاء
المرأة وككل الهويات تعاني هوية المرأة من الأزمة
في بلادنا وجغرافيتنا، انتحار المئات من النساء،
قتل الالآف من النساء، الاعتداءات التي تتعرض لها
المرأة يومياً، تعبر عن شيء وهو الأرض المستعمرة
يتم وقبل كل شيء استعمار واستعباد نساءها، فيان
كانت من أكثر اللواتي تقمن بقراءة هذا الوضع
المزري، وكامرأة من الشرق كانت تقوم بتعقيب
التطورات والمشروع الأمريكي عن كسب، و كانت واثقة
تماماً بأن ما تعيشه المنطقة والنساء لا يمكن أن
تأتي لها أبناء أوربة البيض بالداء الشافي، بالعكس
تماماً يقومون بالنخر في جرحنا، إنها لم تخن
مشاعرها
الطفولية وهي عدم
انتظار الخلاص من قوى الشر، من أجل أن تحمي روحها
وضميرها من ربق الغرب والأحلام الواهية كانت في
صراع دائم مع نفسها، فهي كانت تحافظ على أصالة
الشرق في نفسها بكل ما في الكلمة من معنى، فقد
كانت صاحبة موقف أمام ثقافة الخيانة ومفهوم الحياة
الرجعية، اختيارها للمكوث في جبال الحرية كان
تعبيراً عن رؤيتها هذه وكأنها أرادت أن تقول بأنني
لا أريد أن أدنس أرجلي على أرض مستعمر، أو كأنها
أرادت أن تقول حرام علي هذه الأرض إذا لم أقم
بتحريرها، نعم أرادت القول بأن الحرية لا يمكن أن
تنطلق من أروقة واشنطن ولندن بل ستخضر وتنبعث على
جذورها وهذه الجذور هي نحن وهذه الأرض الطيبة،
وبعمليتها أرادت إحياء المقاومة التي أبدتها
الملايين من النساء لكي لا تسلمن أرواحهن لتاريخ
الكذب والرياء، وأرادت أن تؤكد على أن ثقافة
الآلهة الأم ستستمر، ولن تتمكن أي قوة من حقنها
باسم الخنوع، لذلك موقفها شكل صفعة للذين يريدون
تسليم أرواحهم و الذين يريدون استلام أرواحنا.
فيان كانت مفعمة بحب الوطن والأرض
لقد قام الأعداء في سلب كل شيء منا، ومزق كل الأواصل
القوية التي تجمعنا، لنبقى في طوق محصور، طوق
العائلة، طوق العشيرة، طوق القرية، مما أدى إلى أن
تكون قلوبنا، مشاعرنا، أفكارنا فقيرة وضعيفة، في
الوقت الذي يتطور فيه نظام العولمة ويتم تجاوز
حدود القارات، يعمل قوى الشر على تقزيم عقولنا
ووضعه في محيط ضيق بحيث لا نرى أكثر من رأس إنفنا،
أهم حرب أعلنه القائد أوجلان هو صراعه مع هذه
الحدود التي تقطعنا عن تاريخنا عن أنفسنا، وتجعلنا
غرباء عن كل ما هو عائد لنا، إنه لم يهدم الحدود
التي تلف الأكراد فقط بل كل أنواع الحدود التي
تحدد أفق حياتنا وحررنا من سجننا، الرفيقة فيان
واحدة من هؤلاء اللواتي استوعبن هذه الفلسفة،
وكانت تعمل على هدم كل الحدود الاصطناعية التي
تهجم على شعبنا وكانت في علاقاتها وفي انضمامها
تعبر عن مدى
إرتباطها بآمال وطموحات
الشعب في الأجزاء الأربعة وكانت تعلم جيدا أن طريق
الأنسنة يمر من حماية الإنسان
لقيمه كشعب، فهي كانت مناهضة لكل أشكال
القومية البدائية التي تضعف من إرادة شعبنا وترفض
كل أنواع الحلول التي تهمش الأجزاء الأخرى فهي
كانت ذو رؤية سياسية ديمقراطية، وترفض السياسات
النخبوية والخارجة عن إرادة الشعب وكانت مؤمنة
بنظام الكونفدرالية الذي يطور إرادة الفرد، ومن
أجل أن تكون مواطنة حرة في هذا النظام كانت ضمن
جهد عظيم من الناحية الفكرية والعملية، وبعملتيها
هذه أرادت التعبير عن إنه مادام هناك هجوم على
نظام الشعب من قبل القوى المعتمدة على الدولة
حينها هناك حاجة لروح يدافع عنها حتى آخر رمق،
إنها كانت مرتبطة بقيم الشعب وبديمقراطية الشعب،
عندما شاهدت المواطنين في حادثة شمدنلي وهم يكشفون
عن مؤامرة الدولة، عاشت قمة السعادة وقالت ( هذه
هي كونفدرالية الشعب، إذا ما كان الشعب منظماً لا
يمكن أن تتمكن أي قوة من القيام بخداعه وسلب حقوقه
)، فهي بمواقفها الوطنية وحبها للشعب تشكل نداء من
أجل التعمق في الوطنية الحقيقة، وأكدت على أن كل
أجزاء الوطن هو مرتبط ببعضه، وانضمامها إلى صفوف
سريات عشتار كان ترسيخاً لوحدة المصير الذي يربط
شعبنا بعضه بالبعض.
