تيماء الحرية (زيلان بابولة)

كلستان هوشنك

إلى من احتضنت سبعة أيام من عمر الفراشة لتوزعه على سبع ربيع من عمرها اليانع في حديقة الحرية.

رسالة نتوجه بها مع ومضة قلب لازالت تحمل عبير ذكرى تتقد مع شعاع يفترس خيالي حينما أرى يرقة صغيرة تشب خلال أيامها السبعة، فتذكرني حينها بقامتك الهيفاء التي كانت تحوم حولها عدة مرات دون أن تهدأ.

رسالة أبعثها لك مع نسمات الغروب، وددت لو تلقيتها مني والمسافة بيننا وبين عرسك الموعود ما هو إلا أيام قلائل أحسبها بين خطوط دفتري.

فأحياناً تمنيت لو لم يأتي لأنه يوم الفراق، وأحياناً أخرى فاتحين أذرعنا لأنه يوم لقاءك بإلهة الحرية (زينب كناجي). فكيف لا نحزن وقد غاب عنا ضحكات الأمل التي كانت تملئ وديان الوطن فرحاً وسعادة ليتوارى مع غروب الشمس ونحن ننتظر يوم اللقاء وقد كلت العيون، وكيف لا نفتخر وقد اخترت ذروة الخلود كعنقاء لا تبني عشاُ إلا في أكثر القممم علواً.

عزيزتي زيلان: وهبتك في خطوطي أجمل لحظات الغروب والعواطف تسيل على ورقتي دون انقطاع.

أكتب لك من أجواء الأنوثة التي كانت لها الصدق والإخلاص وقد تمنيت العيش في أحضانه لكن يد الفراق كان الأسبق.

وددت لو أهديتك من عبق روحي أجمل هدية من معاني السمو، فأطوف في جزيرة الكلمات والمعاني لكني عدت خالية الوفاض، فأجمل الكلمات قد رحلت صوبك دون أن أدري، قصدت جزيرة الفراشات والزهور دون أن أعلم، هاجرت نحو صدرك الذي لا يحمل إلا عشق الحرية والجمال، فعدت وأنا لا أجد أمامي سوى ورقة بيضاء لا تحمل إلا بعضاً من هداياي الثمينة ألا وهي جملي التي لا أراها إلا وقد عجزت هي الأخرى عن اللقاء بك. أما قلمي فلا أراه إلا وقد عاود النشاط في أخر لحظات الغروب، إذ بالكاد أرى حركته بين يدي أعلم بأنك لن تقرأي رسالتي وكلماتي هذه إلا أن روحي تناجيك وأنت في عالم الخلود فأكتب لك ما تجود به نفسي من كلمات الشوق فعساها تهدأ وتشفي الغليل.

زيلان الخلود أعود وأكتب لك من ذاك المكان الذي ودعتك فيه مع غروب الشمس، وها أنا أستقبل أولى خيوطه كلسلسلة ذهبية تلتمع في أعالي القمم، أعود فأستجمع قواي لأتذكر تلك الأيام التي أمضيناها سوية في أحضان زاغروس العظيم. أتجول بفكري في كل بقعة ضمتنا بطبيعتها الخلابة وأنت التي كنت تعشقين قمم جيلو بكل ما فيه، منتشقة بيمينك السلاح ويسارك حقيقة تاريخ فتاة الشرق.

فتوقفت برهنة بجانب زهورك التي كنت تصنعين منها أكاليل وتيجان... فظننت أن الأكاليل ستحيا أبداً لكنني ما رأيت إلا وهي ذات عمر لا يتعدى شهراً واحداً. أثقلت الخطى لأقف مجموعة من الفراشات التي كنت تبقين ساعات تراقيبنها، فوجدتها لا تعيش سوى سبعة أيام لا أكثر. مشيت قليلاً لأرى عظيم الشجر تكسو قبعة خضراء من الورق اليانع فقلت هنا الخلود لكن الخريف عندما دانا منها لم يبقي أي شيء يسمى ورقاً.

فوقفت قليلاً عن السير لاهثة فاقدة الأمل فكل شيء في الطبيعة يسير نحو الفناء عندما تدركها الأيام والشهور والسنين تعيش ثم تموت، حينها لم أرى نفسي إلا والخطى تسير بي نحو الجهة الأخرى من الحدائق التي رأيت فيها نوراً ساطعاً من تيجان تضعها حسناوات تضعها على رؤوسهن فأقتربت بحذر شديد لأسألهن أحداهن بكل خشوع: ما هذا المكان؟ فرددت عليّ وهي باسمة: أنها حديقة حزيران حديقة آلهة الحرية.

ومن هي تلك الحسناء التي تقف هناك؟ ولكأنها تحاور الفراشات والزهور بلغتها الروحية.

أنها تدعى زيلان. قالت وهي تنظر نحوها: أنها صديقة الفراشات... عاشقة جديدة ضمتها هذه الحديقة أتت من شرق الوطن من بين ألاف من قريناتها فتقدمتهم وهي تسير بشموخ.

وما هذا التاج الذي يبهر الأنظار على جبهتها؟

أنه تاج الخلود... فهنا كل قادم يعيش أبداً حتى وأنا سار الجسد نحو الزوال، لقد اختارت الخلود طريقاً لها وهي تسير نحو هذه الأرض، فحياتها بحد ذاتها كان لأجل الوصول إلى هذه الحديقة، وهي التي أحبت كل ذرة من تراب وطنها وافتدت بروحها لأجل كل نساء الأرض، وهي القائلة عندما وقفت بباب هذه الحديقة" رغبت في أن أمد يد العون لكل نساء وطني من مشرقه إلى مغربه لكن يد الغدر كان الأسبق من أن أحقق هدفي ذاك" حينها فقد استحقت الخلود والكبرياء، فكلتين قصدنا تلك الشمس التي أنارت طريقنا نحو هذه الحديقة... أنارت الجانب الخفي من جمال روحنا وعراقة تاريخ ميلادنا الأنثوي، حينها أدركنا معنى الحرية والعشق والجمال لنفتدي بأغلى ما نملك من أجلها.

