لأجل عينك أسكب حبري

تكوشين ملاتيا

ترجمة: نودم سيبان

منذ فترة طويلة لم أكتب أي شيء، وهذا لا يكمن في عدم رغبتي للكتابة بل لأنني تضايقت وتغبط من كل شيء، فالمصاعب والمتاعب التي لاقيتها في هذه الفترة الأخيرة لم ألاقيها في أي وقتٍ مضى. لهذا دائماً كنت أتسلى بالعمل كي أنسى التفكير بنفسي.

فالحدث الأخير الذي عشته ترك في نفسي أثراً عميق، وأعتقد بأنني لن أتمكن من نسيان ومسح هذا الأثر من نفسيتي إطلاقاً.

الحدث الذي يتكون من استشهاد أعز رفيق بين يدي. لقد كنت الشاهدة الوحيدة التي شهدت المقاومة التي خاضها في سبيل الحياة ورأيت العذاب والمعانات التي لاقها طوال تلك الأيام بأم عيني، نعم كنت وحيدة ومكتوفة الأيدي أنظر إلى العذاب والمعانات التي يعانيه رفيقي دون إيجاد أية وسيلة أو حيلة لإنقاذه من تلك الحالة التراجيدية. وحتى لم أجد أي إنسان أو صديق ما لطلب المساعدة ويد العون منه في وحدتي.

قبل المرور بهذا الحدث لم أكن أعرف الرفيق جوتكار كثيراً كنت بقيت معه لمدة أسبوع أو أسبوعين فقط. إلا أنني كنت أعلم علم اليقين بأنه إنسان مخلص وصريح وطيب القلب. لكنني حقاً عندما رأيته للمرة الثانية في المشفى لم أرى منه أي أثر من جوتكار السابق أي أنني لم أعرفه على الإطلاق لأنه تجرد من إنسانيته أو أنه جُرد منها. فكل ما تبقى منه مجرد كومة من العظام وطبقة رقيقة من الجلد أي كهيكلٍ عظمي يجاهد بكل ما فيه من جهد في سبيل إستمرار عملية التنفس. لهذا فعندما رأيت ما تبقى من جوتكار لم أستطع التقرب منه بسبب الدهشة والصدمة التي لاقيتها من جراء ذلك.

وفي ما بعد قيل بأنه يجب علي أن أرافق الرفيق جوتكار إلى أوروبا، عندها شعرت بخوفٍ غريب. ولكن رغم عن ذلك كنت مضطرة على مرافقته. وبعد الخروج من مدينة بغداد تركت كل المسؤولية على عاتقي. و جوتكار كان رفيقي الوحيد رغم أنه كان مجرد نفسٍ ضعيف أي عبارة عن شهيق وزفير ولكن رغماً عن هذا فقد رفيقاً بمعنى الكلمة بالنسبة لي. حيث كان هدفي وهمي  الوحيد هو إيصال ذاك الرفيق إلى أوروبا بشكل سليم، لدرجة أنني لم أعي أو أدرك بخروجي إلى أوربا، لأن سلامة جوتكار كانت مركز اهتمامي في تلك الفترة العصيبة. وأصبح كل ما يعنيني في الحياة، حيث كان صديقي وطفلي ورفيقي وحتى حبيبي. وتعلقت به لدرجة كبيرة وكأنني أعرفه وعايشته سنوات طوال. كما كنت أهتم وأعني به كطفلٍ صغير. وأجهد بكل مجهودي لإبقائه على قيد الحياة، رغم علمي بأنه يعاني الكثير من الألم والعذاب. فقلبي كان يتمزق لكل نظرة حزينة في عينيه وأنينٍ يئن من أعماقه جراء ذاك المرض الخبيث. وفي تلك اللحظات كنت عاجزة عن عمل أي شيء رغم رغبتي الشديدة بفعل المستحيلات في سبيل إنقاذه من تلك المعانات. وهو أيضا كان عاجزاً عن فعل أي شيء لأنه لم يكن بمستطاعه التكلم أو النطق بما يعانيه أو حتى أن يشكي من الألم والعذابٍ الشديد في جسده الهزيل. أي بالمختصر أنا عاجزة وهو الأخر عاجز وهذا ما كان يحيرني ويؤلمني.  وكل ما استطعت أن أعطيه هو عطفي وحناني وحبي القوي نحوه، لهذا فكنت أقبل وجهه وجبينه ويداه طوال الوقت وأضع يداه بين يدي وأمسك بهم بشدة كي لا يفلت من بين يدي. لأنني كنت أعتقد بأن المقولة التي تشير إلى أن الحب يحيي الإنسان ويمد له الحياة مجددا هي صحيحة وسأتمكن بها من إحياء رفيقي بالحب الذي أكنه نحوه من أعماقي. لهذا فبذلت بكل جهدي في سبيل إعطاء وإبداء جميع عواطفي ومحبتي القوية نحوه لإبقائه على قيد الحياة. وفي البداية كان يمسك يداي بشدة ويحدق في عيني وكأنه كان يستنجد بي ويطلب مني المساعدة والعون. وكنت أستوعب كل ذلك من نظراته التي كانت تشير إلى الألم الذي ينخر بأعماقه. ولكنني رغم كل ذلك كنت عاجزة وبنفس الوقت خائفة من أن أفقده في لحظة غير متوقعة. وكنت أتسأل في نفسي إذا أستشهد هذا الرفيق بين يدي ماذا سأفعل؟ أو هل سأتمكن من تحمل كل هذا ؟ فأنا لم أشهد على شيء كهذا أبداً.

