حكاية فتاة ربيعية

زنارين أيدين

عند كل الحكايات التي يرويها الراوي لمستمعيه، يبدأ بمقدمة كان يا مكان في قديم الزمان: ولكن حكاية الفتاة الربيعية لا تبدأ بهذه المقدمة، بل تبدأ في قريب الزمان. لأنها حكاية ربيعية، والربيع في كل زمان، وفي كل مكان. حتى إن بعض القلوب تحيى الربيع دائما. مهما كان الصيف بحره الشديد، ومهما كانت الشتاء ببرودته القارسة، ومهما كانت الخريف بلونها الكئيب، تلك القلوب تظل كما هي عليها مستقرة بطبيعتها الحيوية والنشيطة كما كانت عليها الفتاة الربيعية بيريفان.
بيريفان تلك الفتاة التي كانت تشبه الربيع حقا. بشكلها، وخصائصها. كانت خصلات شعرها الذهبي المتطاير على وجهها المستدير، مثل الشمس التي تشرق على الأرض بعد هطول الأمطار الغزيرة، وعينيها الخضراء، تلمع مثل قطرات الندى المتساقطة من الزنبق ألأخضري. وتضحك بضحكات بريئة مثل زقزقة العصافير المتطايرة من شجرة إلى شجرة. أما عن خصائصها الإنسانية، سوف اترك حق التشبيه لكل من يقراها بعد أن اروي لكم بعض الشيء عن طباعها. ولكنني واثقة من إنكم ستكونون متفقين على رأي في التشبيه واللقب.
لقد ترعرعت الرفيقة بيريفان في منطقة كوبانة المتواجدة ضمن الحدود السورية. وانضمت إلى رفوف الحزب في عمر يافع، كما أن استشهادها أيضا كان في عمر يافع. رغم خصائص المنطقة المعروفة(أي حاكمية العادات والتقاليد الإقطاعية)، كانت لها شخصية اجتماعية، تستطيع أن تعقد العلاقات مع كل من حولها مهما إن كان الفارق الاجتماعي أو الجنسي. كانت طبيعية في حركاتها وتصرفاتها بقدر ما كانت منظمة وانضباطية. الرفيقة بيريفان تلك المحاربة والقائدة الشجاعة في الحياة وفي الحرب. كانت تحارب بكل جسارة وتضحية بدون أن تفقد إنسانيتها وقلبها الرحيم والمشفق في الحياة. لأنها كانت تحارب بهدف، ليس بعشوائية، أو للحظية، أو مجرد ردود أفعال عاطفية. بقدر عواطفها العميقة وقلبها الكبير كانت مستوعبة لفلسفة القيادة ومبادئ حرية المرأة. بيريفان كانت رمز الإنسان الطبيعي الذي يحمل خصائص المجتمع الطبيعي والمقاوم والمتمرد في سبيل الدفاع عن الحياة التي يقتنع بها، ولا يسمح للاستبدادية الاستيلاء على طراز حياته الجماعية. ولا يخضع للقوة التي تواجهها مهما كانت حجمها.
هناك الكثير ما يجب أن يقال عن بيريفان؛ تعرفت عليها في سنة 2001، كنت محاربة في فصيلتها، وتعتبر من أول القائدات التي تعرفت عليهم في ساحة الوطن. أكثر ما الفت انتباهي في شخصيتها، أول ما التقيت بها هي معنوياتها العالية ونشاطها. مهما كانت الظروف، ومهما كانت الصعوبات، كانت تبتسم دائما، وتضحك ضحكة بلبليه. وان رأت أي واحد من رفاقها بدون معنويات، أو وجه معكر، كانت تسأل فورا بدون أي تأجيل، أو تقرب باللامبالاة. بل كانت تقييمها كمسالة هامة وعاجلة وتهتم بوضعها وتحاول فهم الأسباب لأنها كانت يقظة محال أصدقائها، ومراعية لشعورهم بأحاسيسها الرقيقة، وتجهد في التخفيف عن معاناتها بصبر كبير. وتقربها هذا كان نابع من قيمة الإنسان عندها. وحبها للإنسان، والتقدير بها. لأنها كانت مثل الربيع التي لا تقبل الذبول. تنشط كل من حولها بنشاطها. وتغررهم بحيويتها.
باقتراحها ورغبتها، ذهبت إلى منطقة ديرسم لتشارك رفيقاتها سخونة الحرب بتجاربها التي اكتسبتها ضمن الحرب والحياة التنظيمية. واستطاعت أن تؤثر على كل من حولها، وتكسب محبتهم ضمن فترة قصيرة. وحضنت جبال ديرسم بكل ما فيها، مثلما احتضنتها ديرسم بجبالها إلى الأبد. وهكذا رحلت الفتاة الربيعية إلى الخلود في خريف عام 2005. ولكن رغم كآبة الخريف، ودعتنا الفتاة الربيعية بابتسامة ربيعية.
 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2010