|
برمال هكاري
في ايران منطقة (ميريوان) وبمناسبة
احياء ذكرى شهادة الرفيقة زيلان تم عقد اجتماع
للشعب من قبل أعضاء إتحاد المرأة الشرقية
الكردستانية، وبعد انتهاء الاجتماع حدث اشتباك
بينهن وبين القوات المسلحة الأيرانية.
وعلى إثرها تم استشهاد الرفيقة
زيلان بابولة، باستشهاد بابولة (فراشة) اختنقت
قلوب الكثير من الرفاق والرفيقات بالألم والأسى
والتأسف، كنا من جملة رفيقاتها على درب النضال بين
صفوف حركة التحرر الكردية. عاشت زيلان كفراشة تحلق
في سماء بساتين الورود والحيوية، الأمل هو عنوان
بسمتها المرسومة دوماً على كلتا شفتيها. من الصعب
ذكر الشهداء ووصفهن بعد استشهادهن، والتحدث بصدد
منطقهن وفلسفتهن الحياتية.
الشهيدة زيلان بابولة بعمليتها هذه
عبرت عن مدى انضمامها للحياة، ومدى دفئ وصدق
الأفكار التي كانت تدافع عنها زيلان وتعيش في
سبيلها. المهم لنا هو أن نفهم الإنسان في الوقت
المناسب، ولكن زيلان رحلت وكأنها كانت على عجلة من
أمرها، خطفها الموت منا مبكراً.
ليس من السهل وصف زيلان والتغلغل
في محيط أفكارها وبحار مشاعرها وعواطفها،
والإنجراف نحو عالم خيالها. بالطبع في تاريخ
نضالنا فقدنا الألاف من أبداننا الشابة المفعمة
بالحياة أمام أعيننا في سبيل الوصول للحرية،
وتحولوا فجأة إلى أجساد لا روح فيها جامدة، باهتة،
لاحراك فيها، فهي حقيقة لا يمكنني قط تقبلها بأي
شكل من الأشكال.
ارتوت زيلان من نبع الحيوية. أمواج
الأيام كانت تداعب روحها. مغامراتها كانت ترسي على
ميناء الزمن لتصفع حجارة الشط معلمة بمجيئها، كانت
زيلان ملاك تعيش بيننا فطارت بعيداً بعيداً نحو
الأفق.
انضممنا من أجل الاستقلال
أجل... انضممنا نتيجة تمتعنا بآمال
وطموحات لم تجد لها سبيلاً تتدفق فيه داخل
المجتمع. أجل... كل منا له أسبابه الخاصة حضته نحو
الانضمام لصفوف الحركة، أخترنا الانضمام نتيجة
التناقضات التاريخية التي نعيشها في المجتمع كجنس
وكشعب. لم نكن واعيات كثيراً ولكن أرواحنا
وأفكارنا كانت تدرك بأن بعض الأشياء لا تسير كما
وجب أن تسير ضمن المجتمع، ومع تطور روح العصيان
ومفهوم الاستقلال لدى كلٍ منا اندفعنا نحو سبيل
الحرية.
مع انبهار الرغبة والطموح لدينا
عندها أتضحت أمامنا حقيقة الخطوط الاجتماعية بشكل
ملموس، لم نكن نعرف حدود لرغباتنا وطموحاتنا. كانت
أفكارنا وعواطفنا مكرسة فقط في سبيل تحقيق
أهدافنا، كذلك انضمام زيلان كان بنفس الشكل. انضمت
زيلان إلى صفوف حركة التحرر الكردية نتيجة
التناقضات التي كانت تعيشها سواء كان ضمن العائلة
أو في المجتمع الذي كانت تعيش فيها. كانت زيلان
طموحة جداً وقوية، تدرك المشاكل الاجتماعية التي
تعيشها المرأة وكافة فئات المجتمع في ظل النظام
الإيراني. كانت تحلل وتدرك بوجوب إعطاء جواب
لمتطلبات المجتمع، وتطوير مشاريع بديلة للنظام
الايراني. فلا يمكن حل المشاكل التي تعيشها المرأة
في إيران كالدعارة والانتحار والاغتصاب، وغيرها من
الممارسات الوحشية التي تمارس بحق المرأة بوسيلة
الدعاية الكلاسيكية. كانت تفهم زيلان بأن الحلول
الاجتماعية ستكرس بوسيلة بناء المنظمات المدنية
وفق حاجة المجتمع، وسيتحقق نتيجة نشاطات قاعدية
نوعية، وكانت تقول دوماً بأن هذه المشاكل سوف تحل
مع تطبيق النظام الكونفدرالي في إيران. لم تكن
تفكر بالنشاطات على المدى القصير، وكانت حريصة
دوماً بأن المرأة ستتطور بوسيلة التفكير العميق.