وفي اليوم الأخير لم يكن بإمكانه أن يشد يداي كالسابق لأنه فقد كل طاقته وبنيته الجسدية. وحتى لم يكن بمستطاعه بلع الماء أو عصير الفاكهة الذي كنت أعطيه بإبرة الحقن. وكان يتأوه ويئن بين الحين والأخر. بيد أننا كنا نقترب من النهاية، إذ أننا كنا قد استلمنا تذكرات الطائرة أيضاً. ولكن الدموع كانت تنهمر من عينيه. كونه لم يرغب بموت كهذا. لأنه كان لا يزال في مبتدأ عمره وفي عنفوان شبابه. ولم يعش إلا القليل من شبابه. لهذا توسلت إليه وقلت له: رفيقي أرجوك تحمل وقاوم قليلاً.وبين الحين والأخر كنت أكرر توسلاتي ورجائي الذي كان يتألف من هذه الكلمات " أرجوك يا وردتي أرجوك يا روحي تحمل وقاوم فلم يبقى إلا القليل" وهو الأخر كان يفهمني ويسمعني لهذا ففي النهاية شد على يدي مرتين وكأنه كان يريد أن يشير إلي بإشارة جيدة يؤكد فيها على أنه سيحاول التحمل والمقاومة بشكل أقوى. ولكن في النهاية كنت سأواجه الشيء الذي أخشاه طوال الوقت. ففي ذاك اليوم بكيت كثيراً لأنني كنت عاجزة عن عمل أي شيء، حيث أخرج إلى الخارج وأبكي ساعات كي لا يراني على تلك الحالة المحزنة. ولم أكن على علم بأن جوتكار لن يتحمل أكثر من هذا. وسيتركني وحيدة. فقد  كان جوتكار يذوب أمام عيني. وحتى المصلات (السيرومات) والأدوية الأخرى لم تكن تجدي له بأية فائدة. ورغم أنني كنت أعلم بأن المصلات لا تنفعه بشيء كنت أصر وأستمر في أعطائه لأنني لم أجد أية حل أخر ولم يكن بمستطاعي عمل أي شيء سوى ذلك. لهذا فعندما استلمت المذكرات سعدت كثيراً وكان أملي كبيراً بإنقاذه و إيصاله إلى أوروبا بشكل سليم، ولكن مع الأسف فقد واجهنا مشاكل أخرى في نهاية الطريق. وهكذا وقعنا على متاهات الطريق مرة أخرى. وقالوا بأنه يجب أن يرافقنا طبيبه في الطائرة. لهذا خرجت للبحث عن الطبيب. لأن وضع جوتكار كان يسوء بشكل سريع. لدرجة أن أي شريان من شرايينه لم يتقبل المصل( سيروم )، لهذا فقمت بحقن الفراشة في شريان قدمه الأخر، ولكن بدون أي نفع لأنني لم أنجح في حقنه ولم يقبل أي شريان من شرايين قدمه إبرة المصل. عندها كررت حقنها في القدم الأول وبعد عدة مرات من البحث نجحت بحقنها في شريان من أحدى شرايين ذاك القدم. وبعد ذلك ارتحت قليلا واستنشقت نفساً عميقا. ولكن رغم ذلك فقد كان وضعه جدياً وبحاجةٍ عاجلة لمعالجة الطبيب، وعندئذ طلبت الطبيب ولكنه لم يأتي. وقد أصبح جوتكار يلاقي صعوبة جمة في التنفس. وتوقف عن الحركة بشكل نهائي. وحتى أنني لاحظت في ما بعد بأنه قد توقف عن عملية البول أيضاً أي أن كيسه البولي كان فارغاً على مدى ساعاتٍ طويلة. لهذا خفت كثيراً واستعجلت لتحقينه بإبرة ليتمكن من التبول. وهكذا بعدما حقنته تلك الإبرة عاودا التبول مرة أخرى. وبعد مرور ساعة كاملة لم يحضر أي دكتور وأرتفع ضغطه لدرجة عالية جداً. لهذا فقد تحيرت كثيرا ولم أكن أعرف بما سأفعله لأنني كنت وحيدة والسائق الذي كان معي لم يكن يفهم بالكردية. وكنت أحاول وأجاهد بعمل أي شيء ولكن مع الأسف فجميع محاولاتي كانت تنتهي بالفشل. لهذا توسلت إليه مرة أخرى بأن يتحمل قليلا إلى حين أن يأتي الطبيب، وكنت أشد على يديه وأقبلهما وأقبل وجهه وأداعب شعره، لأن قلبي كان يحترق أكثر من قلب أمٍ تحزن على طفلها. وقد ظن كل من كان هناك بأن جوتكار هو زوجي، إلا إنني كنت متأكدة بأنه حقاً إذا كان زوجي لم أكن أتألم لهذه الدرجة.

