صرختك زيلان هي صدى ترانيم روحي

ليلى سيرت

كان أنذاك بداية الربيع، تم فرزنا عندها ذهبت أنا والرفيقة زيلان إلى النضال. لم أكن أعرف الشهيدة زيلان، فتعرفت عليها أثناء النضال، عرفتها بحيويتها وهوسها لممارسة نضال المرأة. لأول مرة في الواقع كنت أرى رفيقة مرتبطة إلى هذا الحد بنضال المرأة، وكانت تقول بأن نشاطي الأساسي هو نضال المرأة

لأني فتاة شرقية أفهم ألام النساء في إيران، وبهذا الهدف أنضممت للنضال. كانت ذات معنويات عالية. في أثناء النضال كانت قد جلبت معها آلة التصوير، لأنها كانت صاحبة مشاريع بصدد المرأة. كانت تريد أن تصور أوضاع المرأة في إيران وهن يضرمن النيران بأجسادهن، وينتحرن. ومن جانبٍ آخر النساء اللواتي يتعرضن للعنف من قبل أزواجهن. ولكن المؤلم في الأمر هو أن زيلان لم تتمكن من تحقيق أهدافها هذه، وكانت تقول دوماً أخشى ألا أتمكن من تحقيق أهدافي ومشاريعي.  وكذلك كانت تقول سأصبح الشهيدة الأولى. مزحنا ذات مرة وقلت أنا الشهيدة الأولى، قالت الرفيقة زيلان لا...  أنا الشهيدة الأولى، وثم قالت لي سأكون أنا الأولى وأنت كوني الشهيدة الثانية يا ليلى.  

ذات مرة سمعت بأن حزب حرية المرأة الكردستانية قد قبلت بالرفيقة زيلان كعضوة منتسبة إليها. كانت الفرحة تدبك على وجه زيلان، وهي تقول باركيني يارفيقتي فقد قبلت كعضوة منتسبة، وإذا بالفرحة والنشوة مرتسمة على وجهها.  أزدادت معنوياتها وقالت سأنضم بشكل أكثر حيوية ورغبة من الآن فصاعداً إلى النضال، ومن ثم قررنا عقد إجتماع في /30/ من حزيران يوم شهادة الرفيقة زيلان (زينب كناجي)، قالت عندها الرفيقة زيلان علينا أن نعقد هذا الاجتماع وبنجاح كبير أيضاً. فمنطقة  ميريوان ذات جغرافية جميلة، والدولة تحاصرها دوماً وتحبك الكمائن لأنصار الكريلا، وتفرض ضغوطات كبيرة على ساكني المنطقة. ومن جهة أخرى المرأة أيضاً تعيش تحت ظل ظروف سيئة حيث الانتحار، وإحراق أنفسهن، والعنف الذي يتعرضن له من قبل جميع أفراد العائلة. لذا أصرت الرفيقة زيلان على عقد إجتماع بمناسبة هذا اليوم للشعب، بهدف تعريف الشهيدة زيلان وإحياء ذكراها.

كان الحب مختبئاً دوماً في زوايا قلب زيلان

في نفس اليوم استشهد الرفيق (آغري) ببطولة، حيث قام الرفيق آغري بعملية في منطقة ميريوان مفجراً قنبلته، قُتل عندها / 13 / جندي من القوات المسلحة الإيرانية، تأثرت الرفيقة زيلان كثيراً بشهادة الرفيق آغري. وكذلك كان قد انفصل عنا ثلاثة رفاق، لا ندري عنهم أية شيء، كنا نظن بأنهم مستشهدين، هذا ما أزاد من حزن الرفيقة زيلان. وبينما كنا جالسين، وأنا أمشط شعرها، قالت لي عندها قبليني، قبلتها واحتضنتها. لا أدري كانت الرفيقة زيلان مغايرة الطوابع بعض الشيء في ذلك اليوم، ونحن جالسين سمعنا نبأ مجيء رفاقنا المنفصلين عنا، وبأن أوضاعهم جيدة. كادت تطير زيلان من الفرح وهنئت جميع الرفاق، شعرت أنذاك بمحبة زيلان المفرطة لرفاقها، وارتباطها بهم. وأحسست بأن حبها لرفاقها مخبىء في زوايا قلبها. كانت سعيدة جداً.