كانت عاشقة الفراشات
زيلان كانت ذات روح فراشي حض بها
إلى مثوى الحرية. كان ارتباطها وتربصها بالحرية
أمرٌ ملفت للنظر، كانت ذات خصائص حميدة. ترفض
المواقف السطحية، ورفضها لهذه المواقف كان بعيداً
عن الفظاظة والتزمت وبعيدة عن التبعية لأحد أي
كان.
من أبرز خصائصها هي أنها كانت
صاحبة عالم حيوي ومتنوع، عالمها العاشق للفراشات.
وتعمل دوماً على أن تحب الإنسان كما تحب الفراشاة
وتحتضنها بحبها وفؤادها. وكانت تشارك عالمها هذا
مع من حولها. طفلة مع الأطفال، وإمرأة مع النساء،
مسنة مع الشيوخ، شابة مع الشباب. صاحبة قوة في
تسنم نفسية الإنسان وفهمه، تستند علاقاتها على
الرفاقية والإخلاص. صريحة ترتاح لها الأفئدة في
علاقاتها الرفاقية، لم تتواحد قط يوماً مع المواقف
الرجعية التقليدية، تناضل في سبيل مواجهة هذه
المواقف. ولم تتقبل المحظورات في حياة الفرد، تؤمن
بأنه بدون تحطيم هذه المحظورات لن يتمكن الإنسان
من إبراز إرادته، وتسعى دوماً لتحطيم الدوغمائية
التي عاشتها بين براثن النظام الإيراني.
كانت صاحبة شخصية حرة
كانت تدافع عن منطقها هذا ألا وهو
على المرء أن يخدم أهدافه لا أن يخدم الآلهة،
وتؤمن بأن الأرواح التي تخاف من الآلهة لن تنال
حريتها واستقلالها. لذا علينا أن نتخلص من الآلهة
الراقدة في الأرواح والأذهان، عندها بإمكاننا أن
نسلك سبيل الحرية. كل خطوة نخطوها في سبيل ذلك هي
خطوات الحرية، وكل مسيرة هي مسيرة الديمقراطية.
كلما أفكر بزيلان ترتسم البسمة على
شفتاي، لأنها لم تكن تخبأ قط بسمة وجهها عن
رفاقها. بقدر سعة فكرها كان عالمها غني بالحيوية
أيضاً، كانت تحب المزاح، مرحة، تتمتع بهواية الفن.
لكي نفهم إنسانة مثل زيلان علينا أن نصبح أصدقاء
الأصدقاء، ورفاق لكل الرفاق. علينا أن نولي
القيمة لشهدائنا، ونحسسهم بقيمتهم وهم أحياء لكي
لا نندم، ونقول حبذا لو كنا نولي القيمة للإنسان
قبل أن نفقدهم.
التقت فراشاة الحرية مع زيلان
أنتصرت زيلان (زينب كناجي) التي
طبقت عملية فدائية في عام 1996 في أن تصبح إلهة
الشرق الأوسط. وفي نفس هذا اليوم فقدت زيلان
بابولة حياتها عام 2006 لتغدو هي الأخرى إلهة
الشرق الكردستاني.
لأن النضال السياسي والفكري
والحياتي الذي أبدته الرفيقة زيلان (زينب كناجي)
قد أمتد امتداداً لغيرها من الزيلانات. وزيلان
التي لم تستطع العيش بدون استقلال وحرية حققت
لقاءها الحر والكبير مع زيلان. الزيلانات هنّ
إلهات نضالنا ونشاطنا، وبهمتهن هذه سنتابع مسيرة
الحرية بطراز مفعم بالإصرار، حينها سنتمكن من نيل
حريتنا واستقلالنا. بعزيمتنا هذه سنصبح جواباً
للشعب والمجتمع ولجميع النساء.
|