لقد كان جوتكار يحب المطربة التركية سرتاب أرنر (Sertap Erener  ) كثيراً، لهذا فكم كنت أرغب أن ألقي على أسماعه صوت سرتاب أرنر لأخر مرة ولكن مع الأسف لم يكن بمستطاعي العثور عليها في تلك الظروف. وبعد هذه اللحظة لن يكون بإمكانه سماع صوتها مرة أخرى.

وفي حوالي الساعة الثانية عشرة ظهراً أعطى جوتكار نفسه الأخير بين يدي. عندها أحسست بأن الأرض على وشك الانهيار فوق رأسي. لهذا لم أصدق عيني بما حصل ولم أكن جاهزة لاستقبال وفاته. لهذا برجته وهززته مرات عديدة وبعدة هزه تنفس مرة أخرى لهذا سعدت كثيراً، ولكن كانت سعادتي هذه مجرد سعادة لحظية قصيرة. لأنه أنقطع عن التنفس بشكل نهائي. وحينها حاولت دلك قلبه من العجز ولكن لم يحدث أي تطور حيث كان من المستحيل حدوث أي تطور بعد ذاك النفس الأخير. لأنه انتهى بعد كل ذلك. و انهارت كل قواها. ورغم كل ذلك لم أغلق المصل ( سيروم). لأنني لم أرضى وأقبل بشهادته. كما أن السائق كان يشير إلي بأنه قد أستشهد ويجب علي أن أغمض عينيه. ولكنني كنت أنكر ما أراه ولا أريد أن أصدق عيني لهذا كنت أقبل وجهه الجامد ويداه بكل ما يحتوي قلبي من حبٍ وحنان نحوه، ودون أن أشعر بالخوف والفزع ولو للحظةٍ واحدة لأنه أصبح جزءً لا يتجزأ من روحي وكياني. وبعد فترة حاولت ان أغمض عينيه ولكنني لم أستطع أن أغمضهم لهذا استغربت  كثيراً من ذلك لأن عيناه كانتا تعاندان على الإغماض.

لم أنجح في إنقاذه.. نعم لم أنجح. فمن المحتمل أنه قد تخلص من ألامه وأوجاعه. ولكن كان يتوجب علي أن أنقذه وأحييه. لأنه كان يحق الحياة أكثر من أي شيء أخر. والحياة كانت من حقه أيضاً، ولم يحق هذه الشهادة وكل ذاك العذاب الذي كان يلاقيه.

