|
زلار ستيرك
في الواقع من الصعب انضمام النساء
إلى واقع وحقيقة الانظمة الحاكمة في العالم حاليا،
والعيش كامراة اصعب بكثير مما يتصوره المرء،
وبالاخص العيش كامراة كردية في إيران اصعب بكثير
مما اسلفنا ذكره، هذه حقيقة تعرفها جميع النساء
الطموحات في سبيل الحرية، وجميع النساء اللواتي
يعشن في ظل النظام الإيراني لأنهن يعشن هذه
الحقيقة بكل عريها في كل ساعة، وكل دقيقة، وكل
لحظة وتبقى أسيرة لقيود هذه الحقيقة حتى الموت.
النظام الإيراني يفرض تحكمه وتسلطه
على المرأة وكأنه يعيش وفق قوانين العصورالوسطى،
فذهنية الرجل هي أساس الفلسفة الحياتية لهذا
النظام. فقد خيمَ النظام الذكوري بعباءة سوداء على
إبداع المرأة وجمالها الجذاب، وعيونها المتلئلئة
المتدفقة بحيوية الحياة، وعلى صوتها ليمنعها من
أن تصرخ صرخة الحرية.
غطت المرأة بالشرشف الأسود كمثال
القيود التي قيدت بها لسانها ليمنعها من الصراخ،
وعقلها ليمنعها من التفكير، وقلبها ليمنعها من
الإحساس والمتعة. بالطبع... هذه العباءة هي رمز
ذهنية وبراديغما ما، فقد تخلصت العديد من الدول من
هذا الرمز، إلا إن المرأة تلف بشراشف وعباءات
إيديولوجية لا تُرى، وبشراشف سياسية واجتماعية
عصرية تتراءى من خلفها الحقائق. الفرق هو وجود
شراشف وعباءات عصرية وأخرى قديمة، ففي إيران
المرأة لا تعيش وفق قوانين القرن الحادي والعشرين،
بل ما تزال المرأة في إيران تعيش وفق قوانين وقيود
القرون الوسطى. ذهنية تلك الشراشف السوداء هي التي
تحدد كيف ستعيش المرأة؟، وكيف ستفكر وستجلس وتنهض
وتتنفس؟، وكيف ستأكل وتشرب وترتدي ملابسها؟. وكما
منعت المرأة من أن تسال نفسها لماذا أعيش لألاف
السنين على هذه الحالة؟، فالمرأة في إيران تدرك
بأن عند سؤالها لهذا السؤال لسوف تقطع رقبتها
الناعمة بسيف الشريعة الحاد.
تتراءى المرأة كما في السابق
وكأنها تؤمن وتقبل هذه الحقيقة، ولكن عقل وروح
المرأة وقلبها من الداخل تتمخض بعصيان كبير. ومن
جهة أخرى عاشت المرأة في إيران مرحلة تعرفت فيها
على الفلسفة الأبوجية، وعلى إيديولوجية تحرر
المرأة وتمتعت المرأة بجسارة كبيرة.
الفرد المحكوم عليه بالعيش بدون
سؤال ضمن مجتمع محقن هو الفرد الذي لا يدرك طعم
ومذاق المعرفة والتنوير، فالمتذوقين لطعم المعرفة
يناضلن ويحاربن حتى الموت في سبيل المعرفة. لأن
المعرفة تعتبر الخطوة الأولى للحرية، فإخفاء ما
تعرفه هي أكبر تحكمية في الحياة. أن إخفاء المعرفة
هي أكبر خيانة يرتكبها المرء بحق حياته.
فالمعرفة كنز كبير يكتنف لها الفرد
بشكل عام. لا يكتفي المرء بالقليل عندما يتعلم،
حيث يدرك الحقائق والوقائع بشكل جلي. المرأة تعتبر
من أكثر الفئات الأسيرة لهذه الحقيقة، وبمعنى آخر
إنها حقيقة تحضها لخيانة ذاتها بذاتها لأنها تدرك
بأن في لحظة من اللحظات لسوف ينهار على رأسها آلهة
الرجال ويحذرها ويحبسها. محكوم على المرأة العيش
مع آلهتها طوال عمرها لأنها منذ طفولتها حبس
إصبعها بقيد صغير، ولكنه قوي في نفس الوقت، لربما
هو قيدٌ صغير ولكنه يترك المرأة أسيرة لسيدها.
فصبغ يد المرأة بحنى هو مثال استعبادها والتضحية
بها لآلهة الرجل، فهو شبيه بالقربان الذي يصبغ
رقبتها بالحنى قبيل ذبحها.
ومن النساء اللواتي لا يقبلن آلهة
الذكور ولا يرضخن لهم ويقاومن جلاديها، ولم ترتدي
حلقات العبودية، وناضلت بجسارة كبرى لأنها مقتنعة
بأن الحرية لا تتكرس بدون بدائل. لن أقول بأنك
واحدة من إحدى النساء الجريئات والعظيمات لأنك كنت
منهم دوماً، رفيقة زيلان فقد حطمتِ القيود
المحكومة عليك بجرأة توحيها لك المعرفة، لأنك كنت
قد قررت أن تصاحبي كل حقائقك وأخطاءك بنفسك وبرغبة
كبيرة.