كان هذا الاجتماع هو الاجتماع الأول الذي سيعقد في تلك المنطقة، لذا كنا متوترين كثيراً. ذهبنا لأجل عقد الاجتماع، عندها كانت الرفيقة زيلان مصورة، وفعلاً تم عقد الإجتماع وانهائه بنجاح كبير.

ما فعلته الدولة الايرانية بجثة الشهيدة زيلان كان مثالاً للوحشية التي لا يطيق عقل المرء تحمله

أثناء العودة من الاجتماع، أنقصلنا عن بعض على شكل مجموعتين. كنت أنا في مجموعة والرفيقة زيلان في مجموعة أخرى. كانت ستذهب إحدى مجموعاتنا لإحضار الرفاق المنفصلين عنا، فأرادت الرفيقة زيلان أن تذهب بنشوة الإلتقاء مع الرفاق، وفي الطريق وقعت تلك المجموعة في الكمين. ولدى إطلاق الرصاصة الأولى وقعت الرفيقة زيلان جريحة في كلا قدميها، وقدأذرفت دماء كثيرة، وأستشهدت. عندها أتى الجنود الايرانيوان، وقال أحدهم أذهبوا... وأغتصبوها إن كانت حية. فإيران دولة لا تدرك ما معنى الإنسانية رغم شعاراتها البراقة ونداءتها المجوفة في الإسلام.

وبهدف إرهاب الشعب وبث الرعب في قلب الشعب ربطوا جثة الرفيقة زيلان وهي مستشهدة بنهاية العربة، وجولوها في جميع قرى ميريوان، وهذا ما ولد معه رد فعل كبير بين صفوف الشعب، وأدرك الشعب حقيقة الجمهورية الإسلامية وهي تعذب وتتلاعب بجثة فتاة وتشدها على خلفية سيارة.

تأثر الشعب كثيراً بما شاهدوه أمام أعينهم. لم تكن تفهم زيلان من الحرب، وكانت تقول دوماً إن حصل لي مكروه ما ستخلصني الرفيقات. كانت تثق بجنسها كثيراً. وكانت تقول بعد تحقيق هدفي لا يهمني شىء ولأسشهد بعدها فغير مهم بالنسبة لي. وبعد استشهادها أرادت عائلتها  تسلم جنازة إبنتهم، ولكن الجثة كانت قد تعرضت لتخريبات كبيرةـ لذا لم تقدم الدولة الإيرانية الفاشية جنازتها لعائلتها رغم كل جهودهم التي بذلوها.

زيلان... عروسة الشرق

كما أثرت عملية الرفيقة زيلان (زينب كناجي) في شمال كردستان، فشهادة الرفيقة زيلان بابولة كان لها تأثير كبير على شرق كردستان وإيران. باتت زيلان عروسة الشرق.

في الواقع من الصعب وصف إنسان بعد استشهاده، فالكلام لا يفي بمهمته أمام عظمة الشهداء ووصفهم. عندما كنت أذهب إلى الأماكن التي بقينا فيها معاً، لم أكن أصدق بأن زيلان شهيدة، ولن تراها عيناي مرة أخرى.

كنت أحسها بجانبي تضحك، وتمشي. كانت تكتب دوماً يومياتها وتقول على كل إمرأة أن تكتب عن جمال الطبيعة والإنسان، كانت تكتب لأمها ولأصدقائها كتابات عن الطبيعة، وعن الشهداء وبطولاتهم. كانت تقول على الرفاق القدماء أن يكتبوا تاريخهم ومصاعبهم وبطولاتهم، وكانت تقول سأذهب الى الرفاق القدماء وسأكتب كل ما يقصونه علي من الذكريات.

الفراشة تذكرني بجمال الحياة والإنسان، وبمن أحب

ذات مرة ذهبنا إلى نقطة تمركزنا فيه، كانت نقطة تمركزنا ممتلئ بالفراشات، وهن يقطن على أغصان الأشجار. وفيما نحن جالسين حول النار رمت الفراشة بنفسها إلى النار، فأخرجتها زيلان من النار فوراً، قلت لها لماذا فعلت ذلك؟ قالت كيف ترمي الفراشة بنفسها أمام عيني إلى النار وأنا أنظر إليها يا ليلى.

