الطائر عانق الشمس

آفرين أحمد فؤاد

الخريف كان وما زال يذكرني بساعات الرحيل والوداع، كان ذاك اليوم خريفاً حزيناً، يوم شاهدت وصدقت عيناي ما لم أكن سأؤمن به إلا بعودة يسوع بذاته، فأحياناً حتى في أواخر الخريف وأوائل الشتاء يعود الربيع بشمسه الدافئة، الشمس التي عشقناها جميعاً. لكن من منا حاول معانقتها بعناد و النظر في تجاويفها الحارقة؟

ها هنا في الغابات المسحورة بآيات من الجمال، التي تتلى فيها ألغاز الطبيعة بسيمفونية الهمسات، كانت أشجار البلوط قد عطرت الأثير بخشونة وصلابة دالة على العظمة، ومياه النهر الجاري في أعماق الوادي يزرع الرعب في أفئدة النائمين بأمان في ظلمة الليالي، ورائحة الأرض قد نشرت عبيرها لتملأ الأرجاء وتذكر المارين بأنعام الطبيعة، والبراعم العشبية نمت لتوها لتعيد لذاكراتنا ويلات العام الغابر، ويعزف على أوتار ألياف ذاكرتنا المتفسخة أمجاد الربيع الخالدة في الأذهان، كنا وبحدسنا القادر على التنبؤ بالغيب والمجهول نتنبأ ونشم الروائح الكريهة والمعفنة القادمة من صوب تلك المدينة، التي ما كانت الغيوم الحزينة تغزر أمطارها الباكية لنبكي معها، ولا العواصف المفترسة للشتاء الداني كانت تهب لنشاركها وليمتها، ولا السماء كانت تعاني من ألام الولادة لنتقاسمها لحظات الفرح بالوليد الجديد، كان كل شيء في هذا الخريف قد تحول إلى ربيع مسالم، والسماء كانت تبدو كعذراء في زفتها قد تجملت بالسحب البيض تاجاً للحب الذي لا يزال يدوي في فؤادها. مدينة طالما لألىء النهار فيها كل الأحيان، أما اليوم تحولت مدينتنا إلى بقايا آثار للفواجع، فمنذ ودع السلام هذه المدينة ومنذ غادرت الطمأنينة شبابيك العذارى ولم يعد للشبان أمن في التسكع بأزقة الشوارع باتت مدينتنا فريسة للفواجع والمذابح البشرية.

المدينة المهجورة !مدينة موحشة بوحدتها وعزلتها، مدينة مذعورة بفاجعة وحشية، مدينة حسناء رغم كل أحزانها ورغم ويلات الحرب المندلعة فيها، كانت تكمن فيها الأبدية الغير القابلة للفناء، مدينة تحولت لفتاة جاحظة العينين من ذعر تلك  الفاجعة، مدينة قد أشيب شعرها المتألق والمنسدل على كتفها الرفيع منذ اليوم الأول للوداع، مدينة قد تحجبت بالسواد من تلك الأمسية المقرفة. بشر يقتلون بشر! فأي لعنة حلت بك يا مدينتنا؟ وأية تراجيدية حل بك يا كوكبنا الجميل؟ مدينة ظلت تداعب فرخها الصغير حتى ودعته بقلق وكأنها كانت تشعر بقرب الوداع، أم فكرت في كل شيء لحظات اللقاء والإلفة إلا الوداع، والوداع كلمة يرفض الأحبة تداولها وقلما تتلوها ألسنة الأحبة.

يوم قاتلْ! فقد طال علينا هذا اليوم بثقله، اُفترض هذا اليوم وكأنه عكس علينا مرور قرون من الزمن على صفحة أذهاننا التي تثاقلت بفرض فرضياتها هباءاً.

نهض طائرنا ليواصل موكبه مع سرب الطيور المهاجرة نحو الشمس، تلك الشمس! التي بدأت لتوها برفع جبينيها عالياً نحو السماء، استيقظ الطائر ليواصل مع أصدقاءه في السرب الصغير مشوارهم الحزين، كانوا خمسة طيور، بينهم أنثى قد فتنت الجمال بغنجها ودلالها وحدة حذقها على التفنن في إبداع طرق الحياة (شيلان)، وثلاثة آخرون كانوا من البسالة ما جعلهم يأبون إلا متابعة التحليق نحو الشمس لينعموا بدفء أشعتها المنبثقة على الأرض، ثلاثة بذلوا حياتهم عربوناً لحياة نبيلة وكريمة، لعش طال اشتياقهم لاحتضانه، عش حلموا به ولم يصلوه إلا بالطهارة بحر وقيظ هذه الشمس الربيعية.

