|
آفرين أحمد فؤاد
هنا في هذا الوطن، احتار القلم
ماذا يكتب؟، أو عن ماذا يكتب؟ أو عن من يكتب؟
كثيرة جداً هي آلام هذا الوطن ولا محدودة هي
عمليات اغتيال الحرية في هذا الوطن، هذا الوطن
الذي لم ينعم يوماً بابتسامة حقيقية على شفاه
فلذات أكباده.
وليت كانت الحياة هي التي
تغتالُ فحسب في هذا الوطن وهذه التربة، لا بل
الأنكى من ذلك يغتال القلم ويغتال اللسان الطليق
وتغتال العدسة العاكسة للحقيقة.
حاولوا ومازالوا يحاولون قتل
الكلمة واغتيال القلم وإعدام الأحرف ونسف العدسة
وقطع الألسن، هذا هو حال هذا الوطن ومازال. مازالت
الفواجع وتباريح الألام تقتلنا كل يوم وأحياناً
نحتضر لذكرها، وعلى الرغم من ذلك نداوم الحياة في
هذه التربة المجيدة، لنبقى نعاهد على النضال في
سبيل عودة الحياة لهذا الوطن.
هنا تعلمنا كيف نعاند كل طامري
الحياة في هذا الوطن؟ وكيف نعاهد كل الساعين
للحياة على المسير لأجل حرية الكلمة في هذا الوطن،
تعلمنا الحياة رغم كل شيء، نتلقى كل يوم فاجعة تهز
لها الأبدان لوقعها وتضمحل الكلمات لوصفها ورغم
ذلك نتحلى بالقوة والعناد لأجل الحياة أكثر من أي
وقت مضى، هكذا عهدنا أجدادنا وهكذا نعاهد أحفادنا
على المسير.
فقدنا أعداد لا تحصى من شهداء
القلم الحر، بالأمس كانوا غوربت ألي أرذوس وحسين
دنيز وأبى موسى وأنور بولات... إلخ واليوم شيلان
آراس، عشنا فواجع ماضينا واليوم نعيش فاجعة حاضرنا
الذي لم يتأنسن بعد، لنحدق في أعين بعضنا وكلنا
يشعر بالآخر، شعور بالحزن والإنهيار أمام الفاجعة
وشعور مضاد وهو العناد في المسير ومتابعة مسيرة
الفقيدة.
شيلان آراس( أيفر سرجا)
المناضلة في سبيل القلم الحر فقدت حياتها يا أخوان
برصاصة العناصر الإيرانية، نعم باتت فقيدة اللسان
الحر وحامية الكلمة الحرة. بعمق ما تحتضرنا كلمة (
فقدت حياتها) بقدر ما نعاهد عناداً على متابعة
المسير والصراخ للعالم أجمع ( صوبوا الرصاص
لإعلاميتنا شيلان).
فعهداً يا شيلان لن يحبطوا من
عزمنا واصرارنا، رغم أن قلوبنا تقطر دماً على
فقدانك، لكن سنعمل ونناضل لنكون ألف شيلان على هذا
المسير، فوعداً على المسير.
نعم، نعلم أن نجادي وأردوغان
يريدون التستر على المجازر في هذا الوطن، يريدون
قتل الكلمة وطمر الإعلاميين الأحرار، نعلم أنهم
يبحثون عن ألف مبرر وحجة للنساء اللواتي ينتحرن
جراء سياساتهم التعسفية وطراز المعيشي الذي يحرم
الحياة على النساء، نعلم كل ذلك ياحبيبتنا.
نعلم ونعلم ما لا يعلمه الغير،
أتدرين لماذا نعلم؟ لأننا نحن الذين نتذوق الألم،
ولكن حبذا لو شعر بنا الغير اليوم كما نشعر نحن
بآلام لبنان وفلسطين والعراق، حبذا لو شعروا بنا
كما نشعر بجوع دارفور والسودان، حبذا لو شعرت
أمهات غيرنا بما تشعر به أمهاتنا، حبذا وحبذا!!!
ستبقى هذه الكلمات علقمة في
حناجرنا يا شيلان، نعيش مرة الحزن على الفقيدة
وشهيدة الإعلام ومرة نعاهد ونعاند على المسير،
لتغدوي يا شيلان المثل لنا في متابعة المسير بعناد
أعظم، ونهدي عنادنا هدية لكل الرصاص المصوب على
صدرونا، فليركب الرصاص أعلى ما بخيله، فهو لن
يستطيع إطفاء نور الحقيقة الساطعة من يراع شيلان.
