عملية زيلان… هي نظرية الساحة الثالثة

يارا آندوك

من أكثر المصطلحات المتداولة في عصرنا الراهن، والتي جذبت انتباه الكثير من رجال العلم والآثار والمنقبين؛ مصطلح "العصر النيوليتي" الذي يمثل مربض تاريخ الشرق الأوسط عامة. والتاريخ الكردي على وجه الخصوص، والذي يعبر في الوقت نفسه عن الثورة الزراعية والحيوانية القروية المتمحورة حول المرأة. المرأة التي استقرت وبدأت تكتشف المجاهيل الواحدة تلو الآخر… المرأة الأم التي كدحت وألتحمت بالتراب إلى أن صارا كلاً متكاملاً من حيث الإنتاج والولادة والتربة والاحتضان وإغناء الحياة وتأمين ديمومتها وإعطاء معناها… المرأة الإلهة التي كونت البنية الروحية والذهنية والثقافة المجتمعية الأولى على أساس عادل ومتساوٍ ومفعم بالحب.. حب الإنسان، حب الطبيعة، حب الحيوان… المرأة عشتار الربة التي صبغت تلك المرحلة بصبغتها المقدسة المباركة….

ومن ثم انحرف التاريخ عن مساره مع بداية عهد الرهبان السومريين وتكوين الدولة ونشوء الطبقات، فانزوت الإلهة عشتار في زاوية منسية من التاريخ، وساد العنف الدموي الذي وصل ذروته مع الرأسمالية في القرن العشرين المنصرم، وسادت الفردية وأغترب الفرد عن جوهره وعن الطبيعة، وتفاقم وضع المرأة المزدري إلى أن سُلبت منها هويتها وإرادتها الحرة وإنسانيتها، وتحول الشرق الأوسط من وضع الأم الخلاقة إلى عبد لا حول له ولا قوة، ومن موطن الآلهات والربة عشتار إلى موطن مهمل في مزبلة التاريخ…

كان لابد للثقافة الربة عشتار أن تجد لذاتها منفذاً تخرج منه كضرورة حتمية لتعود الإنسانية إلى مجراها وتسترجع عراقتها… إنها ضرورة حتمية تفرضها الجدلية التاريخية وهنا لا يسعنا سوى تداول عملية الرفيقة زيلان وفق هذا المنظار، أن كنا لا نرغب الدخول في نطاق ضيق بعيد عن الصحة.

فعملية الرفيقة زيلان تعتبر رد فعلً عنيف تجاه واقع النظام الذكوري الحاكم ومؤسساته التسلطية المترسخة منذ عهد الرهبان السومريين ومروراً بالإقطاعية وصولاً إلى يومنا الراهن. أنها عملية دك دعائم النظام الذكوري ذي اللون الواحد وتبني جوهر المرأة الأصلية، وسعي مخطط ومدروس لكشف النقاب عن مَلَكات المرأة وطاقاتها الخفية بعد هدّ كافة القوالب الفكرية الجامدة المسلَّم بها.

إن عملية الرفيقة زيلان  تنظيمية أيضاً، فقد أدركت زيلان أن لا حياة لأية بنية اجتماعية ما لم تمتلك بناها التنظيمية، وأن الحياة بحد ذاتها تعني تنظيم الذات وتربيتها وفق أهداف معينة، فمثلت شخصية المرأة المنظمة بأرفع مستوياتها. وارتبطت فقط بأهدافها السامية. لقد نظمت روحها وفكرها وعقلها وحواسها ووجدانها بموجب ذلك وحاربت خصائصها القديمة وحققت صفاءها الفكري ونقاءها المبدئي. لقد فجرت زيلان القنبلة في وجه كل ما هو كلاسيكي قديم وبالٍ وقبيح وكل المشاكل التي تعاني منها المرأة طبقياً وجنسياً واجتماعياً وقومياً… لقد فجرتها في وجه النظام الذي جرد الأم من هويتها الخاصة بها وقيدها بسلاسل العبودية العمياء، فازدهرت بين خصلات شعرها المحمرة براعم هوية المرأة الحرة المنظمة الواعية بعد أن حللت وقائع يومنا الراهن وتداولها بجذورها التاريخية، فكونت إيديولوجية حرة خاصة بالمرأة، أشهرتها كسلاح فتاك تجاه الإيديولوجيات السائدة ذات الصبغة الذكورية المتسلطة. وهكذا صارت زيلان جسراً أحمر تنتقل عليه ثقافة الربة عشتار من العهد النيوليتي إلى عصرنا الراهن، وتنبت بذلك خصائص عشتار لنزرع بذور ثقافة الإلهة من جديد في الوقت الذي زُعم فيه بأن المرأة جنس ثانٍ، ومجرد مادة جنسية ومتاع مادي لا غير.. وهكذا خطتّ مسار مانيفستو حرية المرأة بتحقيقها الثورة الذهنية والوجدانية وهدّها أسس فلسفة الموت والإيديولوجيات العبودية السائدة.

