|
آفرين أحمد فؤاد
هنا
ميزوبوتاميا؛ موطن الحكايات والأساطير الأولى
للإنسانية. هنا ميزوبوتاميا؛ مهد كل الحضارات، هنا
أرض البداية لكل البدايات، هنا موطن الإلهة الأولى
والإنسان الأول، المبادئ والقيم الإنسانية الأولى،
موطن الأخلاق والحقيقة الأولى، هنا الأسرار
والغرائب الأولى، من هنا يبدأ كل الجماليات
والصداقة مع الطبيعة.
هنا
ميزوبوتاميا؛ موطن عشق مم وزين، خجي وسيامند، أمير
هكاري وبنفش، هنا موطن دنيز وكمال وحقي ومظلوم
وعكيد وزيلان وسما. هنا تنبع كل المنابع وتصب
الأنهر.
في
هذا الصباح استيقظت رفيقتي وفي فؤادي لوعة تغزو
عالمي الروحي، لوعة اشتياق لكل الأحبة الراحلين،
اشتقت إلى الأحبة الذين احتضنوا هذه التربة ونذروا
الذات النبيلة لأجل استمرارية الحياة في هذا
الوطن، مشيت ومشيت في هذه الجبال وفي داخلي شعور
ما يدفعني نحو أعلى قمة أمامي، أمشي كمن ناله
السكر في سبيل الوصول للهدف، دون شعور بالذات
وبشكل لاإرادي تحملني قدماي نحو المجهول، تغرد
العصافير من حولي وتتدفق الأنهر في الأودية
وتتعالى الأشجار يوم بيوم وتزهر الزهور بكل لون
ونوع، يبهرني الجمال الذي في وطني، فتتقلص الطرقات
والمسافات الطويلة نحو رفاق الدرب.
خرجتُ للروض في صباح مقيد بالحب والشوق للأحبة،
أبحث عن رنين الضحكات والابتسامات التي كانت تغزو
عالمنا والتي تحولت اليوم إلى صدى مبحوح في
الحناجر. أود معايشة الراحلين جسدياً ومن يعيشون
معنا في كل أجواء الوطن.
منذ
يوم رحيلكم ويومئذ أبحث عن سر ولغز الفتاة التي
اختارت العزلة والصمت لأجل ضرورة الإحساس بالإنسان
الكامن في العزلة الأبدية لجزيرة معزولة عن العالم
الخارجي، يومئذ يا فيان برهنت مجدداً بأن النساء
ستدون أسطورة الحياة الحرة والكريمة بالتلاحم مع
أخلاقيات وجماليات الإلهة الأولى في موطن القدسية
الأزلية.
يومئذ شهدتْ عيناي كيف ضلَتْ الليالي سبيلها من
شعاع نور نار لهيب جسدك اليانع وكيف تاهت الأشعار
بين عمق مشاعرك السامية وكيف تاهت السبلُ سبيلها
بين خصلات شعرك المنسدل، شهدتٌ كيف تبارزت الأنجم
لينالوا شيئاً من ضياء بريق عيناك العازمتين، شهدت
في تلك الليلة كيف يدون تاريخ البطولات بأسطر
الدم، شهدتُ كيف قتلَ الموت في هذا الوطن، ها هنا
نحترف مهنة قتل الموت مئات المرات في اليوم ونبدع
أجيالاً تنذر ذاتها في سبيل الحياة الحقيقة، فهذه
التربة المنثورة بذرى مظلوم وفرهاد وزيلان وسما
وفيان ستعلم أبجدية الحياة لكل طالب حق بالحياة.
هنا
موطن فيان؛ تعلمَ الجوع والعطش والعري والحفي كيف
يتذلل إزاء الطفولة في موطن فيان، وتذوق الموت طعم
قتله على أيدي الأجيال التي ترعرعت في أحضان
الثوار والثائرات. فعلى الرغم من أن كل المظاهر
تشير إلى الموت والحطام والتفجيرات والحوادث
الدامية، سواء كان التأثر بمحض الإرادة أو خارجه
فإن هذه الحالات المفتعلة للأشجان في أرواحنا ليست
إلا خلاصة حديثنا هو أنت يا فيان أنت التي حولت
الموت القادم من كل حدب وصوب إلى حياة أبدية
وبرهنت على أنه هناك شيء ما أهم من الحياة بذاته
وهو الحياة + الحرية، فلا حياة بدون الحرية، لذا
فأن كانت ستكون هنالك حياة لنا على وجه البسيطة
فإما تكون حرة أو تكون حرة ولا خيار آخر لذاتنا
التي ولدت بجريمة أنها كردية.
فيان؛ الكل يعرفها شابة كردية إلا أن تعريفها
يستلزم طاقة فوق العادة، مهما دوننا فلندون فكل
التقاليد لن تشبه الأصل ونحن مهما عرَفنا فلن نفيَ
بالمطلوب لحقيقة فيان، وأن أردنا كتابة فيان بصورة
واقعية فهي المرأة الثائرة والمناضلة والرفيقة
والصديقة والإدارية والشابة والعاشقة والأخلاقية
والمبدئية والبطلة والمتطوعة والباحثة والشهيدة...
فيان تشمل الكل لأنها الشاملة التي عرفت تكون
الشمول في ذاتها، فيان هي الرسالة التي تبرهن على
أن الحرية ملك للجميع ولم يكن يوماً ما هبة من
أحد، والعنوان المؤدي للتوحد مع الهدف في سبيل
الحرية المرجوة. ارحمي اليراع يا فيان فليس
بمقدوره إيجاد صيغ تفيك بالكافي من الوصف أيتها
الغنية عن التفسير فبخلاصة التعبير أنت إلهة النار
التي تقضي على كل شرور وآفات القرن الحادي
والعشرين.
|