|
روجين آمد
الصرخات الأليمة
بقت دوماً مخبئة في زوايا القلوب. كل صرخة من
القلب أصبحت دمعة في بحر الإنسان، وكل دمعة أصبحت
إحساس لليم، وكل إحساس بات سبيلاً إلى الفؤاد.
القلوب الحزينة تفتح أبوابها فقط للعيون التي تنظر
إليها. فإن لم تتقبل في كل قلب مبشر، ولم تتسنم
هذا الواقع عندها ترسي باخرة الصرخات والألم أمام
عيناك.
كنا نعلم بأن الألم يعاش في قلوب
الأمهات، وفي ترانيم أناشيدهن. لتغدو سلوات الألم
والأسى، فكل جماليات الكون لا تساوي شيئاً أمام
صرخات وآهات قلوب الأمهات، وهي تنتقل خوفاً من
ضياع وفقدان هذه الجماليات من قلبِ لآخر، فترتسم
هذه الأحزان من صفحة قلب لآخر.
تأخذك هذه الصرخات من ذاتك إلى
ديار الغربة. ومع كل صرخة ألم وقلب يخفق معها،
تنتابك قشعريرة وتأخذك الأمواج إلى شط العواطف
فتقف في ظهرك كخنجر أعمى، ويصبح الشهيق والزفير
كألم تبتلعه في كل مرة. ومن ثم رويداً رويداً تشعر
بالصمت وهو يتسلل إلى فؤادك، وتبدأ بالبكاء إلى
درجة لإغماء، حينها أفعل ما شئت لكن الألم
والصرخات ستبقى معلقة في القلوب الفتية.
تصبح وكأنك لا ترى هذا الألم،
فلسوف تطاردك وكأنها الحقيقة بعينها. روحك وفكرك
ستبلغك برحلة هذا الألم لا إرادياً وهي في سبيلها
إليك، فتشعر بمجرد لحظات ببرودة ترتعد لها جسدك
فتقف وتواجه أعاصير ثلجية باردة، عندها يشتاق
الفؤاد إلى حضن دافئ ويشتاق البدن إلى حضن رفيقة
لها، أو لربما تحلم حينها وتحاور نفسك: (حبذا لو
أعود إلى رحم أمي الدافئ).
تفكر في ذهنك أو تتأرجح بين الوجود
واللاوجود من الخيال والحقيقة، فتصارع من أجل
الوجود، وتفكر في مسيرتها الصعبة. ولكن رغم صعوبة
هذه المسيرة، فهي تعني السير خلف الجمال والإصرار
والادعاء والنجاح، فتصادف في سبيلك القلوب التي لا
تود أن تهاجرها.
في مشقة هذه المسيرة كإمرأة تبدأ
بتعلم كيفية النظر إلى الحياة بشفافية الطفل
وجمالياته، وكأنها نظرات متممة لا تنفصل عن هذه
المثاليات التي تبدأ بتعلمها ضمن صفحات كتاب جمال
الحياة، وتغني لنا أغنية العيش وفق جماليات
الفراشة وبراءتها، فتروي على مسامعنا أغنية التمتع
بخلابية مناظر الحياة. فتغادرنا على عجلة من أمرك
بدون أن تسطري عدة كلمات على رسالة الوداع، ولا
ترسلين قبلات تنغرس بين تجاعيد الأوجه، فتتركين
لمن يحيا من خلفك عبوات ممتلئة بمشاعر وقطرات
الألم.
فتهاجرين إلى مدينة الأحياء
وتتركين أعاصير غضبك لمن لم يحبونك، ولمن لن
يتمكنوا من إجتياز صراط نسيانك. أهل تتحمل القلوب
مثل هذه الهجرات؟!. أهل يصبر فؤاد أمك وأفئدة
الألاف من الأمهات وهي تسمع من بعيد صوت آهات
الألم، وهي تسير لتدق أبواب قلوب الأمهات وتعلمهن
بتعازي الأفئدة، فتودعينها بدون قراءة أغنية
الوداع لتلتحقي بقافلة الشهداء والعظماء. أيمكننا
أن نسلمك لذرات تراب ميزوبوتاميا في زمن بلا توقيت
ولا مناسب، وكنت سأتعرف عليك كما عرفتك في ربيع
زاغروس في جارجيلا وأنت مزينة بجمال الطبيعة.