وقد بقيت وحيدة تماماً في وطنٍ أجنبي ك(الأردن). فقد كان جوتكار مجرد نفسٍ ولكنه كان خير رفيقٍ وأعز صديقٍ بالنسبة لي. فأثناء وجوده معي وحين كان يأخذ ويعطي أنفاسه لم أكن أشعر بالوحدة لهذه الدرجة. ولكني الآن فقدت ذاك النفس أيضاً. وكنت وحيدة تماماً ولا أعرف كيف أتصرف. ولم يكن بمستطاعي البكاء أيضاً أي أنني لم أجد بقربي رفيقاً ألقي بنفسي بين ذراعيه وأبكي في حضنه بحرية. أي أنني كنت جامدة وذاهلة وأقف في مكاني دون أي حراك. ولكن قلبي كان يقلع بين جوانحه الأعاصير والبراكين. ولم أجد أي شيء أهدئ به ألامي.

وبعد استشهاده فوراً حضرت الشرطة والدكاترة. وأنزلوني من السيارة ولكني لم أستطع أن أقف على أقدامي رغم تناولي الأدوية المسكنة بكثرة. ولاحظت بأن قوتي وطاقتي قد انهارت لهذا أجلسوني على الكرسي وناولوني سيجارة كي تهدأ أعصابي، وقد كنت في أمس الحاجة لشيء كهذا. وبعد ذلك ركب الدكتور السيارة لمعاينة الرفيق جوتكار. وبعد فترة أركبوني على نفس السيارة ولكنني لم أجلس بالقرب من جوتكار هذه المرة. لأن جوتكار كان خلفي دون أن يتنفس أو يتحرك بل كان ينام في ثباتٍ عميق وبدون حراك. وتوجهنا نحو المشفى في ما بعد، وأثناء وصولنا إلى المشفى نزلت أنا من السيارة ولكنهم أخذوا بجوتكار إلى معرض الجثث ( morg ). ولكي لا تنهار قوتي كنت أشرب المسكنات على الدوام. حيث لم تبقى في داخلي القوة التي أقف بها على أقدامي. وكنت أرى بأنني في أمس الحاجة لقسطٍ من النوم. حيث كنت مرهقة ومتعبة كثيراً. ولم أتناول شيءً من الطعام لمدة ثلاثة أو أربعة أيام بكاملها. لذا فقد ضعفت بنيتي كثيراً.

وفي ما بعد أخذني السائق إلى السيارة مرة أخرى، وهناك نمت على الفور لأني كنت واهنة ومرهقة جداً. وبعد فترة من الزمن استيقظت على صوت السائق وهو يناديني ويقول بأنه قد أتى بالمترجم. حينها قابلني المترجم وصرح لي بأن الدولة لن تسلم لنا الجنازة، عندها تضايقت كثيراً ولم يكن بإمكاني قبول هذا الشيء لأن قلبي لم يرضى أبداً أن أذهب وأترك جنازة رفيقي في هذا المكان وحيداً. وبعد ذلك أخذوا بي إلى المخفر وأعطيت إفادتي بواسطة المترجم في حال أنني لم أكن مستعدة أو في وضعية مساعدة لإعطاء الإفادة وخاصة إن كانت إفادة كاذبة. ونتيجة استعمال الأدوية والمسكنات بكثرة تجفف فمي والتصقت شفاهي ببعضها حيث كنت ألاقي صعوبة كبيرة في التكلم.  وقد كنت مضطرة على إعطاء الإفادة الكاذبة حسب الخطة التي خططناها. أي رغم أنني كنت ألاقي كل تلك الصعوبات واللام التي تدمي قلبي وتنخر عقلي كنت مضطرة على قول الكذب أيضاً. وبعد إعطاء الإفادة أخذوني مرة أخرى إلى السيارة. حيث كان وقت المساء ولكنني لم أكن أعلم بماهية  الساعة بالضبط. وفي تلك الليلة اضطررت على النوم في مكان جوتكار الذي كان ينام فيه، وكم كان من الصعب علي ان أفيق من النوم ولا أرى رفيقي العزيز جوتكار في مكانه أو بجواري. نعم هذا الشيء كان يؤلمني كثيراً ومن الصعب أن يفهم الغير كل ما لاقيته من ألمٍ وعذاب، لأن الذي لم يعش كل هذا الذي حدث بشكل واقعي من الصعب أن يفهم ويشعر بما أشعره الآن.