لقد أحست الرفيقة زيلان بألام شعبها الكردي وتشربت مخاضات المرأة الكردية المسلوبة الفكر، فسمت بإرادتها وحولتها إلى قوة عملية ونهج عملياتي مفعم بالوطنية في المكان الذي طالما تكثفت فيها الجهود لتجفيف الوطنية فيه. أجل إنها عملية وطنية، ذلك أن الوطنية تعني الدفاع عن الذات، وتطوير حب التراب وحب الإنسان والحيوان والطبيعة. وتعني وضع البرنامج السليم والعملية الصحيحة في الزمان والمكان المناسبين لحماية وجود الإنسان والدفاع عن جوهره النقي. وهنا يخطر على البال قول القائد:((لقد أحست زيلان بألام شعبنا العميقة من الصميم. أنها إمرأة ترعرعت بعيداً عن ترابها، لكنها حملت حبها للتراب ولأناسها في قلبها، وبحثت عن الحب، فتوصلت إلى هذه العملية)). أجل لقد نفذت عمليتها تلك في ديرسيم التي كانت مركزاً للسياسات التي تستهدف تغريب الشعب الكردي عن حقيقته وجعل الخيانة طرازاً للحياة لديه بعد أن تم إخماد آخر تمرد هناك في 1938م.

لم يكن تنفيذ العملية في ديرسيم بمحض الصدفة، بل عن وعي وتخطيط. بهدف ضرب تلك السياسيات الملعونة عرض الحائط، فكانت بذلك نداءاً عادلاً يطالب بحقوق الشعب الكردي بالعيش حياة مشرفة كريمة، وحساباً عسيراً من الخونة والأفكار البليدة التي تؤلّه الدولة والمسَّلمات الذهنية السائدة هناك، ودعوة صارخة للشعب الكردي لتبني ماضيه العريق والعودة إلى جوهره الوطني الأصيل.

إذاً فهي عملية تنتهج خط الدفاع المشروع للمطالبة بحق حياة سليمة عادلة، ودعوة للبشرية للتخلص من الفردية المتعفنة في وجدانها، والتحلي بأخلاق إنسانية سامية عادلة كي تعمر الحياة بالحب والسلام الحق كما كانت عليه في عهد عشتار. وبمعنى آخر. إنها عملية مثلت مبادئ  الساحة الثالثة في مضمونها في النضال ضد مفهوم الدولة الرب والمجتمع الكلاسيكي، وهي محاولة مدروسة واعية لدمقراطة الفرد والمجتمع، وإثبات قاطع أن قوة الإنسان المنظم أفتك من أقوى سلاح نووي. وإذا كان هذا الإنسان هو المرأة فيشكل ذلك أسس الديمقراطية والسلام العادل المتوخي والشامل.

للساحة الثالثة أسمها الخاص بها، ولونها العائد لها، وخاصياتها العائدة لها… إنها ساحة شاملة، غنية، خلاقة، حرة… تماماً مثل عملية الرفيقة زيلان التي تبنت حقوق كافة الشعوب المظلومة بكافة ألوانه الغنية، وجمعتها في هوية إيديولوجية أنثوية، مصبوغة بلون المرأة الحرة ومتحلية بثقافتها الاشتراكية والاجتماعية السامية. الساحة الثالثة تعني الانضباط والتنظيم والمسؤولية العليا. وتعني البرنامج والتخطيط الدقيقين الشاملين، وتدعو لسيادة الحقيقة والعدالة، وتعمل على ترسيخ الحب السليم أو تعزيز أواصره بين الأفراد. وبين الفرد والمجتمع، والفرد والطبيعة، والمرأة والرجل… تماماً كعملية الرفيقة زيلان التي غدت عنواناً للالتحام بالمرأة الحرة والفرد الحر والإنسانية الحرة، بأعلى درجات المسؤولية، ورمزاً لعشق الحياة الحرة لدرجة الموت في سبيلها، تماماً كمفهوم الساحة الثالثة. وهكذا خلقت دعائم المجتمع المدني مع حركة الحرية في كردستان نظرياً وإيديولوجياً وتنظيماً وعملياً، وأجابت بشكل لا يقبل الجدل على السؤال الحياتي: كيف نعيش..؟ وأصبحت قائدة قدوة تتحكم بمسار التاريخ، متطرقة إلى خصائص القائد القدوة بقولها:((القائد، هو من يمثل الجديد المطلوب، ويجسد كافة التطورات في شخصيته بأعلى مستوياتها. أي أنه من يرتب حياته برمته وفق حياة أبناء شعبه، ويربط مصيره بمصيرهم، وأهدافه بأهدافهم. ويحيي عواطفهم ويجسد متطلباتهم بأعمق الأشكال. فيعبر بذلك عن الفرد الحر والمجتمع الحر، وهو من يحتضن مهامه العملية بأرفع أشكالها في سبيل خلاص شعبه)).

