|
تكوشين أوزان
ترجمة: آفرين أحمد
فؤاد
"أحب الحياة لدرجة أني أستطيع
الموت في سبيلها"، بقولها هذا عبرت عن استوعابها
لوقفة ومفهوم كمال بير في سبيل الحياة الجديدة
للتعايش الأخوي للشعبين التركي والكردي. كان هذا
هو رفيقنا الذي صَرخ بهذه الأقوال حتى وهو معرض
لأشد أنواع التعذيب في أثناء مرحلة 12 أيلول
البربرية والخارجة عن النطاق الإنساني، لأنه هو
الذي وهب القلب والفؤاد في سبيل الكبرياء والحرية
وهو صاحب إيمان عظيم وراسخ بتطبيق هذا النهج
وتفعيله في الحياة. وهذا ما يعرب لنا عن أن تحقيق
مسار ظاهرة ما لابد لها أن تكون على علاقة وثيقة
مع مدى عظمة الإيمان بها. فالإيمان هي التي توفر
مصدر الطاقة والدينكاميكية للوصول نحو تحقيق
المبغي. ولهذا السبب بالذات أٌعتبر إيمان كمال بير
وكافة رفاقه المقاومين مصدر الحياة للشعب ولكافة
رفاقه المتواجدين في الخارج في تلك المرحلة. وبات
تعبيراً لفلسفة الإرتباط بهذه الحياة والسعي نحوها
لكافة المناضلين والمقاومين في الخارج وبالأخص
للثورة المندلعة في الجبال. فكل تضحية شهيد بجسده
وحياته ما كانت إلا إيماناً في سبيل الحياة بعزة
وكبرياء على مدى السنوات المديدة، وبالمقابل تعتبر
كل وقفة وعملية ومبادئ وقيم الشهداء إلا وسيلة
إعراب عظيم في سبيل تصعيد هذا النضال. وما كل
تضحية في سبيل تحويل الموت نحو الخلود، ما هي إلا
تعبير عن عقم التعريف الإنساني للقوة والجدلية
الكونية ما بين الموت والحياة. ولكن من دون أدنى
شك ثمة هناك من قام بالبحث والتنقيب في هذه
الجدلية والذين سعوا نحو الخلود إلى جانب العظماء
الذين وهبوا أنفسهم في سبيل تحقيق أهدافهم السامية
على مدى تاريخنا المديد. فلازال هناك من يشرفون
موتى الحرب الدائرة بشرف الشهادة. إلا إن الأمر
يختلف بعض الشيء لدى
PKK؛
فهم إلى جانب إبداءهم الإحترام اللامحدود واعتبار
الشهداء أعظم قيم النضال وإيلائهم المرتبة العليا
لكل من وهبوا حياتهم بكل ما يمتلكون من قرارية
وجرأة في سبيل الحرية، يولون الشهداء مصدر ومنبعاً
لنهل القوة واتخاذ وقفة حياة الشهداء كأسس ومبادئ
يسيرون وفقها ويتابعون المسير على نهجهم في شتى
الأماكن التي يتواجدون فيها، أي أنهم يعتبرون
إحياء الشهداء أساس لنضالهم. ولهذا السبب فلا عزاء
في ذكرى الشهداء لديهم، بل يقيمون المؤثرات
والفعاليات التي تستطيع التعبير عن شهدائهم
ويحتفون بهم. فحقيقة الإنسان ليست وفق تواجده
الجسدي والفيريائي فحسب، لذا فلو حللنا وقيمنا بأن
الإنسان هو عبارة عن شمولية ما بين الشعور والفكر
والشخصية والأهداف، حينذاك سنتمكن من تقبل حقيقة
بأن الإنسان لا يموت بمجرد رحيله جسدياً. ومن هنا
يمكننا
القول بأن مقولة "الشهداء لا يموتون" (Şehîd
namirin)
ليست بغاية التحريض والإعلام فحسب بل هي تعبير عن
حقيقة واقعية. فالشهادة؛ ليست موتاً، بل هي إرتباط
وثيق مع الحياة ولا انتهاء لهذا الارتباط البتة،
وهي تعريف لخطوة تقدمية جديدة أخرى للحياة. فقد
سمّوا المصطلحات بمعانً جديدة للحياة. فلو كانت
وجهات النظر تختلف في نفس المصطلحات فهذا نابع من
فلسفة البنية التحتية لوجهات النظر هذه.