لهذا فقد رميت ألمي وعذابي وحتى دموعي إلى أعماقي. لأنني كنت مجبرة على الوقوف فوق أقدامي. وبنفس الوقت توجب علي أن أستلم جنازة رفيقي. لأنه لم يكن بإمكاني أن أغادر ذاك المكان وأترك جوتكار فيه غريباً ووحيداً.

وفي الصباح أخذوني مرة أخرى إلى التحقيق. وقد أخذوني في البداية إلى المخفر وفي ما بعد ذهبنا إلى مكانٍ أخر وأعتقد بأنه كان مكان المدعي العام. وهناك لم نرافق معنا المترجم لهذا فقد اضطررنا على البحث عن مترجمٍ أخر. وقد انتظرت ساعات طويلة حتى تم العثور على المترجم. ولكنني كنت متعبة جداً لدرجة أنني لم أستطع أن أجلس في مكاني، كما كنت مريضة جداً. وعلى وشك الإغماء لأن الجو كان يخنقني ويضيق نفسي. وقد كنت وحيدة تماماً أنتظر المترجم بتلك النفسية والحالة المرضية المزمنة حيث كان السائق قد ذهب إلى مكانٍ أخر في تلك الأثناء. ومن ناحية أخرى انتابني خوفٌ غريب وهو الخوف من أن يذهب السائق ويتركني لوحدي. لهذا فكل ما تمنيته في تلك اللحظة هو الوصول إلى الرفاق في أقرب وقتٍ ممكن. لأن العاطفة التي يشعر بها الإنسان عندما يكون لوحده وبعيداً من رفاقه هي عاطفة مؤلمة وصعبة جداً. فالإنسان يحتاج إلى أسوء رفاقه في هذه الحالات. وهكذا فقد مر يومين آخرين بإعطاء الإفادات والانتظار المرعب و الطويل. وبعد كل ذلك استطعنا أن نأخذ منهم جوازات سفرنا، ولكن لم يبقى إلا القليل حتى يسلموني إلى القنصلية التركية لهذا فقد أنقذت نفسي بصعوبة كبيرة. ولم يكن بإمكاني أن أتحمل شيءً كهذا على الإطلاق. وبعد إعادة جوازات السفر أخذني السائق إلى إحدى الفنادق للبقاء فيها.                         