بقرارك هذا تمكنت من الوقوف على
قدميك لوحدك، لأنك كنت واحدة من اللواتي يبذلن
جهود حثيثة في الحياة مدركة بذلك صعوبات ومذاق
معرفة فلسفة الحياة وإيديولوجية تحرر المرأة يا
رفيقتي... كنت قد نذرت بنفسك وأنت تتحلين بمستوى
عالي من الادعاء والقرار كعضوة في حركة المرأة
الكردستانية، رغم معرفتك لصعوبة ومشاق الحرية
واجتيازك لسبل صعبة، إلا أنك أسرعت اللحاق بقافلة
الزيلانات والنوجانات واليلدزات والسورخينات
وغيرهن. وكنت على دراية بأنكن ستلتقون جميع النساء
في سبيل الحرية، كنتُ قد ألتقيت بكِ ورأيتك قبل
عدة أيام يا عزيزتي، وقد مرت 5-6 أيام فقط. كانت
رؤيتي لك كالبارحة، كنت تسقين روحك المتشرب بجمال
اخضرار الربيع ومناظرها الخلابة وازدهار الورود
وزخرفة العصافير وتنعشين الأرواح.
كنت جالسة تحت ظل شجرة مثمرة وفي
يداك قلم ودفتر تكتبين عن سيول حيويتك الربيعية
عناداً مع الشتاء الحالك القارس. الربيع يرهف
الإنسان لنحياه بشكل مغاير لجميع فصول السنة، كنت
قد قلتها رفيقتي، وأدركت بلمعان وبريق عيناك مدى
عشقك وتربصك بالحياة.
كانت زيلان كالزهرة المنبثقة
جديداً من بين الزهور الأخرى في أحضان الطبيعة
الأم، كنت أحبذ حبك للحياة. وجهك دوماً كان يضحك و
حرصين دوما للحفاظ على حيوية وطبيعة طفولتك،
وتعزفين دوماً عن قوالب الحياة الغير ملموسة. كنت
تحلقين وكأنك مجنحة كعصفورة تجتازين مصاعب الحياة،
كانت نظراتك مفعمة بالعواطف. كان روحك مفعم
بالذكاء العاطفي كنت في إتحاد المرأة الحرة
تنضمين للنشاط بعزم وإصرار كبير.
كنت واحدة من اللواتي عملنّ على
تقوية تواحد النساء حول حلقة الحرية، لتوحدي حقيقة
المرأة المتجزئة على مدى 5000 سنة لتخطي خطوة نحو
الحرية. كنت تقولين لماذا... لماذا تُقتل النساء،
المرأة الشرقية، المرأة الكردية، المرأة العربية؟،
كنت تقولين لماذا تنتحر النساء يومياً ويقتلن
أنفسهن؟. بحثت لسنوات طوال عن جواب لهذا السؤال
وفي النهاية قلتِ من أجل معرفة أسباب هذه المشاكل،
يجب سماع قصص تلك الألام من أفواه النساء اللواتي
يتعرضن لهذه الممارسات يومياً.
أجل... فهكذا رحلت إلى التراب الذي
كنتِ تحبينها، رحلتِ إلى حضن الإلهة الأم التي كنت
تهرعين إليها. كان هذا المكان هو الذي مكمن جميع
النساء اللواتي كنا ينتحرن ويقتلن أنفسهن يومياً
على العيش في ظل تلك الأنظمة. كانت ليلة 29 من
حزيران هي نفس الليلة قبل عشر سنوات، حيث كانت
تستعد فيها الإلهة زيلان (زينب كناجي) لعمليتها،
عشتِ نفس المشاعر والعواطف.
ففي صباح 30 حزيران كنت ستروين قصة
شد حلقة قنبلة الحرية لجميع النساء، وروح زيلان
الإلهية لجميع النساء، إلا إن أعداء الحرية أعدوا
كمائنهم لإعاقة السائرين في طريق الحرية. لم
يكونوا يدركون بأننا نحول كمائن الموت إلى كمائن
الحياة.
فقصوا لك تلك الإلهات كيف تحولت
كمائن الموت المحكوم على النساء، وعلموك كيفية
العيش وفق عشق زيلان، وباتت الألاف من النساء
يدركنّ عشق الحرية القاطن لديك. يتوارى لنا وكأنها
صدفة مقدسة في يوم إحياء ذكرى زيلان (زينب كناجي)،
رحلت زيلان أخرى لتحتضن التربة الأم. كنا ندرك بأن
الذي دفع بك للالتقاء مع زيلان في مثل هذا اليوم
هو حرصك على الوصول إلى سبيل الحرية.
كلنا بتنا نعلم بأنكن سوف تلتقين
في سبيل الحرية مع جميع النساء المناضلات اللواتي
أخترن سبيل الحرية. كان سبيل عشتِ على أمله يا
عزيزتي وألتقيتي بها في النهاية. |