كانت تريد العيش دوماً بين الفراشات، وكما أسلفت حيث الفراشات وهن ينتقلن من زهرة لأخرى، وكانت زيلان تراقبهن بعينيها، وتطير معهن، وتتحدث معهن بعينيها الجميلتين. كانت تعشق الفراشات. وذات مرة أتيت من الحراسة قلت لها يا زيلان أقترح لك الذهاب إلى الحراسة، قالت لماذا؟ أجبتها، أذهبي ستفهمين.  ذهبت وعادت بعد ساعتين، وإذا بعينيها محمرتين، قلت لها ما بك... لماذا عيناك محمرة؟،  قالت نظرت إلى الفراشات لمدة ساعتين وبكيت.

عندما أنظر إلى الفراشات أرى جمال الطبيعة والحياة والإنسان، وقالت أحب الفراشة كثيراً. أود أن أكون صديقة لهن. عندما أنظر إلى الفراشات أتذكر الرفيقات اللواتي أحبهم، فأتحدث إليهن. كانت زيلان رفيقة حيوية وتتمتع بجمال لا حدود له.

كانت مثال للأمل فتقول دوماً سأنتصر في هذه السنة، علي أن أنتصر في تحقيق أهدافي. أن كل ما أسلفته مجرد ذكريات تتلو بعدها البعض. في الواقع لا أستطيع نسيان بسمتها.

النساء يحتضنّ النار للتخلص من العيش تحت وطأة الأنظمة الرجولية

ناقشنا كثيراً مع  النساء حول طرازهن الحياتي، لكون منطقة ميريوان تتمتع ببنية إجتماعية منغلقة، فالنساء يضرمن النيران بأنفسهن، ويتعرضن لممارسات لا إنسانية. هوية المرأة في منطفة ميريوان وشتى القرى والمدن الأخرى محصورة في عباءتها السوداء والمانطو. كنا نناقش أنا والرفيقة زيلان كثيراً، كانت تقول الرفيقة زيلان هدفي هو أن أفتح رابطة من أجل ضم النساء اللواتي لا صاحب لهن والنساء اللواتي يطلقهن أزواجهن ويتعرضن للظلم من قبل العائلة والمجتمع، لأدربهن وأعلمهن.

أضرمت فتاتين أختين النيران بأجسادهن، لأن أباهنّ عاقبهنّ بمجرد أنهن ذهبنّ وتجولن لبعض الوقت. وإمرأة أخرى لها خمس أطفال وقد طلقها زوجها ورماها في الشارع مع أطفالها، وهي لا تملك شيئاً لتربي أطفالها، فأضرمت النيران بجسدها. المشاكل التي تعيشها المرأة في منطقة ميريوان هي جزء من المشاكل العامة للنساء في إيران. النساء يهربنّ من ظلم النظام الإيراني الذكوري باحتضان النار، فماذا بإمكاننا أن نقول بعد!.

ناقشنا مع النساء لماذا يخترن الإنتحار، فكنّ يجاوبن:" بدلاّ من الموت ألف مرة في اليوم على يد هذا النظام، فالموت مرة واحدة أفضل لنا. أننا لا نطيق العيش في زنزانة العائلة والبيت".

عليّ أن اعيش مع النساء وأشعر بألامهن

أدرك بأنني لم أستطع وصف جماليات شخصية زيلان بشكل جيد، فتحقيق أهداف زيلان مهمة تقع على عاتقي سأسعى لتطبيقها ما حييت. عند خروجي من منطقة ميريوان شعرت بأن زيلان تناديني، وتقول لي لا تتركيني وحيدة هنا يا ليلى، أرجوك، فجلست القرفصاء وبكيت.

زيلان كانت عاشقة الفراشات والنساء، وكانت تقول دوماً عليّ أن أشارك النساء ألامهن وأعيش معهن. كنت أقول حبذا لو كنت بجانبك يا عاشقة النساء لربما ساعدتك، لربما منعت الأقدار من أخذك مني يا حبيبة قلبي. لن أنساك يا عروسة الشرق ما حييت، فأنت جزء من قلبي.

عيشي يا زيلان براحة، فأنت ستبقين ذكرى وناقوس يدق في أعماق قلبي. فندائك وصرختك يا زيلان ستبقى صدى ترانيم روحي إلى الأبد.

 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006