كنت ستلفتين نظري كفراشة تنتقل من
وردة لأخرى، وتقدمين المعنويات والحيوية
والإبتسامات لمن يجاورونك. يكفي النظر من خلفية
الجدران حيث الإبتسامة والمعنى اليقظة في بؤبؤة
عيناك التي لم تعرف للنوم وجوداً، وكنت ستخطفين
قلبي وسأتعرف عليك وأسلم عليك، ومن بعدها كنت
سألتقي بك في عام 2004 في فعاليات حزب الحياة
الحرة الكردستانية، وكنت سأرى شخصيتك وهي أكثر
نضوجاً. كرفيقة منتسبة من الشرق، كان أساس نضالك
الحياتي هو ابداع الوعي الذاتي والإرادي في
شخصيتك.
حسب نظرتك قبل كل شيء بجب أن
تتمتع كل إمرأة بذهنية أيكولوجية، وكما يتوجب على
كل إمرأة إبداء رؤيتها الذهنية هذه. كما كنت
متواضعة ومحبة من قبل الجميع، وجذابة تجذبين
الجميع ليجتمعن من حولك، وكنتم تسافرون معاً
للتجول بين جماليات بستان خيالك الرائع وعقلك
المدهش، كنا نحسدك جميعاً على جمالك هذا. كنت مرحة
وذات روح مرهف، جميل، تضحك لها حتى القلوب
المتأزمة، لأنك كنت تجذبين الإنسان إلى جمالك
الباطني ورقته. كنت تتقاسمين كل شيء دون أي شكوك
تعيق هذا التقاسم، وتجيبن بصدقك على كل الأسئلة
المدارة في العقول، كنت تهتمين وتبحثين دوماً عن
سبل لحل مشاكل الجميع بدون تفرقة، كنت تُشعرين
المرء بمدى قوتك وقدرتك على حل شتى المشاكل
والعوائق التي تعيق مسيرة حياته.
كنت صورة واضحة وشفافة لقدرة
الإنسان وعدم استسلامه لأي شيء. كنت طبيعية التصرف
والحركة، تقتربين من كل إنسان بوعي وإدراك. أقتبست
نصيبك من بستان شفافية الطفل وطبيعة البشر. كنت
بريئة كطفلة وواعية كحكيمة. كنت مثالاً لنا في
الحياة، تكرهين الخصائص التقليدية الكلاسيكية.
حسبك المرأة هي التي تتمتع بالإرادة والقوة، وهي
التي تعزف عن الضعف لذا فكنت تناضلين في سبيل
مواجهة المواقف الهرمية.
حسب وجهة نظرك على المرأة أن تتخلص
من مفاهيم التسلط في مسيرة حياتها، فالمتخلصة من
الذهنية المتسلطة هي صاحبة إرادة، وكثيراً ما كنت
تتحدثين لساعات طوال عن الشخصية المستقلة. كرفيقة
منتسبة من الشرق مترعرعة في ظل النظام الإيراني
كنت تروين دوماً ألم النساء وتتقاسمينه، وتعيشينه
مع جميع النساء. في فصل الشتاء عندما قررنا كتابة
أو إعداد كتيب صغير بصدد المرأة الإيرانية، عندها
كنتِ الأكثر توتراً وفرحاً من بين الجميع. كنت
تشعرين بألام وآهات جميع النساء اللواتي يعشن تحت
ظل النظام الايراني، لذا كنت تتلهفين لكتابة تاريخ
نساء ايران، وكأنك تأخرت في كتابة وإنهاء هذا
الكتيب في أقصى وقت.