فلو طرأنا بالنظر إلى المراحل
PKK
التقدمية، سوف ندرك بأنهم استطاعوا تدارك
الإنسدادات عبر إبداع الوقفة الفلسفية الإيدلوجية
الجديدة وخطو خطوات تقدمية قوية تجاوباً مع
الشهادات الذين يعتبرون مصدر إضاءة وتنوير بالنسبة
لهم. حيث تم تأسيس
PKK
تجاوباً مع استشهاد الرفيق الشهيد حقي قرار،
والتجاوب مع مقاومات السجون عبر تطوير الكريلا،
ومن ثم كانت وقفةPKK
الأساسي هو التجاوب مع استشهاد
الرفيق الشهيد عكيد (معصوم قورقماز) من خلال توسيع
رقعة إنتشار الكريلا واتخاذ قرار التجيش. ومن
بعدها فقد حللّ وعللّ القائد آبو عملية الرفيقة
الشهيدة زيلان كناجي الإستشهادية في 30 حزيران عام
1996 ورسائلها القادمة فيما يعد على أنها نهج بحد
ذاته واعتبرتهاPKK
كتاج لعادات وقيم هذه الحركة.
ونعت هذا النهج بـ " التحول إلى زيلان".
لذلك فكلما نطقنا باسم الرفيقة
زيلان فأن أول ما يخطر لبالنا هو التفكير في ماهية
الأهداف والمساعي التي تحث إمرأة على تقطيع نفسها
إرباً ـ إرباً في سبيلها. لأنها من خلال هذه
العملية أصبحت زيلاناً. وبالتالي يمكننا القول بان
لا هذه العملية ولا التحول إلى زيلان لم ينتهج
الوجود الجسدي أو الفيريائي. فهذه هي لهفة الحياة
الحرة التي تجتاح كافة العوائق بقرارية عظيمة
والتي وهبتها هذه الميزة الخاصة بها. فالذي حولها
لنجمة لامعة كالرفيق الشهيد كمال بير ليس إقدامها
على العملية الأخيرة، لا بل هي وقفتها الثورية
المندفعة. فيمكننا ومن خلال صور الطفولة رؤية
البريق الآخذ الناضج الذي ينعكس من عينيها منذ
نعومة أظفارها ومن ثم الملامح العميقة البارزة
بجلاء في الصور الأخيرة للشهيدة الرفيقة زيلان.
وكأن تلك العيون حملت كافة أوجاع القلوب الملتوية
والأبدان المسحوقة وألام الجوع والفقر لشعب بأكمله
إلى جانب ألام وتباريح النساء أيضاً. وكأن هذه
العيون لم تكن عائدة لها فحسب بل كانت تعكس ألام
وأوجاع كل المتألمين. لم تكن نافذة الصبر لا بل
ذات معنى كبير، لم تكن حاقدة لا بل آهبة للإحتضان
بمحبة وعطف عظيم، لم تكن خانعة لا بل وكأنها
متعاهدة مع الحرية منذ زمن بعيد. فهذه ليست
آنارشية تتخذ الحرية الفردية وتنبذ القيم
الاجتماعية جانباً ولا وقفة فدائية في سبيل القيم
الاجتماعية فحسب. فقد حولت زيلان لهفتها للحرية
الإجتماعية كهوية في ذاتها، وزيلان هي الوصول
للفرد الإرادي. إذاً فالتحول الزيلاني هو الإرادة
القادرة على شمل القيم الإجتماعية والفردية سواسية
ضمن عملية واحدة.
ومن دون أدنى شك الحرية لم تقلّ
(لا) لأحد بتاتاً فهي ظاهرة كونية. فنحن لا نعرف
ميل الحرية لدى المخلوقات والكائنات الأخرى ولكنها
كانت حملاً تصرخ وتناشد بها الإنسانية كجانب
متسلسل على مدى التاريخ الإنساني. وبالطبع فأن هذا
الجانب كان موجوداً وسيظل متواجداً على الدوام.
لكن وجب المعرفة بأن الحرية لا تأتي من ذاتها. فهي
بحاجة لصرف مجهود كبير ووعي وقيم أخلاقية عظيمة
وسامية. فلابد بداية الاقتناع بأنه لابد من تغير
الأمور وبالتالي يترتب على المرء حمل المسؤوليات
العظيمة لتلبية متطلبات كافة القضايا والعقد
وإعطاءها المعنى الوافي بقوة عالية وحتمية إمتلاك
قلب ذو قرارية عالية وجرأة فائقة ومتانة عظيمة.
