|
كلستان هوشنك
عندما
يسكب المرء بوعاء عواطفه على صفحاتٍ بيضاء حينها
يدرك بأنه كان يملئ الوعاء أجمل الألوان، بل وكأن
باب حديقة من الأحاسيس في قلبه ينفتح على مصراعيه،
فيكون طيفاً عزيزاً على لبه ووجدانه، حينها ينطلق
ذلك القلم ليسطر بكل حرية اجمل القصص عن اناس
يتطلعون إلى الحرية منذ نعومة اظافرهم، فهل نستطيع
القول حينها بأن الحرية كأم حنون تربي هؤلاء الناس
الذين تسلقوا حبائلها ليصلوا زروتها، حينها كانوا
اوفى الأبناء لها، هؤلاء الأبرياء الذين ما ان
تنفتح أعيونهم على الحياة حتى تطحن مسننات الظلم
والحرمان خيالاتهم الجميلة فينهضوا على صوت أمهم (
الحرية ) وهي فاتحة ذراعيها الناعمتين بكل سخاء
ماذا سيفعلون؟ إنهم يحملون خيالاً تمزق في براثين
الظلم، متوكئين على عصا الوجدان نحو أمهم الطاهرة
فها هو أحد أبنائها ينادي أمه في صمت طفل ذو ملامح
هادئة ينظر إلى الافق بتأمل عميق دوماً ذلك الطفل
الذي ولد في أغرب الليالي وأقصاها وعبر حدود
الأوطان وهو لايزال وليد ساعات قلائل عام 1975،
فعندما نتذكر ظروف الوطن تحت نير الاحتلال حينها
يجب ان نتذكر كم سيعاني أطفالها الحرمان وفي أشد
حالات الوطن نهوضاً وعصياناً لتنكسر تلك الأحلام
الوردية في عينا أمه، فينعكس على عينيه البريئتين
ويلات هذا الشعب لا تنتهي صغاراً وكباراً
ليستقبلها الأطفال وكأنه قدر محتوم لا مفر منه.
فهذا
الطفل هو (هوشنك) الذي ترعرع في كنف عائلة كانت
السند دوماً لكل ثورة مندلعة في كردستان على
الدوام، فمع ولادته تنهار الثورة البرزانية فتنعكس
هذه النكسة على العائلة بأكملها، ففي تلك الرقعة
الخضراء التي تحتل جزءاً من كردستان بخصوبتها ومن
ضمنها (ديرك) والتي سموها بالماليكية في ما بعد
ومنطقة الجزيرة بالنسبة لسوريا نظراً للمسافة
الشاسعة من خصوبة أراضيها، وديريك ذات الأراضي
الممتدة على أطراف نهر دجلة وذات الخضرة اليانعة
التي تنبت على أراضيها المعطاءة حتى لينظر إليه
المرء لا يرى فيها إلا كل الأصالة والجمال يمتد
إمتداد التاريخ ليكون حاضراً في عيون اللاحقين
بالأجداد الخالدين، فيكسب أفراد ذلك الديار أجناس
واديان (الأرمن) فالمحيط له تأثير كبير من الطبائع
والخاصيات في شخصية الإنسان إن كانت جيدة أم سيئة
ففي ذلك الوقت الذي يندر فيه حفاظ المرء على
خصوصياته التي يحملها في صغره فاللبيئة تأثيرها من
جهة أخرى في تنشئة بنيته الفيزيائية، كل فرد يعيش
فيها عامة وبعض الأسر من أسرة لأخرى خاصة. فلكل
عائلة قصة عاشتها وجهاً لوجه مع قساوة الأيام
ووطأة الاحتلال وثقل الفقر كصخرة عاتية فوق صدورهم
ولذا فالصغار يكبرون وفي عيونهم آلاف سؤال يترددون
في اليوم بها ان كانوا سيلقون جواباً عليها من
ذويهم؟.