كنت تقولين بإمكان المرأة فقط أن
تشعر وتكتب تاريخ ألام النساء اللواتي يعشن في
ايران
كان قد حان الوقت لينهار النظام
الإيراني الذي يطبق كل شيء بحق المرأة على خلفية
الإيديولوجية الإسلامية، والذي يرى تعذيب النساء
مشروع ولا مفر منه. وفق الرفيقة زيلان كان يتوجب
رواية كل ما تعيشه المرأة في ظل النظام لإيراني من
ثقافة الرجم والإنتحار والدعارة وتعاطي المخدرات
والاغتصاب، وبأن على جميع النساء السعي إلى النضال
من أجل إزالة هذه الثقافات. عند أول مسيرة تمت في
إيران عندئذٍ أتيتِ إلى المجموعة، وأنت تحملين
السلة في يديك وتوزعين الإبتسامات، لأن المرأة في
إيران في ذلك اليوم كانت في الطرقات والأزقة تنادي
وتصرخ من أجل حريتها وإرادتها وفكرها. المرأة
أيضاً باتت تعتقل في سبيل آراءها وطموحاتها، كنت
أنذاك قد عشت نشوتها لأيام طوال.
كنت تشعرين بتلك الألام أكثر منا
لأنك كنت قد عشت في ظل ذلك النظام وعانيت الكثير،
أحياناً ولساعات طوال كنت تناقشين ذلك النظام لأنك
كنت مقتنعة بأن النقاش والتعرف على ما تعيشها
المرأة هي الخطوة الأولى في طريق المعرفة. كنت
مقتنعة ومؤمنة بأنه يتوجب كتابة المشاكل
الاجتماعية التي تعيشها النساء في إيران، كان
النضال من أجل حرية المرأة بالنسبة لك تعلق
وارتباط عميق كإيمان راسخ، لذا كنت دوماً تطورين
الصداقات لتجد المعنى فيك ويعيش في قلبك.
بالنسبة لك إقامة العلاقات مع
رفاقك هي علاقة لا تضم الهرمية والتسلط، لذا لا
يجوز التسلط والتحكم بالإرادة. المهم بالنسبة لك
هو تطوير بعضكم البعض وهذا ليس فقط مع الإنسان، بل
كنت تقيمين أجمل العلاقات مع الحيوانات والأزهار
أيضاً. كانت الفراشة هي أقرب الكائنات إلى قلبك،
تعلم الجميع إسم(بابولة) وهي الفراشة باللغة
الفارسية. في ذات مرة
تلهفت، وسألتك لماذا تحبين الفراشات إلى هذا الحد
فهو كائن عمره اقصر من أعمار الكائنات الأخرى في
الطبيعة، كان جوابك أنذاك:" ليس المهم هو مدى عيشك
بل المهم هو كيف عشتي".
الجمال المتناسق بين أجنحة الفراشة
هو تناسق جمال الطبيعة، وعندها كنا قد توافقنا في
الرأي، وقلت أجل... لقد جمعتي كل جماليات شخصيتك
وخصائصك في فترة قصيرة وعشتها بكامل حريتك. كانت
رغبتك الكبرى هي ممارسة الفعاليات في (كلا رش)،
بالنسبة لك النضال في تلك الساحة هو الشعور بمأسي
النساء اللواتي يعشن هناك وذلك نظراً لسياسات
النظام. فالمرأة تعيش تحت ضغوطات إجتماعية وسياسية
وثقافية، قيدت المرأة بقيود العبودية من شتى
الجوانب. بالنسبة لك الأمر الأساسي كان إيقاظ
مشاعر وعقول النساء أينما كنا يعيشن، كنت تعيشين
وفق ضروريات واحتياجات التنظيم، كنت تنتقلين إلى
الأماكن التي تشعرين بحاجتها إلى ذلك، وتسعين
دوماً إلى إحداث التغيير والتحول هناك.