لقد فتحت الرفيقة زيلان صفحة جديدة في مسار تاريخ نضالنا الحزبي وتاريخ حركة حرية المرأة على حد سواء، فمن ناحية هزت كل دعائم المدافعين عن نهج العصاباتية الرباعية والتواطؤ الذي ينخر في جسد حزبنا كالدودة ويقف كسدّ عائق يحول دون تعزيز الوحدة التنظيمية، بل ويدعو لانتهاج فلسفة الموت الرخيص والانتحار العبودي البسيط؛ ومن ناحية أخرى وضعت نقطة فاصلة لخصائص المرأة العبدة التي تكوّن أرضية خصبة لمختلف التصفيات وشتى أنواع التآمر على حركة نضالنا الحزبي ونهج القيادة فيه، لتقول بذلك "قف" لكل المساعي التآمرية المستهدفة للنيل من الإيديولوجية الآبوجية الحرة والقضاء عليها على الصعيد الدولي، فأصبحت بذلك فدائية إيديولوجية القائد آبو. وخلقت مبادئ إيديولوجية حرية المرأة التي تشكل جوهر نضال القيادة والنهج الآبوجي، ودلّتنا بذلك على ما علينا إحياؤه وفهمه من جماليات الحياة وجماليات الحرية ومشيرة إلى أنه كل غالٍ ثمنه باهظ وأن لا شيء أسمه "مستحيل" أمام عظمة القوة المنظمة للإنسان الواعي.

أجل… بعد هذا الشرح الموجز يخطر ببالنا سؤال حياتي لا مفر من مواجهته:"ما العمل…؟" تجاه حقيقة زيلان… ((إن إعطاء الجواب لزيلان يعني أن تكون قنبلة تنظيمية، أن تكون قنبلة إيديولوجية وسياسية، أن تكون قنبلة معنوية وخطابية)). فتطوير التنظيم والوحدة فيه، والنضال ضد شتى أنواع الرجعية والميول المنحرفة والمفاهيم الشائبة العالقة في حياة الحزب، جزء لا يتجزأ من عملية تجسيد نهج الرفيقة زيلان في الذات وإحيائه في الحزب. ولا سبيل لذلك سوى بإعطاء النقد الذاتي الجريء والصميمي، ومحاكمة الذات بصراحة وصرامة لأجل التطور كأحد أقوى وسائل التحول الثوري والحزبي والكادري. وبقدر ما تعتبر عملية النقد الذاتي هذه صعبة، بقدر ما هي من أهم مقومات حركتنا التحررية وأسس تعزيز أواصرها. النقد الذاتي أمام حقيقة زيلان يعني محاكمة الذات وكافة النواقص ومواجهتها بجرأة وتحليلها والقضاء عليها بلا هوادة، ويعني التطبيق العملي السليم بعد كل ذلك. وقد أشارت زيلان إلى هذه الناحية بقولها:((لقد بدت بكل سطوع حقيقة عدم التحجج مراراً وتكراراً في عمليات النقد الذاتي بمفاهيم البرجوازية الصغيرة والقروية والإقطاعية وتأثيرات الحرب الخاصة وتشكيلة العدو في شخصياتنا، وغيرها من الحقائق الأخرى. فأنا أؤمن بأن النقد الذي الأكثر سلامة يمر من خلال التطبيق العملي السليم)). فزيلان تعني التعبير الملموس والصافي للحرية ومثالها الحي الأبدي. انها تركيبة جديدة لكافة المقدسات السامية، وما علينا سوى تحليل خصائصنا الرجعية المتخلفة واستبدال الخصائص الثورية المرحلية بها، بعد كشف النقاب عن جذورها التاريخية ومخلفاتها، وتثبيت كيفية التخلص من تأثيراتها لتجسيد كل ما هو جديد، واحتضان المهام المستقبلية بمسؤولية عالية. أن النقد الذاتي تجاه حقيقة زيلان يعني تبني ثقافة الربة عشتار والتحلي بخصائصها والقيام لأجل ذلك بالثورة الذهنية والوجدانية والأخلاقية لتحقيق عملية نهضة المرأة كشرط لا يقبل الجدل لأجل الحياة حرة مشرفة. انه يعني الالتحام بنهج القائد آبو وتجسيد طراز حياته ومبادئه في الذات والعمل بدقة وحساسية لا متناهية بموجب ذلك. وإذا لم نقم بذلك فهذا يعني التشبث برجعيتنا وإحياءها، والتمسك بفلسفة الموت والإيديولوجية العبودية، والبعد عن واقع الحرية، بل والانفصال عنه. وهذا هو الموت بعينه.

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006