ففي حين أن بعض االظواهر تصدر طاقتها بمجرد الضغط
على المكبح. إلا أنه مهما تفاقمت تأثيراتها
الحينية فهي معرضة للزوال بقدر تفاقمها السريع.
ولكن التراكمات الناجمة عن تعمق السوية النضالية
تستخبر على الدوام ظهور إنبعاثات غاية في الأهمية.
والرفيقة زيلان التي كانت صاحبة الميل الممتاز
بإزالة كافة العوائق الحياتية، بالإضافة لما
أضفتها حركة التحرر من سوية مرموقة إلى جانب
سويتها الأصيلة والتي كانت تحمل جوهر هذه الوقفة
في شخصيتها بذاتها. ولكي تبرعم مزروعات تلك الأرض
الجرداء بالأمل والنصر إلى جانب تجاوز الجهل
والتخلف المحلول على رأس النساء متخذة بذلك بذل
المجهود والمعرفة وجهدها الذاتي كأساس في مسيرتها،
بالإضافة إلى كسر القيد المفروض على النساء
كالزيجة والتي غدت كعادة خاصة للحياة، فاتخذت
الطواعية لتجاوز مشاكل الشعب بمسؤولية عالية
وارتباط وثيق وبالطبع الإنضمام النضالي الفعال
بقرارية وراديكالية كانت من شيم وقفة الرفيقة
زيلان الحياتية. إذا فالعملية التي أقدمت عليها
الرفيقة تعتبر الأولى من نوعها في
PKK،
بتقييمها الزمان والمكان المناسب حيث أضفت بذلك
آفاق جديدة للنضال فغدت بذلك رائدة لمرحلة جديدة.
الحرية كمطلب، لا تشمل نفس التقييم
في كل الأوقات. فهي بالنسبة للبعض هي التحرر من
الجدران نحو الخارج فقط، وللبعض هي نيل ذوق الحياة
فحسب، كتحرير الوطن أو استقلال جزء من الأرض.
وهناك من ينضمون للتنظيم التحرري بالبحث عن الحرية
بالإنضمام لهذا النضال من الآن فصاعداً. كل ما سبق
يمكن أن يوحي بمعنى ما كل منهم على حدا. ولكن لو
طرحت الحياة تناقضة ما بين التحرر والتسلطية بشكل
مباشر ومحرق حينها لا مهرب من اللهفات المحدودة
التي ستصل ذروة التناقضات الجديدة. لذا لابد من
إتخاذ قضية التحرر الإجتماعية كقضية تشمل شتى
الجوانب الحياتية. فالتأثير العنيف الذي ينجم
نتيجة العنف المعرضة له النساء الصارخات بصراخات
صامتة، ولهفة وأشواق خرساء لشعب محروم من لغته،
والمستقبل المريض لأطفال وطن يتأوهون من شتى أنواع
التعذيب والمسحوقين تحت رحمة الدبابات والمدافع،
والمشاهد المحطمة الكبرياء للمجاعات والفقر، اللغة
المسحوقة، وتفشي الجهل والبطالة لشبيبة مسحوقة
الإرادة عن التعبير عن طاقتها ودينامكايتها،
وحقيقة مجتمع لا يولي الفرد اعتباراً معتقلاً في
سجون العادات البليدة وبالتالي وجوب التحرر من هذه
الضغوطات الإجتماعية والحرية ستستمر كأهم قضية ما
دامت ظاهرة الفرد المفرغ من الداخل ومن الهدف
مستمرة. فكل ما سبق ذكره آنفاً هي حوافز لمتابعة
صيرورة نضال الحرية. لأن هذه القضايا هي المتسببة
الرئيسية في تفعيل الآخر ومربتطة ببعضها البعض.
فقواعد الأنظمة التسلطية الحاكمة والتي تعتبر منبع
كل هذه القضايا وبالتالي هي التي تشرف على تغذية
وتنمية هذه القضايا للإيصال بها لعقدة كأداء. فبعض
المهام المنصوبة لحل هذه القضايا لربما تتسبب في
تعقيد المشكلة نحو الأعمق. لأن قضية الحرية هي
كالحياة سيل جارف أيضاً. فالتشبع ببعض الأمور
البسيطة أو اللجوء لبعض المهام البسيطة تعني بالحد
ذاته وقف صيرورة الحياة التي تسير لحظة بلحظة.