شيلان! عهدناك حرة اليراع
والآن سنعهدك حرة الروح، كوني معنا أيتها الصديقة
وزودينا عناداً على متابعة المسير على نهج الأحرار
أمثالك يا حبيبة يريفان الجريحة وحفيدة رها
العنيدة التي لن تكل من ولادة العشرات من أمثالك
من الذين لم يعهدوا الحياة إلا أحرار. الأحرار من
أخوتي وأصدقائي الذين كانوا ومازلوا يقتاتون من
الحرية، واعلمي إن لم نكتبك نحن فسيبقى هناك من
يكتبك شهيدة وفقيدة الإعلام الحر.
لن نطلب من روحك السكون لأننا
عهدناه حراً وثائراًُ على قانون اللاقوانين،
عهدناك أبية الروح كأسلافك من الإعلاميين الكرد
الذين كانوا أبداً ومازالوا يخلفون ورائهم أمثال
شيلان وشيلان. لتزرعي فينا روح المثابرة في النضال
كما كنت أنت ياعزيزة كل الأصدقاء وأيتها الباحثة
عن الغد الرغيد لكافة النساء.
شيلان عهدناك في المسير لتأخذي
بيد النساء اللواتي حرمت عليهن الحياة على الرغم
من علمك بالطريق الحافل بأشرعة الموت والأرض التي
تنتشر منها رائحة الموت من كل الجهات، وتسعين
لتطبيب جراحهن لكن ياشيلان من سيطبب جراحك وجراحنا
أيتها الفقيدة.
سنظل نكتب ونذكر الحقيقة في
زمن اللاحقيقة، في زمن تحولت فيها الحقيقة إلى ذنب
وجرم، وبات الباحث عن الحقيقة هو المجرم، ولكن أشد
ما يؤلمنا يا عزيزتنا أننا في زمن انقلبت فيها
الموازين على عقب، وتتحرك فيها عقارب الزمن إلى
الوراء نحو العصر البربري، نحن يا حبيبتي في زمن
لا يجب علينا فيه المناشدة بحقوقنا الإنسانية
وآمالنا في الحرية، نحن في زمن العنهجية ياشيلان
ولا جديد غير مكتشفات لأساليب القتل والهتك
بالشعوب.
عهدناك يا شيلان قد ركبت
الموكب لتصلين للنساء اللواتي مازلن يعانين من
القهر والويل على يد الأنظمة الذكورية الحاكمة،
هذه الأنظمة التي لا تعهد الحياة إلا بلون واحد
وهو لون الموت والقتل والهتك بأعراض الغير، فبحق
الألهة والإلهات نسألكم إلى أين نتجه؟ أو إلى
يريدون السير بالإنسانية أصحاب القرار على النفس
الإنساني؟
في الأمس قالوا الغد الرغيد،
وحياة حرة، وديمقراطيات، فأي غد رغيد وحياة حرة
وديمقراطيات هذه التي ضاق عليها تحمل أنفاس وجود
الحر هذا؟ نعم كلنا يعلم إلى أين يتوجهون بنا،
ولكن ياشيلان من هناك ليسمع، فها أنت تدقين
الأبواب ولا أحد من مجيب؟ أنهم هكذا يا شيلان
عهدوا الحياة دون سمع وبصر والأنكى من ذلك دون
إحساس يا صديقة الكل.
شيلان! أه لو علمنا بماذا فكرت
لحظات الرحيل والوداع، على ماأظن أنك فكرت مجدداً
كيف ستكتبين خبر ونبأ استشهادك، لأننا عهدناك
تركضين وتجرين خلف الأحداث لتوصلي للأذان كل ما هو
جديد وبديع من أخبار هذا الشعب الذي نال ومازال
ينال على مدى تاريخه المديد الويل والأه، وعلى
الرغم من ذلك مازال يكافح ويناضل ويقاوم ويقدم
فلذات أكباده، فكنت أنت الأخرى خير حفيدة هذا
الشعب العنيد لأجل حريته.
حفيدة الوطن الذي لن يكل من
البذل في سبيل حريته مثلما لم تكلي أنت من البذل
والبحث عن حرية اليراع وعكس الحقيقة من خلال عدستك
التي كانت على الدوام المرآة العاكسة للحقيقة.
نعم يصعب علينا التصديق أنك قد
غادرتينا يا شيلان، وتصطصعب على مشاعرنا الجزم بين
الحقيقة التي تنطق برحيلك وبين الذكريات والآيام
التي قضيناها معاً، من أين لنا أن نعود بتلك
الآيام والسهرات التي كنا نتمتع فيها بروعة هذا
الوطن والذي كان يجتاح كيانك كنسمة عليلة ولتسألي
من هذا الوطن أن يهب لك نجمة من نجمات سماءه
البراقة في كل مساء. فلما استعجلت الرحيل يا شيلان
ولما العجلة في طلب نجمة وقد غدوت أنت نجمتنا التي
لن تطفئ أيتها الرفيقة.
من أين لنا يا شيلان أن نعود
بتلك الإبتسامات التي كانت تغمر وجوهنا لنحقق
النصر في نضالنا؟
من أين أيتها الصديقة؟
|