ذكريات حية

اعداد: دستينا

أجل... هن بطلات وذكريات حية انحفروا في الأذهان والقلوب معاُ. انهن لم يدّفن في الماضي بل انهن باقيات في أعماق حاضرنا ومستقبلنا. يولدن من جديد مع كل انبثاق لوردة الكاردلان على أرض صلبة، يولدن مع كل انبهار للربيع في جبال الحرية، مع كل قبلة خجولة تطبعها ذرات الثلج على وجه الأرض. أنهن صوت الخريف وعمقه.

رموز ونقوش وفنون مرسومة على صفحة أيامنا وتاريخنا. حوريات في جنة النساء لا...لا...  أنهن لم يهاجرنا مثواهن قط، فهن صورة حية من تاريخ النساء. عظيمات أفدين بأرواحهن في سبيل تحرير المرأة. لكل منهن تاريخ طويل من الأساطير والميتولوجيات. ليعدن يوما ما... سيعود بنا التاريخ الى الماضي لنراهن كما رحلوا وهن مبتسمات.

كانون الاول خريف منطبع في الأفئدة، جرس يدق من وراء افق بوطان ( جبال فراشين)، وأعالي جبال حفتانين (بكوفا)، وخاكوركا ( جيل اوجار). سعيت لالتقي برفيقاتهن وكانت منهن الرفيقة هيلين، مناضلة عاشت مع الرفيقة زنارين التقينا بها لتقول لنا :" التقيت مع الرفيقة زنارين في عام 1997، كانت آنذاك قد جاءت من ساحة القيادة. كنا آنذاك مجموعة من الرفيقات قادمات من إيالة ( كارزان )، مازلت أتذكر وكأنه اليوم، كان بداية الربيع. كانت تنسحب قواتنا من الشمال في عام 1999 إلى الجنوب، التقينا على الطريق مع  سرية للرفيقات. حيث كان التعب قد نال منا الكثير، وكانت قد سمعت الرفيقة زنارين بمجيئنا، وإذا بها مع ررفيقتان استعدت لاستقبالنا، استقبلتنا بابتسامتها الرائعة. عندها سألت من هي هذه الرفيقة ؟ قالوا لي إنها الرفيقة زنارين. عندها أعدت لنا الطعام واشعلت المدفئة واهتمت بنا كثيرا، انتابتني أنذاك مشاعر غريبة، احسست من اعماقي بحبها وارتباطها برفاقيتها. أحببتها من كل قلبي، وراقبت طراز حياتها وكيفية تقربها من الرفيقات في غمار تلك  المراحل الصعبة. كانت تهتم بسريتها كثيراً، مسؤولة عن تدريب الرفيقات. انضممت ذات مرة الى تدريبها، كانت تتمتع باسلوب وخطابة جذابة جداً. تنحب من قبل جميع الرفيقات، حيوية، ذات روح شفاف في انضمامها للحياة.

تسعى دوماً بوسيلة تدريب الى لم شمل الرفيقات، ناقشت معنا آنذاك بصدد اوضاع الرفيقات في ساحات الشمال بغرض التعرف على مصاعبنا.  كانت مرتبطة وتشوق الانسان للتربص بخط القيادة، وايديولوجية تحرر المرأة.

لم تكن تعرف التكلم بالكردية بشكل جيد، ولكنها رغم ذلك كانت تتكلم. منفعمة بالعواطف. تحاول دوماً تجذير وترسيخ أفكار القيادة في الحياة. كان قبلها قطعة الماس براقة، جميلة كانت زنارين. كان جمال شكلها ليس إلا جمال روحها وجوهرها. لم أنسى قط يوماً شكلها وملامح وجهها وجمالها، كان شعرها ذو لونان أبيض مختلط من بعض الخيوط الكستنائية وكأنها خيوط الشمس الأولى في بداية الصباح.

كانت تتمتع الرفيقة زنارين بشخصية قوية، متعمقة، تترسخ فلسفتها الحياتية على أساس مؤازرة الرفيقات وتقويتهن، جاهدة لتبدع منهن نساء واعيات، ومناضلات قويات في سبيل الحرية.