يكبر
هوشنك في أجواء كهذه مع الأيام وفي مخيلته تجول
مختلف الصور والخيالات لماذا تعيش العائلة في حزن
على الدوام؟ وهو السؤال الذي كان يواجه به أمه على
الدوام رغم أنه كان صبياً يلتزم الصمت والهدوء؟
نعم كان هادئ الطبع ولكن خلف كل ذلك كانت توجد
جسارة عجيبة ممزوجة بالدهاء والذكاء، حتى الأم
ذاتها لم تجد له تفسيراً في كثير من الأوقات فيكف
لذلك الصمت ان يخبئ كل هذا وراءه وفي مرحلة
الإعدادية كانت الثورة في طريقها إلى فكره دون أن
يهدأ لحظة واحدة فقد كان يتضايق من تلك الدراسة
الإلزامية، لذلك كان ينصرف إلى قراءة تحليلات
القيادة في كثير من الأوقات فيكف سيتوقف عن
التفكير والإنضمامات تحث بكثرة من ابناء خالاته
(جكدار وجيجك وشفين وهجال وغيرهم)، وقد كان هذا في
أعوام التسعينات فكلهم كانوا جامعين في مقتبل
العمر طامحين في السمو في مدرسة الحياة، ولكن أية
حياة كانت تحتضنهم فتلك الحياة لم تكن لائقة
بشرفاء من أمثالهم، وذلك السمو الذي كانوا سائرين
في درب القيادة الواحد تلو الآخر ليجدوا معنى
للحياة هناك في ساحة القيادة والعيش في دنياه التي
تمتلئ الحب والجمال، فأولائك الشباب الذين أعطاهم
القائد كل ثقة ومحبة وشرف رفاقيته التي لا يليق
بها اي كائن كان فهم الآن في عداد الشهداء العظام.
وبذلك ساروا على درب خالهم العظيم الشهيد محي
الدين الذي قادهم بشهادته العظيمة فهوشنك يحمل تلك
الاحلام الصادفة البريئة في سن مبكر جداً وإلى
جانب طموحه في تحقيقها لم يكن يترك الرفاق لحظة
واحدة ففي داخله كان يعيش مثلهم وهو لا يزال
طالباً في مرحلته الإعدادية الأخيرة هكذا هي حياة
الشرفاء يعتصمون بحبل اهدافهم حتى النخاع، تتفجر
ثورة كالبركان في نفوسهم ليغدو كسيل من النهر كل
العوائق التي تعترض سبيلهم دون أن يأبو بها.
هوشنك
كان يحب والدته كثيراً ولكن في ذلك الوقت كان يجعل
الشباب يتحركون أغلى ما لديهم هدفهم النبيل
وواجبهم المقدس ذلك؟ لقد كان الشعب في ذلك الوقت
بأمس الحاجة إلى أبناء أوفياء ليكونوا جواباً على
تاريخ كتب كقدر لعين على جباههم، وليكون مولدي
أحلام أجدادهم التي بقيت حسرة دفينة في صدورهم قبل
أن يغادروا إلى مثواهم الأخير.
هذا بعض
من هوشنك الذي كان نبع الفداء وحب روح الرفاقية
والذي كان لا يزال يخبئ الكثير في ثنايا عالمه
الجميل. لقد عكس صورته الجميلة على كل من عاشره
بصفاء جوهر يلمع في عيناه اللتان تفيضان بالصدق
والإخلاص ليثير في نهاية المطاف نحو حديقة التي
سقاها حتى آخر لحظة بدمائه الطاهرة، ألا وهي
الشهادة وتلك الحديقة التي كان يضع فيها أجمل
الزهور ليعطر بها صوته الذي هز تلك الوديان بزئير
أسدي، وتلك الزهرة التي نطق بها حتى الأخير (يحيا
القائد APO الذين سبقوه برقصة خريفية مع ورق الجوز
والسنديان ليواصلا رحلتهما معاً في حضن تراب
حفتنين.
حفننين
حفتنين
لا تبكي على شبابي
بالأمس
كنت يانعاً أسابق الريح
وها أنا
الآن أسابق فرسان العظمة في السمو
أبصرت
لي في التلال روعة
وأنا
الهائم بكل نبع أسقت ظمئي ورفاقي
كنت
أجعل الأرض وسادة
لأكون
أنا وسادة كل جريح
أستقبل
رصاصة العدو
كان
الوجدان يسبق ليالي شبابي
ساهراً
على آهات رفاقي
والدم
ينزف من الجروح
اخترتك
رفيقة حزني وأفراحي
فما
زرتك إلا لتكوني سندي بصخورك ووديانك
اخترت
فيك
بهجة
العشاق مهللين على قامتك الهيفاء
فرشت
على ترابك تواضع جسدي
ليكون
لي لحافا أبدياً
لا
يوقظني بل يزيدني نوماً
قبلتُ
بك وقبلتَ بي لنكون صديقين
فقد
أصبحت صاحباً لكل ذرة فيك
نغدو
معاً أروع صديقيين على حد سواء
الاهداء
إلى
القائد العظيم APO
إلى
كافة الأمهات اللواتي قدمن بأعز أبنائهن فداءً
للوطن
إلى كل
من يسير به الوجدان للقراءة عن قصة حياة الشرفاء
إلى كل
الأطفال اللذين سيكبرون غداً على قصص شهدائنا
العظماء
"
وغداً إذا تشرق الشمس فوق جرحي المدمل
وقل
لجلادي بأن الدم من جرحي لا يكتب نصرك
انه يحفر فوق الصخر ميلادي "
|