فالشيء الذي حول الرفيقة زيلان إلى إرب هي
الإنسدادت فينا التي تزامنت إلى جانب السياسة
الإبادية الشاملة للعدو. وأفعالنا المفتعلة تحت
قناع التحرر والتي ندرك حدودها العظمى في مفاهيمنا
المتشبعة، والتكرار المعاش في الحرب، لذا فأن
عملية الرفيقة زيلان لم تهز صفوف العدو فحسب بل
هزتنا جميعاً من الصميم. فهذه العملية بقدر ما
كانت ضربة عسكرية وسياسية ونفسية قاضية بين حشود
العدو وضد تهجماته ومخططاته الفاشية على نضالنا
وشعبنا، كانت بنفس الوقت بمثابة مراجعة نظر
لطرازنا الحياتي والنضالي بين صفوفنا أيضاً، لتغدو
وسيلة للقوة لكل الأنفس صاحبة الإرادة الضعيفة
والأفق الضيق والشخصيات المشبعة أو صاحبة المفاهيم
الخاطئة الذين حددوا أفق مستوى خدمتهم النضالية
والتي مهما كانت أسبابها فلتكن والذين يحددون بذلك
حدود حرياتهم أيضاً سواء كان ذلك بوعي أو بلا وعي.
وبما أن الذهنيات التسلطية والشخصيات الحاكمة
القائمة على فرض الضغوطات والمحظورات والممنوعات
والعنف وتصعيد مفاهيم الإنكار والإبادة هي وجه
الميدالية القاتم. فأن الوجه الآخر للميدالية بقدر
ما تحمل بين طياتها الرغبة في الحرية إلا أنه
تتواجد معها الخوف والذعر والخنوع والثورات
المتقطعة التي لم تنل نصرها المؤزر بالإضافة
للإرادة الضعيفة. ومن هنا بإمكاننا القول بأن عدم
غض النظر عن أفعال الذهنية الحالكمة والنضال بدقة
متناهية هي الحقيقة الحقة التي ستتجاوب مع حقيقة
زيلان، وستكون تعبيراً لإحياء نهج زيلان أيضاً.
فالقرارية النضالية، وبنية القيم
الأخلاقية ستؤمن انفتاح أبواب جديدة على مصرعيها.
كذلك فأن بنية القرارية الأخلاقية أو على العكس من
ذلك فأن إتخاذ القيم القرارية خارج نطاق النضال
سوف تمهد السبيل لأخطاء فادحة. وبالتالي فكما أن
نفاذ القيم الأخلاقية لنضال ما ستنتج بالتضاد مع
الحياة والإنسانية فأن النضال الذي لا يتسامى
بالمفاهيم الأخلاقية ستؤدي إلى الجبن والخنوع، لذا
فأن نهج زيلان تربط الأثنين إرتباطاً وثيقاً لا
حلّ منه أي قرارية النضال وفق قرارية القيم
الأخلاقية.
وكما بيّن في مقدمة هذه الكتابة، فأن هذا النضال
يعتمد على مفهوم حب الحياة بقدر الموت والتضحية في
سبيلها. فالمغزى الأم هو محبة الحياة. فالحياة
تعني؛ التربة الحرة، التعبير الحر، الفكر الحر،
الوجود الحر، والطبيعة الحرة. وبما أنه ليس
بمقدرونا تعريف ظروف العبودية والضغط والعنف على
أنها حياة إنسانية، بل لا يسعنا إلا تقييمها على
أنها نوع من أنواع الموت. ومروراً من ذلك فأن غض
النظر عنما أرادت الرفيقة زيلان التصريح به والذي
وهبت حياتها ليغدو جسدها إرباً إرباً بقدر شعيرة
من شعرها والتقرب السطحي من النتائج التي وصلت
إليها زيلان في قتل الموت بذاته سيعتبر تقرب خاطئ
جداً. لذا يتوجب تحليل المعاني التاريخية لذلك.
لأنها بالفعل رائدة محمّلة بفلسفة عظيمة وعميقة في
أحرج المراحل. فإفتتاحية المرور التاريخي تبتدعها
الشخصيات المتعمقة على القيم الإجتماعية في
أنفسهم. أما الطراز والعملية فهي عائدة لهم.
فالسبيل الذي مهدته الرفيقة زيلان تجاوزت كافة
السبل الأخرى، لأنها تقوم بتقييم الإمكانيات
وتصعيد النضال نحو السمو. وهذا هو التجاوب السليم
مع الدور الرّيادي والطليعي الحقّ للهدف. فعملية
الـ30/ حزيران هي عائدة للرفيقة زيلان بالتمام،
إلا أن النهج الذي خلقته للحياة والنضال غدت ملكاً
للشعب ولكافة مناضلي ومناضلات الحرية.
|