خمسة طيور أبوا إلا أن يحلقوا معاً بعناد وكبرياء إلهي، قبيل نهاية المطاف وصل طائرنا برفقة الأحبة إلى الأرض التي اعتاد على الترجل والترحال فيها، ليقع الطائر في مصيدة الصيادين الذين ما فقوه من معاني الجمال والحياة إلا السلطة والإنتقام. وطالما حاول الصيادون اصطياد الطائر الجميل ليقرؤوا على تعابير وجهه الطفولي تعابير البسمة التي ما هابت من الحزن يوماً، دارت الجدلات بين المتضادين، ومن يدري بالغيب ليعلمنا ما جدل بينهم؟ اُفترض أنهم صبوا كل حقدهم وغيظهم على من بحثوا عنه طويلاً أو أنهم حاولوا إغراء الطائر الجميل وصحبته بأقفاص ذهبية، لكن كلنا يعلم أن الطيور الأصيلة لا تتلذذ بالحرية إلا في البراري والأدغال، مع عبير البلوط والأزهار الربيعية وقطرات الندى المنسابة على أخاديد الكائنات عند الفج، طال الجدال لكن لم يأبه طائرنا بمجادلة المتواطئين والمتاجرين على نصب الحياة جمالياتها وروائعها، ونبذ أم فلذة كبدها، هكذا دام الجدال إلى أن وصلتنا النتيجة المرتقبة، فلا جدال لطائر أصيل على الحرية، فهو خلق ليحلق نحو الشمس الأبدية.

ثم ما الذي جرى؟ كلنا في الانتظار.ماهي النتيجة؟ النتيجة صعبة التصريح والإفصاح. طلقة في المخيخ، وطلقة في القلب.

طلقة في العقل الذي فكر بالحرية، والسفر نحو الأبدية.

طلقة في القلب الذي عشق الحرية وعانق الشمس الأزلية.

واحد تلو الآخر فؤاد وجميل وزكريا وجوان ناموا كراماً . فما أكبر عظمة الأمل والثقة في عيون طيورنا ويالقداسة العشق الذي أوصلهم إلى الأبدية، وفي الختام غمرت الدهشة ولوعة فرقة الأحبة الذين يحتضرون أمام أعين جمليتنا، لتحدق بنظرات ملؤها القرفة والاشمئزاز من قذارة ودناءة الجريمة المرتكبة بحق طائرنا الذي تطوع لنجدة الوطن المسالم، ورفاقه الذين أحبوا سلوك نفس العقيدة وتلبية استغاثات العش الذي لم يهنؤوا بدفء حنانه يوماً.

وبالطبع للجميلة أيضاً نفس المصير، طلقة في القلب وطلقة على الشفاه التي ظلت تنطق بحب الوطن والإنسانية وهكذا انتهت الفاجعة، ليتحرك الصيادون ويحملوا موكبهم دون أن يخلفوا ورائهم أي أثر نتعرفهم بها، لكن عرفناكم من رائحة أنفاسكم المتبقية في أرجاء المكان، عرفناكم من دناسة الفاجعة التي لا يقترفها إلا المتاجرون بالروح البشرية.

هكذا انتظرت أجساد طيورنا الحنان والعطف البشري، لكن ها هنا ألعن هذه الحقيقة المرة لقد رحل الأحبة دون عودة، رحلوا بأيدي خائنة وصدق من قال:"الذي خان لمرة هان عليه أن يخون كثيرا"ً، ولكن وما يحزنني يا أصدقائي الراحلين "أنه حتى في قوانين الغاب لا تؤذي الحيوانات من عاشرها"فأي الأصناف هؤلاء؟

لذلك أوجه كلماتي للصيادين. "مهما جرت وتتالت الفواجع علينا، محال لمخالبكم أن تبعث الرعب والخوف في أفئدتنا وسنحيى في هذا الوطن رغماً عن مآربكم، سنحيى في وطننا الحزين الذي لا نبغي منه إلا بسمة أمان تعيد لنا ابتسامتنا على أوجهنا الباكية من وقع الفاجعة، أمان؟ نعم أمان والبحث عن الأمان في هذا الوطن بات كالبحث عن إبرة في كومة قش.