كانت الرفيقة فيان عاشقة التنوير الفكري وفلسفة
الحرية
هناك مقولة لجاك جاك روسو يقول ( تم الإستيلاء على كل ما
هو عائد للعبيد حتى على رغبتهن في التحرر ) هكذا
بالفعل، إننا كنساء وكشعب حرمنا من كل شيء عن طريق
سياسة المذابح التي لم تقتصر فقط على الناحية
الجسدية بل المذابح الذهنية التي تعرضنا لها هي
أكثر إسقاطاً للإنسان، لأن الإنسان ينجبر على
ارتداء كل شيء بشكل مقلوب، فيصدق الكذب ويكذب على
الآخرين وكأنه أمر صحيح لا شك فيه، ليس هذا فحسب
فإن تاريخ الإنسانية المعتمد على ذهنية العنف
والتحكم والسيطرة بات إدمانا لكل إنسان على وجه
هذه البسيطة، لدرجة إنه أصبح نوعا من الجينيات
المكتسبة، لذلك قول إنني أقبل الفكر أو البراديغما
الجديدة يمكن أن يكون سهلا أو بشكل منطقي يمكن
قبولها، إلا إن الإيمان بصحتها وقبولها في الوجدان
أمر يختلف كليا، هذا والقيام بحمايتها والدفاع
عنها ضد كل الأطباع والإدمانات القديمة وإبداء
التضحية في سبيلها لن يكون من المبالغة أن أقول
بأنه يعتبر ثورة بحد ذاتها، نعم الثورة الذهنية
والوجدانية ليست بالأمر السهل كما نظنه، حيث يعمل
الإنسان على حل كل ماهو عائد للبراديغما القديمة،
ويضع نفسه على طاولة العمليات ويعمل على تنظيم
جديد في ذاته، كيف إن أم حينما تدخل في مرحلة
المخاض في وقت الولادة فتموت لتلد من جديد كذلك
الشخصية إذا لم تعيش هذا المخاض لا يمكن أن تحقق
الجديد في ذاتها، ففي أوقات الأزمة والفوضى والتي
تعتبر مراحل المخاض بالنسبة للمجتمعات للتحضير
لولادة جديدة إذا لم تظهر شخصيات حققت هذا المخاض
في أنفسهم ، مخاض المجتمعات أحيانا يؤدي إلى ولادة
أطفال إما ميتة وإما مشوهة، والذي يطلق عليه في
لغة علم الاجتماع اسم الانحراف الخلقي أو التطور
في مسار مناهض لمصالح المجتمع، القائد أبو وضع
مانيفستو الحياة الجديدة للمجتمع من خلال
البراديغما الجديدة التي طرحها وكان المخاض الذي
عاشه من الناحية الفكرية ناجحا حيث ولد فكر يحرر
الإنسان من كل أنواع السلاسل التي تكبل إرادته،
إلا إنه من أجل أن يجد هذا الفكر الحياة هناك حاجة
لمن يقوم بتحقيقه في نفسه وفي محيطه وإلا فإن
القيام فقط بالترويج والدعاية للفكر دون أن يتم
تطبيقه يشكل أفظع أنواع الخيانة المرتكبة بحقه
لأنه يؤدي إلى تفريغه من جوهره ويفقده مصداقية
إمكانية تحوله إلى حياة ونظام مهما كان هذا الفكر
متطورا ومعبأ بالفضائل، ففي قول الرفيقة فيان التي
تكتب في إحدى رسائلها ( ب ك ك هي عملية كبيرة، في
المكان الذي يفقد فيه القول معناه يجب أن تعلموا
بأن هناك غفلة، انعدام الضمير، وسقوط أخلاقي ) من
هنا يمكن التعرف على مدى إعطائها الأهمية للتطبيق
العملي لفلسفة الحرية التي طرحها القائد آبو،
وقولها ( وكل عملية هي من أجل أن تعيد الكلمات
معناها من جديد ومن أجل أن يتم تقوية آمال الحرية
) يعبر عن نقطة مهمة وهو الخطر الذي يتم مواجهته
وهي أنه إذا لم يتم ربط القول بالعمل وإذا لم يتم
الوصول إلى وعي تاريخي حر فلا يمكن أن يتم تحقيق
الحرية، لذلك فهي لم تكن محافظة ومتزمتة في
أفكارها، وكانت تفتح كل جوارحها لكي ينفذ الفكر
الجديد لكل خلاياها وكانت شجاعة في حماية ما تؤمن
به دون أن تأبه بالمفاهيم الرجعية التي ماتزال تلف
عقولنا ولأنها كانت ترى في فلسفة القائد
مستقبلاً مشرفاً لذلك فكانت تطلق أجنحتها لتطير مع
تلك الأفكار إلى حيث اللانهاية.
هكذا أرادت فيان أن تصبح طموحاً لأطفال لم يذوقوا غير
طعم المرارة، أن تصبح أملاً لأمهات تنتظرن السلام
في أرض يذبح قلوبها وعقولها يوميا، أن تصبح
سمفونية حرية لشعب عاشت لغته المنفى، أن تصبح صرخة
في وجه كل من يسرق البسمة من شفاه البشرية وأن
تصبح صوت للنساء الصامتات اللواتي بحثن أبد الدهر
عن أرض تزرعن فيه أمنايتهن