كانت تحب الانسان تأثرت كثيراً بشخصيتها، قلت لها آنذاك سأذهب إلى التدريب وأعود إلى سريتك ثانية يارفيقة زنارين، وعلى هذا الأمل ذهبت إلى التدريب. ولكن... ولكن... وإذا بدموع صامتة تنهمر من أعين هيلين لترسم على وجنتاها حقيقة أمل ٍحاضر مختبىء في المستقبل. لأنها كانت ذات طراز تكتسب الانسان وتعمل على تقويتهم كانت طبيعية التحرك والتصرف. كانت تهتم بالانسان.

كانت متعلمة وتدرك حقيقة النظام لذا كانت تتعمق دوماً في فلسفة القيادة، كانت تتحدث دوماً عن القيادة وطراز حياته. كان القائد هو محور تدريبها ومحاضراتها. كما كانت تسعى الى تدريب الرفاق الشباب أيضاً، مؤمنة بان المجتمع الحر لن يبنى على أساس تحرر المرأة فقط. كانت مثال المرأة المناضلة في سبيل تحرير النساء، تمارس نضالها بارادتها واعتماداً على قوتها الذاتية. لم تدرك الرفيقة زنارين قط يوما معنى الاستسلام للنظام الرجل وممارساته الغير الممارسة بحق النساء، قوية في حربها الجنسية. تعد وتدرب سريتها دوماً على فنون الحرب.

الرفيقة زنارين امرأة قوية من جميع النواحي الايدلوجية والسياسية والعسكرية أيضاً، راديكالية في التصدي للأخطاء. مؤمنة بوجوب حفاظها على الفلسفة الابوجية وايدلوجية تحرر المرأة الكردية. كانت تقول على الدوام وكأنها تقرأ المستقبل بين كلتا كفي يديها. تقول على الرفيقات أن يملكن أنفسهن بقوتهن الذاتية رغماً عن كل شيء. 

بقينا لمدة شهرين في سرية الرفيقة زنارين، زنارين مازالت تعيش. أشعر بأن ما تتفوه به شفتاي عن الرفيقة زناين مسلسل يتلهف عيناي وقلبي لمراقبتها وتتبع حركاتها وتصرفاتها الحرة البريئة. كانت تدرك معنى الجهد، تجهد لتزيد الحياة جمالاً وخلابية. مازلت احتفظ بذكرى زنارين في روحي وأعماق قلبي، لا يمكنني نسيان ابتسامتها وحديثها. لا أستطيع نسيان جمالها، أحس وكأنها دوماً تعيش هنا إلى جانبنا. تتكلم، تضحك، تبتسم كما كانت في الماضي.

كانت تحب الأدبيات وتكتب الأشعار، قدمت لي ذات مرة دفتر أشعارها. قرأتها. أدركت للمرة الثانية مدى جمال روحها كانت للرفيقة زنارين عالم خاص وروح لا مثيل له. كانت معلمة قوية تشدنا الى التدريب والتفكير، تساعدنا، وتنصحنا لنعد انفسنا من أجل المستقبل. كانت تعلمنا كيف نناضل ونجابه النظام الرجولي. وتقدم لنا محاضرات حول  دور النساء في احياء تاريخهن ضمن نضال حركة تحرر المرأة الكردية في حركة النضال.

عندما حان ساعة الوداع ودوام المسيرة نحو الجنوب، عندها أتت معنا الرفيقة زنارين على طول ساعات لتودعنا. لن انسى ما حييت صورتها الأخيرة والمنطبعة في فكري، وحتى الآن لا يمكنني أن أصدق بأن زنارين التي ودعتني البارحة لن التقي بها غداً. كانت تصر الرفيقة زنارين آنذاك للذهاب إلى بوطان، وبالفعل ذهبت الى مثواها وحققت طموحها.

كنت على الدوام أسأل عن اوضاع الرفيقة زنارين، إلا إننا بعد مرور ثلاثة أشهر سمعنا بنبأ حدوث  أشتباك في ايالة بوطان في جبال فراشين.

نعم... هو تاريخ شهادة زنارين، تعرفت عليها في 97 وودعتها في 97 . استشهدت زنارين في بوطان (جبال فراشين)، استشهدت في جبال الحرية، تاركة لنا رسالة النضال والاصرار على الحرية. زنارين كنت وستبقين حية خالدة في أعماقنا. في ذاك الاشتباك كانت قد الفت الرفيقات اغنية عن بطولة الرفيقة زنارين. زنارين هي ترانيم واغنيات حية تدق في فلوبنا. وصف زنارين في غاية الصعوبة.