وهناك حاولت أن أنام قليلاً، ولكن رغم رغبتي الشديدة لم أستطع أن أنام بسبب الخوف والقلق الذي استولى على أعصابي. وبعد مضي ساعتين من الوقت التقيت برجلٍ غريب في البداية سلم علي ومن ثم أتصل بالهاتف مع رجلٍ أخر ثم أعطاني الهاتف كي أتعرف على ذاك الرجل. حيث كان المحدث تركي الأصل وقد قدم لي تعازيه الحارة وعبر عن أسفه وحزنه الشديد بصدد الأحداث التي جرت معي، وقال بأن السائق كلفه بأن يكون مترجمي. وطلب مني أن أذهب لضيافتهم في البيت وبعد تلك المكالمة الهاتفية توجهت برفقة السائق وذاك الرجل الأخر نحو بيت الرجل التركي الأصل لزيارته. وقد عاملتني عائلته معاملة حسنة وطيبة جداً. وأكد المترجم بأن هذا الرجل الأخر هو السائق الذي خصص لمرافقتي من قبل الرفاق في بغداد، وسوف يعملون على إرجاع الجنازة وإرسالها إلى بغداد مرة أخرى. ولكنني لم أثق به وبما قاله لي. وأشتاحني القلق والتردد والخوف لأني لم أتأكد من صحة ما قاله لي المترجم وحتى تساءلت مع نفسي كثيراًً " هل حقاً بُعث هذا الرجل من قبل الرفاق أم أنه جاسوس من جواسيس الدولة؟" وهكذا كنت مضطربة ومهمومة بسبب وحدتي وعدم تعودي على الافتراق من وسط الرفاق.  وفي ما بعد غادر المترجم مع السائقين لاستلام الجنازة ومذكرات الطائرة. وأنا بقيت لوحدي في بيته أنتظر النتائج التي سيعودون بها إلي. وهناك قامت زوجة المترجم بتحضير الحمام وطلبت مني أن أجهز نفسي للاستحمام كي أعوض عن ما فقدته من طاقتي ونشاطي. وعندما قمت من مكاني للذهاب إلى الحمام لم أستطع السير على أقدامي بسبب الدوخة والدوران الذي دار في رأسي لهذا فما رأيت نفسي إلا وواقعة على الأرض ولاحظت بأن ضغطي قد أنخفض كثيراً. ولكنني رغم كل ذلك حاولت مراراً أن أستحم كي أستعيد قوتي ونشاطي. وبصعوبة كبيرة نجحت في الوقوف على أقدامي وتممت استحمامي. حينها شعرت بنشوة مريحة والقليل من النشاط والرشاقة. ولكن قلبي وعقلي كانا لا يزالان يعانيان من القلق والتعب والحزن الكثير الكثير. ومن ثم عاد المترجم بمفرده وقال بأنهم انتهوا من حل الإجراءات اللازمة لاسترجاع الجنازة والمذكرات، وأكد بأن السائق سيعود في تمام الساعة الواحدة ليلاً ليأخذني معه إلى بغداد. وهكذا توجب علي أن أنتظر السائق إلى الساعة الواحدة. وفي تلك الأثناء تحدثت مع العائلة قليلاً ولاحظت بأن العائلة قد تألمت كثيراً على الوضع الذي كنت فيه. وبعد فترة قدموا لي وجبة الطعام ولكني لم أستطع أن أتناول ولو القليل منه بسبب فقدان الشهية وسوء حالتي النفسية. لهذا تركتني العائلة لوحدي كي أستريح بضع من الوقت. ولكني رغم كل محاولاتي لم أفلح في النوم كما لاحظت العائلة أيضاً ذاك الشيء وعادوا مرة أخرى ليؤنسوني بالحديث والكلام عن مواضيع مختلفة. حيث كنت ألاقي صعوبة كبيرة في التجاوب على أسئلتهم الموجهة لي. وبنفس الوقت كنت أراقب نفسي بشدة كي لا أفلت كلمة الرفاقية (هفال ) من فمي رغم تحسري ولهفتي الشديدة لنطق وسماع تلك الكلمة. وبعد فترة لا أعرف كي غفوة في النوم قليلاً.  وأثناء مجيء السائق أيقظتني العائلة وأخبرتني بمجيئه. فاستيقظت وجهزت نفسي على الفور لمغادرة ذاك المكان في أقصر وقت ممكن. وفي البداية ذهبنا إلى المشفى، وهناك طلب مني أن أوقع توقيعاً بخصوص استلام الجنازة، عندها قمت بالتوقيع على الورقة بأصابعٍ مرتجفة ومتوترة.

بعد ذلك عدت إلى السيارة وارتحت قليلاً. وفي تلك الأثناء لاحظت بأنهم يضعون تابوتاً خلف السيارة. فلم أستطع أن ألتفت وأنظر إلى الوراء. وبعد وضعها في السيارة انطلقنا نحو بغداد. وفي منتصف الطريق توقف السائق وتوجه نحو الدكان لشراء بعض المأكولات، عندها راودتني رغبة شديدة في الالتفات إلى الوراء لأتطلع في جنازة رفيقي. حينها لم أعثر على أي أثرٍ منه بل كل ما وجدته كان مجرد تابوتٍ من الخشب. نعم أنه جسد رفيقي الذي أتيت به حياً والآن أرجع به ميتاً وجسداً جامداً. وهذا ما كان يحرق قلبي ويمزقه. وينتابني شعوراً مختلط بالألم والأسف والحزن العميق. عندها انهمرت الدموع من عيني ولم أستطع أن أتحكم بنفسي في تلك الأثناء، حيث كنت عاجزة ولا أجد أي شيء أتشبث به سوى البكاء. وعندما عاد السائق ورائني على تلك الحالة غضب كثيراً ولوح لي بالإشارات بأن اكف عن البكاء لأنه لن يجدي لي بأي شيء مفيد بل بالعكس سوف يسبب لي المرض والضعف في البنية. وبصعوبة كبيرة تحكمت على نفسي وكفيت عن البكاء. وحاولت أن أتناول القليل من الطعام الذي قدمه لي السائق في الطريق، وبصعوبة تمكنت من تناول لقمتين من ذاك الطعام. وبما أنني لم أستطع تناول الطعام كثيراً ناولني السائق سيجارة من جعبته لتسترخي أعصابي وتهدئ قليلاً. حيث كان السائق يهتم بي ويرعاني ويعاملني معاملة حسنة وطيبة جداً، وهذا ما كان يمدني بالراحة والأمان بضع الشيء. كما أنني استوعبت من معاملة ذاك السائق بأنه لا يزال هناك الكثير من الناس الطيبين على البسيطة والعرب من بينهم على وجه الخصوص.  