فؤاد يا صديقنا الراحل!!!

كيف لا نحبك ونحزن لفرقتك ؟ وأنت الذي كان لك من الابتسام ما يدعو الملائكة للبكاء، و في ضحكاتك صدى صوت ملء أرجاء معمورتنا، وفي لحظات الحزن كانت ابتسامتك تعيد للقلوب الثقة للعيش في حضن وطن رغيد طال عليه نير الظلم والخيانة والاستبداد.

كيف لا نحزن يا فؤادنا؟؟ وكان من شيمك بناء إنسان جميل كجمال روحك على خطى تلك التربية التي تلقيتها من شمسنا الأبدية.

كيف لا؟؟؟ وأنت الذي ما كلَ من الجهد والتعب لتبني عشاً في وطن ما زالت آثار خطواتك منقوشة في رحابها و تضاريسها المنتحرة.

كيف؟؟؟؟ وأنت الذي تعلم عشق الحياة رغم الساق الواحدة . أنت الذي داس تربتي شاباً إلى أن كبرت في أرجائي التائهة.

كيف لا أحزن؟ وأنت الذي كنت باسلاً وشجاعاً لا تهاب الخونة، وكلما ناديتك باستغاثاتي لبيت نداءاتي وآهاتي . واليوم ها أنا أناديك دون أن أتلقى أي جواب، فقد أنبئني الخريف برحيلك معها. منذها! أصاب قلب أمك الجرح الذي لن يندمل من بعدك فؤادي . فأنا الجنوب الحزين! أصابني الجرح، وما أطيب جرح لأجلك صغيري، فانسكب أيها الجرح في صدري وانهمري يا دموعي وانهضي يا ركبتي فقد طال علينا هذا الليل بظلمته.

كيف لا طائري الوسيم؟ وأنت الذي جبت أرجائي شبر بشبر، وأوصلت طولها بعرضها وصرت تعلم تضاريس قلبي الحزين كم خطوة تكون؟

كيف؟ وأنا الجنوب التي أحبتك من الحب ما دعا الخونة للحسد، وتوجتكَ حبيباً على عرش قلبي. فأنا الجنوب !منذ رحيلك تأبى معاصري الحراك والزيتون صارت تذرف دمعاً والغصة احتقنت في حناجرها، السنابل أضربت معلنة أنها لن تعانق الشمس من بعدك، وهاهو قطني يخلع عن نفسه ثوبه الأبيض ليرتدي السواد، ومياه هذا النهر الكبير هاجت ثائرة ضد السماء، التي تحاملت على الأنفاس الملطخة برائحة الدم و البارود.

فؤادي!!! يا من بذل الحياة وروائعها في سبيل أن تعيد البسمة على شفاهي. فها أنا أمك التي لن يهدأ لها بال إلا بعد أن تلد فؤاداً في كل خطوة خطوتها في أرجائي وما أكثر الخطوات التي خطوتها!

هكذا أعزائي القراء ، كان وما زال الرفيق فؤاد واحد من أعظم المثل الذين كنا نمتثل به في حياته وحتى بعد استشهاده، والفكرة التي حدت بي لأدون هذه الكلمات على وريقات الزمن هي إيماني وقناعتي أن الرفيق فؤاد كان خيرة من نقتدي بهم، بكل ما فيه من صفات و خصال الثوري المتأهب في كل اللحظات لتلبية نداءات الوطن، ففي حين كنا نكرر أقوالنا يومياً كشعارات محفوظة لا تتجدد في ذاكرتنا، كان الرفيق فؤاد يناضل ويطبق ما يفكر على أرض الواقع دون تباطؤ.