وعندما أنهت حديثها في ذاك الوقت عرفت بأنه طريق الخلود، إذ فما عجزت عنه الطبيعة حققته زيلان فأجاوبتها أثارت فيني نشوة السؤال لأعرف تلك الحسناء أيضاً، فبادرت بالسؤال: وماذا عنك؟ حينها أجابت وهي تسير نحو زيلان. يدعونني زينب كناجي قصدتني زيلان الفتاة الشرقية ففتحت لها ذراعي لأحتضنها بعمرها اليانع.

حينها فاقت عزيزتي زيلان عدت إلى ورقتي لأطويها بكل تواضع وقد شعرت بقشعريرة تجتاح كياني في لحظة السكون تلك، فأدركت بأنك قد غادرتني لتوك منذ لحظة بعد أن رافقتي كل كلمة دونتها على ورقتي وفي ذات اللحظة التي كنت أحسب نفسي قد عاد من رحلة طويلة وهو يصعد قمة جبل ليصل بوابة حزيرانن وإلهة الحرية زيلان جالسة على تلة شامخة، تكمل آخر حلقة من عقدها السنوي لتضعها في عنق كل قادم نحوها، وهي التي لا تفتح بوابتها إلا لكل طامح للحرية الأبدية، عندها وضعت القلم لأتأمل حولي صفير هواء يخاطب كل الكائنات بلغته التي يفقهها. فما رأيت وأنا جالسة أستعيد أنفاسي إلا وقد حطت فراشة على مرمى من ناظري ثلاثة أقدام، وهي تحوم حول زهرة بنفسجية تفتحت لتوها بأبهى حلتها الربيعية لا تدري من أين تبدأ بمص رحيقها. فراشة صفراء كانت تحمل خطوط سوداء على أجنحتها من بين مجموعة من صديقاتها وهي تتنقل بين الزهور، حينها أحسست وكأن زيلان لا تزال إلى جانبي تراقبني بهدوء، ودون أن تقطع سيل أفكاري الذي كان ينسج من عبير روحها على ورقتي التي تخلو إلا من روحها... روحها الذي سيزورنا مع حلول كل حزيران.

أما في الغروب عندما لبست الأرض ثوباً رمادياً لكأنها تدعو الأرواح إلى الإلفة والسكينة حينها فقط غادرت الفراشة صديقتها التي نهلت من نبع رحيقها لتودعها وهي تطبق أجفانها بكل دلال خوفاً من مكامن الليل، حينها أدركت بأن زيلان عادت إلى موطنها الأصلي بين الألاف من صديقاتها النجوم لتنطلق نجمة تتلالئ في كبد السماء حينها أفتقدتها قمم زاغروس وهي تودع كل قلب كان ينبض بالحب من حولها وحسرة لكل عين لم تراها، فهنيئاً لكل ذرة من روحها وهي ترفرف على كل فراشة ربيعية تنتقل بين الزهور فترسم صورتها حين نستقبل حزيرن موعدنا مع عرسها الكبير.

وألف تحية لعيناك التي لم تفارقهما الضحكة في أية لحظة. حينها فقد أصبحت زيلان الخلود عندما اقتربنا من حديقة حزيران. لذا فما يسعنا ونحن نستقبل حزيران من كل عام وهو قادم نحونا كضيف يحمل في جعبته بوادر لسعات حرارة الصيف أنما الآن يحمل حرارة أنفاس الأحرار وهم يسيرون في موكب حزيران، رافعين هاماتهم بكل كبرياء... فما يسعنا إلا ندعوها حزيران عيد الإلهات.

وفي ذلك الوقت الذي كان حزيران منذراً لنا بقدوم جمر يكاد الجلد يلفظ أنفاسه لنقي أجسادنا بكل ما نوتي من قوة إلا وقد تحول إلى مبشر بزيارة أرواح طاهرة، لنفتح له صدرنا وأذرعنا بكل سعة ورحابة ونحن نحتفي بقدومه. فكيف سنسقبله وماذا سنقدم له من جود أنفسنا وهو الأبي الذي لا يرضى إلا بالوفاء له كل ما وقف بباب السنة.

أما تلك الأم التي انجبت زيلان هدية لوطنها وهي تتقدم فتاة الشرق بعنفوانها الأنثوي، حاملة بيدها راية الأمل الذي سينير طريقهن نحو حياة أفضل، خالية من الذل والخنوع، فمهدت السبيل أمام المئات اللواتي ألهبت سلاسل العبودية أياديهن في زنزانة اسمها البيت، وهي تصرخ بأعلى صوتها: " نحن النساء نعيش مدى حياتنا دون أن نحصل على حفنة من تراب الحرية، ولكن فراشة صغيرة تعيش سبعة أيام عمرها حرة تنتقل بين الأزهار دون كلل ودون أن تسلم حريتها لأحد".

فهنيئاً لتلك الأم التي لم تروي ظمئها بالنظر إلى وجه زيلان وهي تشب على ركبتها، بل اختارت أرض الحرية لتشب عليه. هنيئاً للشرق الذي قدم زيلان رائدة تجاري أسرار الطبيعة بجمال روحها.

وهنيئاً للفراشة بصديقة لها من الأنس لتسكب من روحها في جسد زيلان.  

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006