لقد كان الطريق طويلاً جداً، ولكننا في النهاية وصلنا إلى بغداد، فقد كانت الشركة أول مكانٍ مررنا به. ولكنني كنت مضطربة وقلقة وفي حالة من الانتظار والتوتر كوني لم أكن أعرف تلك الأماكن ولا كيفية تقديرهم لمصيري. وبعد فترة من الزمن ركبنا السيارة مرة أخرى وفي النهاية وصلنا إلى بيت الرفاق. حينها سعدت كثيراً كوني قد التقيت برفاقي في نهاية الأمر. وبعد نزولي من السيارة رحبنا بنا الرفاق ، حيث كانت دنيز الرفيقة الأولى التي قابلتها إن ذاك، وبعدها ألقيت بنفسي بين ذراعيها واحتضنتها بشدة، وأفرغت كل ما تجمع في داخلي بأحضانها، وبكيت وشتمت بكل ما خطر على بالي. أي أنني أفجرت ثورتي في وجهها ولم يكن بمقدوري تحمل تلك الأحداث شاهدتها في تلك الفترة العصيبة. حيث كان وضعي سيئاً للغاية. لهذا لم أمكث هناك كثيراً بل توجهت فوراً إلى مدينة الموصل. وأثناء وصولي لم يكن بمقدوري الوقوف على أقدامي بسبب الإرهاق والتعب الشديد. لهذا فقد ذهبنا إلى المشفى وهناك أخذوا بي إلى مكانٍ هادئ وناولوني بعض المسكنات عندها غفوت في نومٍ عميق. وبعد استيقاظي توجهت إلى الحمام و أنهيت الحمام بصعوبة . حينها شعرت بالراحة قليلاً. وفي اليوم الثاني أرسلوا الجنازة إلى سوريا.

 وبعد بقائي لمدة يومين في الموصل، طلبت من الرفاق بأن يبعثوني إلى مخيم مغمور. حيث اعتقدت بأن المخيم سُيريحُني قليلاً. ولكن مع الأسف لم أجد أية وسيلة أو دافع يُريحُني في  ذاك الوسط أيضاً. لأنني لم أعد كالسابق وقد تغيرت كثيراً والكل من الرفاق الذين معي كانوا منشغلون بأمورهم. ولم يكن بإمكان أياً منهم أستوعاب واستحساس وضعي ونفسيتي المضطربة. لهذا دائما كنت أشعر بالاختناق وأفقد صوابي لأن وجه جوتكار وأنفاسه ونظرته الأخيرة كانت أمام عيني. فكيف سأنسى هذا الألم وبماذا سأعرفه وأعبر عنه؟ وكيف سيهدئ ألمي؟ وهل من داء له؟ كلا ولا أعتقد ذلك.

