شيلان زهرة الحياة

هيفيدار رابرين

عندما تتنهد الصخور والأحجار القاسية في أحضان الجبال الشاهقة، وتصفر الرياح الخريفية من حولنا مع رنين رمال الصحراء الجافة والقاسية ويتراكم المكان فوق المكان، عندما نترك الأمور الصغيرة والفارغة بين أرجل الكراسي ونضع الحقائق الكبيرة فوق موائد الولائم، نبدأ برحلة الاستفسارات ونملأ أسئلة الزمان التي تباغت عناوين المكان.
عندما نتحدث عن البطولة والشهادة نكون حينها قد وضعنا القضايا الهامة فوق كل الأمور البسيطة؛ فالبطولة والمقاومة ثقافة لا نستطيع التخلي عنها، بل مؤمنين بها وعلى دربها سائرين بدمائنا وأرواحنا التي لا شيء أثمن منها في سبيل الحياة الحرة.
في ثقافة البطولة تتحول الحياة دائماً إلى هدف ويجب بلوغه. في ثقافة البطولة لا مكان للحلول الوسطى؛ لأن الحلول الوسطى سمة من سمات الضعف لدى الإنسان، وهي تتناقض مع المبدئية ذائعة الصيت. كما لا مكان للتردد الذي هو سمة ثانية من سمات الضعف لدى المرء، ويتناقض مع الجسارة التي يحرص كل منتم إلى ثقافة البطولة على تأكيدها حتى ولو ضحى بحياته للوصول إلى الأحلام المقدسة. فللأحلام ثمن باهظ؛ لأن تحقيق الأحلام يطلب منا القوة والعزيمة.
مع انطلاقة ثورة الحرية في كردستان بقيادة القائد آبو تنفست المرأة الصعداء. وعندما بدأ القائد بتشييد دور المرأة، ورفع من شأنها حتى بدأت آلاف الفتيات والنساء يغادرن سجون الرجال، يمتشقن السلاح ويصعدن إلى ذرى جبال كردستان الشامخة كشموخهن، وبدأن بمقارعة العدو جنباً إلى جنب مع الرجال، وقد حققوا بطولات لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية، كما أصبحن بارعات في مجال السياسة، والفنون العسكرية بشكل خاص، والحياة بشكل عام.
من بين هؤلاء الفتيات اللواتي انضممن إلى مسيرة الحياة وقافلة الحرية، رفيقتنا شيلان التي تمردت على تقاليد عائلتها الدينية وتحررت مثل بلبلة من أقفاص العادات والتقاليد البالية ورفرفت بحرية في سماء كردستان. وهبت نفسها للكفاح والمقاومة في عمر مبكر.
إنها آلهة ديار الحق، زهرة الحب والحياة، انبثقت كسيل جارف نحو الحياة الحرة. منذ أن فتحت عيناها على الحياة خاضت آلامها وتذوقت أعذب ألحانها، كثيراً ما تراها تغني مع الحياة، وبعضاً تراها تكتب الحياة شعراً وتحولها إلى أبيات أدبية موزونة، وقصائد حب أزلية. من وجهها الطفولي الملائكي تنبع البراءة والصفاء، تدخل فؤادنا من أول نظرة إليها.
كلماتها الجميلة، والمعبرة دخلت إلى صميم وجداني منذ أن قرأت كتابها تحت عنوان لأنني إمراة . أسترسالها الجميل في تحليلات الحياة، لفتت انتباهي.
عندما قرأت يومياتها، تخيلت وكأنها تخاطبني وتتكلم معي بفرح وغبطة لا توصف. ما هي إلا ملاك نزل من السماء. إنها كزهرة دوار الشمس الجميلة، عاشت بكل كبرياء في سيرها الحياتي. كبريائها لا يوصف بالكلمات والعبارات، مليئة بالبراءة كزهرة لؤلؤية ، كزهرة زنبق الوادي تعيد السعادة للجميع. إنها زهرة النرجس التي تحترم مشاعر وأفكار الآخرين وتقدر عواطفهم، أسمها شيلان يعني زهرة الحياة وعبيرها الرائع.
محاسنها التي تعرفت عليها أصبحت قوة لي؛ عرفت أن شيلان لم تعش كما تعيش جميع الفتيات. علمتنا أن ننير درب جميع الفتيات اللواتي تعشن في ظلام الجهل والتخلف. علمتني بأن الحياة ليست نغمات من آلة العود، ليست شعراً نكتبه على دفتر مذاكرتنا، بل هي أطول من الأنهار والبحار وأكبر مما نتخيل. نعم يا سمراء اللون، وقوية الحظ، صاحبة الهيبة والجمال الفائق، على وجهكِ تلوح العظمة، وفي صوتك ِ قوة وجهور، وجهك التي كانت لا تفارفقها الابتسامات... عاشت بعظمة وكبرياء.
شكلت الرفيقة الشهيدة شيلان مؤثراً كبيراً وطريقاً واضحاً في ربط المبدأ بالواقع، وفي تحويل الفكر إلى فعل بعيد كل البعد عن التنظير والبحث وعن التشدق بالألفاظ والعبارات الجوفاء. شخصية لا تحني رأسها لأي مفهوم خاطئ أو أي تقرب بعيد عن نهج القائد آبو، فطوبى لروحكِ الطاهرة ودمائكِ التي بذلتيها من أجل صون الكرامة والحرية وتحقيق مستقبل واعد للأجيال القادمة من بعدكِ.
كنت وستبقي نبراساً للنضال والمناضلين في كل بقاع الأرض المقدسة، ومدرسة للثوار يستلهمون منكِ روح الإقدام والشجاعة ـ لأن الإنسان موقف، والموقف تضحيات، والتضحيات مشاعل نور تزيح الظلمة عن الدروب المضيئة للحرية ـ الهدف الأسمى الذي وضعته رفيقتنا؛ اعتناقها للحرية وعطشها للحياة الحرة.
استشهدت الرفيقة شيلان باقي ( ميساء باقي ) بعد أن صعدت منبر الإلهات، وأصبحت آلهة الحرية في وطن الشمس والنار، التي أصبحت صوت وموسيقى شلالاته العالية وجمال أنهاره الرائعة، تبعث فينا الحب والحياة.
لنكتب معاً نحن الفتيات، للحرية أنشودة نقرأها بتلاوة أوجلانية في عيون شيلان؛ ونختار نضالها ماءاً للحياة نشربه وأن نحيي، ومثالاً نحتذي بها في الوطنية.
ليموت الظلم، الحقد، والكراهية وتحيا جميع الأوطان. ستبقى شيلان شمساً وهاجة تنير الدرب للأجيال التي تنادي بحريتها في كردستان. أنها صفحات مشرقة من حياة بطلة كردية آبوجية حفظها الدهر والزمان، وختم عليها بختم ذهبي، وأبقاها عبيراً جميلاً في الزمان، وعبرة في التاريخ.
.
 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2010