كنت تشعرين بأن عليك أن تتواجدي في
كل مكان تعاني فيها المرأة من المشاكل. أجل... كنت
تهرعين وراء الروح القومية فقد مارست النضال في
شتى الساحات، وأقتبست نصيبك من جمال وألام النساء
في كل جزء وطبعتها على صفحة ذاتك وفؤادك. كنت
تعيشين كل جزء في روحك وعقلك، وكأنها جزء منك ومن
جسدك، لذا فكنت تتمتعين بخلفية واسعة متنوعة بين
الرفيقات. كان يحبك الجميع وكنت قد ضممتي كل رفيقة
ورفيق حسب مكانتهم إلى فؤادك الشاسع، كنت ذات
شخصية غنية ومتنوعة. كنت تتدفقين كسيلٍ من الحب من
قلب لآخر.
كانت لك براءة الطفل. تعرفين أين
وكيف تتحركين وتتصرفين، كنت تكرهين القوالب في
الحياة، لأن القوالب بالنسبة لك هي تعبير عن
الدوغمائية، والدوغمائية تعني التضاد لطبيعة
الإنسان. لذلك فبقدر شخصيتك كان قلبك وجسدك أيضاً
حراً طليقاً، فبقدر تربيتك لكلامك كنت تحرصين على
تربية تصرفاتك أيضاً. عند رحيلك للمرة الأخيرة
إلى منطقة (ميريوان) كنت متوترة وفرحة، للمرة
الأولى كنت تذهبين إلى الممارسة العملية. كنت
تجهزتي منذ أيام لمسيرتك، كنت ترقصين وكأنك كنت
تعرفين بعدم عودتك. كنت عندها في المراسيم وقد
أحتضنت الجميع بهذه المشاعر وقبلتهم قبلات عميقة،
كنت قد شعرت بانك لن تعودين ثانيةٍ وستهاجرين،
ترحلين إلى مدينة الأحياء، فتستشهدي... لربما لن
نلتقي ثانية، وودعناكِ فمشيت لخطواتك ونظرت إلينا
والإبتسامة مرتسمة على وجهك، كانت نظراتك هذه وداع
وقبلات خفية. كانت نظراتك عندها شبيهة لنظراتك
الأولى التي رأيتك فيها لأول مرة في زاغروس حيث
نظراتك الخفية والبريئة. ألتقيت بهذه النظرات في
عيناك للمرة الأخيرة أيضاً وودعناك، والنظرات
مرتسمة على لوحة وجهك.
افترقتِ عنا على أمل اللقاء
ثانيةً، وبعد مرور شهرين من كان يدري بأننا سنحيي
ذكرى وجودك بالدموع والأحزان في 30 حزيران في يوم
شهادة زيلان( زينب كناجي) .
وكنا سنسمع نبأ شهادتك بإشتباك في
منطقة (ميريوان)، وبأنك سقطت جريحة وأستشهدتي. كنا
نعلم جميعاً بأن 30 حزيران هي نقطة الإنطلاقة في
تاريخ المرأة، كانت زيلان (زينب كناجي) قد قامت
بعملية فدائية في( ديرسيم) كانت هذه العملية
بمثابة تحطيم جميع الرجعيات السياسية والإجتماعية
والثقافية الداخلية والخارجية.
اليوم في ميريوان أصبحت يا زيلان
كروح نهج شخصية بين صفوف نضال المرأة الشرقية في
إيران. أجل... أوحيت لنا بمعنى هذا اليوم بضم جزء
من جسدك إلى قافلة الشهداء.
بقدرعظمة حياتك وقداستك فشهادتك
أايضاً كانت تتحلى بنفس القدر من القداسة والعظامة
بقدر معنى حياتك فشهادتك أيضاً
كانت ذات معنى. أحييتِ ذكرى زيلان (زينب كناجي) في
ذاتك وذكراك، اكسبت المعنى لكلامها. فبقدر عظمة
ذلك اليوم طبقتِ عملية عظيمة، حتى ولو كنا لم
نتمكن من هضم صرختك وأنت ترحلين إلى مدينة
الأحياء، فتوحدت زيلان مع زينب كناجي. ننحني
إجلالاً أمام عظامتك، وإرادتك وجسارتك وعزم
انضمامك بجمال الفراشة إلى هذا النهج. |