وهو الرفيق الذي استحوذ على الثقة اللا متناهية للرفاق والحزب والشعب بجهده ونضاله الدؤوب ولذالت وستبقى آثار الرفيق خالدة ومرئية أمام أعين كل الرفاق والشعب و نعترف به  ثورياً حقيقياً قد جسد في شخصيته شيم التضحية والفداء لأجل الوطن و الشعب الذي أحبه وأحبهم، ارتبطوا به وارتبط بهم، وقد وصل صدى نضال الرفيق حتى اعترف به الخونة أيضاً مناضلاً دؤوباً ومثابراً على تصعيد النضال، ولأنهم علموا أنهم لن يصلوا إلى مآربهم إلا بإزالة العقبة التي كانت تعيق تحقيق مخططاتهم الدنيئة على الساحة السورية، فقد كان بالفعل وبصراحة اللسان والعقل والوجدان علقمة في حنجرة كل من حاول التلاعب بقيم الشعب  والنيل من حقوقه القومية والإنسانية في الساحة الجنوبية الغربية، وضد كل من أراد المتاجرة بمبادئ التي زرعها القيادة في هذا الشعب .وهنا أود القول أنه في ما مضى من كلماتي لم أكتب إلا القليل عن ذاك الثوري الذي استحق بحق لقب الثوري. وأنه في ما مضى من صفات كلها كانت من الصفات المرئية التي ما كان يصعب على المرء ايجادها في شخصية الرفيق فؤاد. وطالما كان الإنسان يملك عالماً في أجوافه سيتعذر علينا أن نفيهم حقهم، فيا ليتنا تمكنا من معرفة عالم الرفيق لربما وسعَ أن يبذل له قلمنا حقه في التعبير، لذلك أجد نفسي مدينة ويجد قلمي نفسه مديناً أمام قداسة وعظمة الكتابة للشهداء، وكم يتأسف قلمي على الكتابة بخصوص فرقة الأحبة وهو الذي ما كان يفكر بشأن الأحبة إلا اللقاء مجدداً وخاصة بشأن الرفيق فؤاد الذي خلف وراءه الكثير من الذكريات في أفئدة كل من عرفوه، فقد كان الرفيق المثل الذي كان يمتثل به كل من عرفه في حياته وزاد في قدوته لنا باستشهاده المقدس وبصعوبة فائقة حاولت تسطير هذه الأسطر عربوناً ووفاءً لذكرى الشهداء وأعلم تمام العلم أننا مهما كتبنا سيظل القلم عاجزاً عن وصف الشهداء، وأمام ما يختلج أعماقنا من مشاعر نعجز عن التعبير عنها، ولو استطاع كل انسان أن يعبر عن نفسه، لما استدعى لنفسه الكتابة أو الكلام، لذلك أننا ومهما كتبنا يظل في عظمة الشهداء سر خفي لا نتعرف عليه إلا بعد مرور فترة زمنية، فهكذا كانت حال الأنبياء. لم تفهم ولم تطبق تعاليمهم إلا بعد مرور المئات من السنين. لكن كلي امل أن لا تتكرر المأساة الإنسانية في تطبيق تعاليم العظماء فقد آن الآوان لكي نمتثل بهم في تسيير خطط النضال ورفع مستوى النضال على كافة الأصعد، وذلك لن يكون بالشعب وحده أو بالكوادر وحدهم بل سيكون هذا النضال يد بيد لنيل الحقوق القومية والإنسانية تحت شعار"الوفاء لذكرى الشهداء والعمل لرفع صيرورة النضال".

فكثيرون من يبتسمون، لكن قليلون هم من يزرعون الابتسامة على شفاه الآخرين. وكثيرون هم الأصدقاء، لكن قليلون هم الأوفياء. وكثيرون من حاربوا، لكن قليلون من حاربوا لخدمة الإنسانية. وكثيرون من تدفئوا بحرارة الشمس، لكن قليلون هم من عانقوا الشمس . وأحد الذين عانقوا هذه الشمس كان طائرنا الذي حلق حراً طليقاً في رحب السماء لا يهاب طلقات الصيادين، لأنه بات روحاً مزروعة فينا، فهو ما كان ليهابهم حين كان في جسد يتجسد فيه الحياة ، فكيف له أن يهابهم وهو بات روح معششة في أفئدة كل من عرفوه، وليعلم كل الغافلين عن حقيقتنا أنهم ربما تمكنوا من قتل طائرنا لكن قلوبنا جميعاً ممن عرفوا الطائر وأصدقاءه وكل من سمع عنهم تحولت إلى عصافير شقية لن تهدأ إلا بتعقب آثار رفرفة أجنحة طيورنا الخمسة، فيكفينا حاسة الحب لرفاقنا لنتقفى آثار الطيور التي ودعتنا في هذا الخريف اللعين! الخريف الذي حلق فيه طيورنا نحو الشمس. فكثيرون من حاولوا ملامسة الشمس فاحترقوا، لكن طيورنا حلقوا ورفرفوا ليغدو الطيور التي عانقت الشمس.

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006