اجل... أدري أنت سعيدة الآن لأنك التحقتي ببريتان وزيلان ومريم  لتقول لنا ( آدار ماردين ) :"  في عام 1992 بعد انتهاء الحرب، كنا في منطقة زلية. عندها أتت الرفيقة مريم، كانت تردد على الدوام علينا تتبع خط بيريتان. كانت مثال للصدق والوفاء والاخلاص للرفاقية. كانت الرفيقة زنارين أم، ومناضلة ايضا. تناضل في سبيل أن تحيا ابنتها بحرية، لم تعش في سبيل حرية ابنتها فقط، بل كانت مثالاً للنضال في سبيل تحقيق حرية النساء عامة.

كانت تحيا لتكون كادرة أبوجية، لأنها كانت قد أدركت حقيقة النظام الرجولي بشكل جلي وملموس. تصف الفلسفة الأبوجية بمحيط لا قاع له، وبأن على النساء السباحة والطيران في أعالي أفق هذا المحيط. كانت تتمتع بقوة تجذب الرفيقات والرفاق اليها. تقول بأن نضالنا سينفجر كبركان ضمن أحشاء العدو. كانت تحب الرفيقة مريم النجوم لذا عند غروب الشمس كانت تجلس دوماً فوق صخرة وتترقب سير النجوم، وتقول لنا آهل تدركون معنى النجوم؟ إن النجوم  تجمع القلوب عند بعضها، تلم لم شمل المحبين لبعضهم، لذا فالتقي على الدوام مع القائد.

كان حلمها الكبير أن تتجول في كردستان وتمشي بحرية على ذرى جبال بوطان وجارجيلا مع القائد. كان تسقي مريم شجرة آمالها بحبها ونبلها دون كلل. كانت تشبه رفاقيتنا بطراز العصافير قائلة: " إننا أيضاً كالعصافير نعيش في عش واحد، ونتغذى من منبع واحد، ولكن لفجأة نرى بأن رفاقنا قد هاجروا إلى البعيد واستشهدوا". لم تكن تتقبل الرفيقة مريم النواقص، بل كانت تناضل بدون هوادة. ومن ثم تلقت مهمة ادارة السرية لذا كان يتسابق الرفاق والرفيقات للانضمام إلى سريتها، كانت متوضعة جداً. ماهرة في فن قراءة أسرار الإنسان والتعرف علي شخصيتهم. ذات مرة جلست أنا والرفيقة مريم والرفيقة زهرة فوق صخرة، وكانت تترقب حفرة للنمل، فنبهت الرفيقات صارخة لا تدسوا على أماكن النمل. فمن حقهن أيضاً التمتع بحياتهن. عندها تكلمت لنا لساعات طوال عن طراز حياة النمل وجهدهم ونشاطهم، مشبهة اياه بنضالنا وطراز رفاقيتنا. 

كانت تحب الطبيعة كما هي عليه، تحب الازهار وهي متربعة على غصنها. تقول الطبيعة جميلة بكائناتها، وتحب الاطفال وتناضل في سبيل حرية الأطفال.

كانت تتخذ من الاقناع سبيلاً أساسياً للنقاش مع الرفاق والرفيقات، وتحارب ضد الخونة لحماية خط القائد وايديولوجية تحرر المرأة. كانت تعيش بذكرى الالتقاء مع القائد(آبو). استشهدت مريم في /26/ عام /1997/. أجل... إنهن ذكريات حية تعاش في الأفئدة، آمال وطموحات نهرع وراءها كمن أضاع شيئاً وبات يبحث عنها. فقدنا الكثيرات منهن، ولكنهن ذكريات حية. أسرعتم لتلتقوا ببيريتان، مثال للمرأة المقاومة والغير مستسلمة للخونة. ستحيا ذكرى بيريتان بيننا الى الابد ما حيينا. هنا بطلات افدين بأرواحهن في سبيل حرية النساء. كل ٌمنهن نادت الأخرى لتلتحق بها في قافلة المخلصات.

هن ذكريات حية. ذكريات حية...

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006