 أحياناً كنت أنفجر وأبكي وأصرخ بصوتٍ عالي، لأن القيامة والعواصف كانت تهج وتقلع في أعماق قلبي. وأشعر بأنني سأصاب بالجنون من جراء كل ذلك. حينها أصرت الرفيقة الدكتورة ميديا بأن أقيم معهم، ولكنني كنت أخاف من التغيير والفراغ لأن الفراغ كان يجعلني أن أفكر أكثر من اللزوم. وهناك أيضاً لم يفهمني ويساعدني أياً من الرفاق. لهذا قررت أن أغادر من هناك أيضاً رغم علمي بأن المكان الذي ألتجئت إليه لن يجدي لي بأي نفع. وهناك أيضاً لم ينتهي ضيقي رغم الاهتمام والرعاية الزائدة، لأنني لم أكن أتسح في أي مكان ودائماً كنت أشعر بالضيق والاضطرابات النفسية العميقة التي كانت تسبب لي الاختناق والجنون. فصورة الرفيق جوتكار حفرت في ذاكرتي ودائماً كانت أمام عيني، وتحول ليلي ونهاري إلى كابوسٍ مزعج. لدرجة أنني لم أكن أتحمل الآلام والأوجاع التي أصابت دماغي. ومع مرور الزمن لاحظت بأن هذا المكان أيضاًُ لا يؤثر على حالتي النفسية والجسدية ولم أعرف ما يتوجب علي القيام به. لأن الحياة تحولت إلى عذاب من الجحيم رغم أنني حاولت في كثير من الأحيان أن أتظاهر بمعنوياتٍ عالية وأحث على الانخراط  بين وسط الرفاق. ولكن للأسف الشديد لم تدم هذه المحاولات طويلاً بل كانت تنتهي جميعها بالفشل. لأن قلبي وعقلي كانا يحويان على جروحٍ عميقة وألام كبيرة. ولم أكن أعرف إلى أي وقت سيستمر ذاك العذاب الأليم الذي يفقدني صوابي ويعتم حياتي.

في بداية الطريق قلت للرفيق جوتكار أعدك بأنني سأروي لك مغامراتنا هذه وسنكتبها مع بعضنا حين تشفي من مرضك هذا. ولكن كم يؤلمني أن أكتب مغامرة طريقنا لوحدي، و اضطررت أن أدون هذه الذكرى المؤلمة في دفتر مذكراتي لأنني لم استطع أن اشرح ما بداخلي للآخرين ، وحتى إن شرحت لهم فلم يكن بمستطاعهم أستوعاب ما أشعر به ولم يحق لي أن أسبب الحزن والأسى للغير. غير أن دفتري وحده كان بمستطاعه تحمل آلامي. رغم أن تدوين تلك الآلام في دفتري كان يؤلمني كثيراً فقد كان صديقي ورفيقي الوحيد الذي قاسمني وشاركني أفراحي وأحزاني. حيث كان من المفروض أن افرغ ما بداخلي في مكان ما. لأن قلبي قد تمزق وأحترق من تلك الآلام ولم يكن بمقدوري المقاومة والتحمل أكثر من ذلك. وكأنهم طعنوا في قلبي خنجراً يدمي أعماقي على الدوام لدرجة أنني لا أستطيع أن أعبر عن آلامي لا بالكتابة ولا بالكلمات التي أدونها على سطور دفتري ولكن على الأقل أشعر بأنني أرتاح قليلاً أثناء تدوين عواطفي ومشاعري وأفكاري في دفتري هذا.

وفي أحيانٍ كثيرة أفكر واسأل نفسي كيف تحملت كل تلك الأحزان والمجريات الصعبة وأقارن نفسي مع إنسانٍ عادي في المجتمع حينها أجد بأن الإنسان العادي لا يستطيع تحمل ربع هذه المشاكل والأحداث التي نعيشها هنا. وأرى بأن مصيري كان سيكون الانتحار أو الجنون إذ وضعت نفسي مكان إنسانٍ عادي في مواجهة هذه الآلام والمشاكل العميقة. وفي هذه الفترة الأخيرة أصبحت أنفر من الحياة وأكرهها، وفي كثير من الأحيان أفكر بالانتحار لأن الألم والقلق الذي سيطر على قلبي وعقلي قد تجاوز حدود التحمل والصبر. ولكن غروري وكبريائي لم يسمحا بأن أتجرئ على القيام بشيءٍ كهذا. فقد وهبت نفسي لهذه القضية ولا يحق لي أن أهدر بنفسي بهذا الشكل. كوني إنسانة متطوعة ويجب علي أن أقنع نفسي بأن هذا الجسد ليس بملكي بل أنه ملكُ للشعب وهكذا سيكون حتى نفسي الأخير. فمن المحتمل أنني لم أجن ولكن وضعي أصبح أسوء من الجنون.

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006