|
آفرين أحمد فؤاد
مضت سنون ولا زالت ذكرى ذاك اليوم
تدق في ذاكرتي وكأنها تحققت لتو، ذكرى يوم لم يكن
ليغب يوماً عن بالي، ولم يكن ليبتعد ذاك المشهد
أمام عيني، كان ذاك اليوم في 13/آب/ 2002 عندما
انطلقنا سوية نحو جبال الحرية، وكنت حينها معنا يا
آخين، كان حينها يا آخين يرقص كل ما فيك من خلايا
شوق ولهفة للقاء الأول مع الوطن، لهفة التوحد
والإرتباط مع هذه التربة، لازال ذاك اليوم مؤرخ في
ذاكرتي وكأنني أعيشها لتو، أنطلقنا وفي عينيك شعاع
وبريق لم أرى مثيلاً لها في العيون الأخرى،
أنطلقنا وفي قلوبنا شيء ما يجذبنا؛ ألا وهو حب
الوطن والشوق لربوعه الذي حلمنا به على الدوام يا
عزيزتي وعزيزة الجميع.
هناك؛ هل تتذكرين يا غاليتي كم من
الهمسات تشاركناها؟، كم من الضحكات رسمناها على
شفاهنا؟، كان كل شيء فينا يضحك ياعزيزتي، كل
الكينونة والوجود كان يهتز فينا من الضحكات التي
ملئت كياننا، نعيش مع مشاعرنا التي ترقبناها منذ
نعومة أظفارنا أيتها الغالية ونعيش لهفة تحقيقها
والعيش معها.
هل تتذكرين؟!؛ كيف كانت أيدينا
تعرق من شوق ولهفة تحقيق حلمنا أيتها الغائبة عن
عيني والخالدة أبد الدهر في قلبي؟، هل تتذكرين كيف
كنا نجاري ونباري النجوم للوصول إلى كارى
الحبيبة؟، هل تتذكرين كيف هاجمنا النمل عندما
استلقينا على منازلها التي تعبت ببناءها؟، هل
تذكرين كيف كان كل شيء فينا متعب ومنهك إلا عيوننا
كانت مترقبة لوصول كارى؟، هل تتذكرين؟!؛ كيف كانت
قوانا تخار في المسير إلا أنه كان هناك شيء ما
يحفرنا على المسير؟؛ شيء ما كان يسمونه الإرادة
الفذة، هل تتذكرين؟، كيف طردنا النمل عن جسدنا
ونحن نضحك وكأننا كنا نلعب معهم؟، كان كل شيء هناك
رائعاً بالنسبة لنا، هل تتذكرين الرفيق (ب) عندما
نهض مرتين لجلب الماء من النبعة القريبة؟، وكيف
كنا نحدق ونستكشف الأجواء هناك؟، كيف كنا نتمعن في
تلك الطبيعة الخلابة هناك ونحن نقترب رويداً
رويداً من كارى الغالية؟، حينما كاد النوم يغلبنا
وعلى الرغم من ذلك كنا نطرده من أعيننا، لأن
أعيننا عليها أن تعكس شعوراً واحداً وهو لحظة
اللقاء مع الهفال، كان على عيوننا بأن تعكس حقيقة
مختلجاتنا أيتها الغالية فطاردنا النوم وطاردنا
التعب وطاردنا الإرهاق، كيف كنا نتبختر بزينا
العسكري الذي أرتديناه لأول مرة في حياتنا؟، كيف
كنا ننفض الغبار عنه إلا أنه لم نتمكن من محو أثار
التعرق؟، هل تتذكرين كيف فكرنا وكم كنا متلهفين
لقطرة ماء نزيل بها هذا التعرق المبيض على
ملابسنا؟!، هل تتذكرين قهقهاتنا ونحن نتاول
البسكويت ونتهامس فيما بيننا:" كلوا- كلوا
البسكويت؛ اليوم موجود وغداً غير موجود"؟، هل
تتذكرين عندما وصلنا لنبعة الماء، فشربنا وشربنا
قبل أن يشعر بنا الرفاق، فغافلنا الرفيق (و) :" لا
تشربوا كثيراً، الماء سيرهقكم في المسير"؟، هل
تتذكرين عندما همست في أذنك" وهل تبقى تعب أكثر من
هذا"؟، فضحكت عينانا"، هل تتذكرين عندما جاء
الرفيق (م) وسألنا من هنّ الرفيقين آفرين وآخين:"
فحدقنا في عدسة عيون بعضنا ونحن محتاراتان عن سبب
سؤاله"، وعندما أجبنا عليه": نحن هنا هفال"؟، هل
تتذكرين عندما قال لنا": لقد جلبت لكم بطيخاً
كبيراً وهو يخفي البطيخ خلف ظهره"؟، هل تتذكرين
كيف أطلقنا القهقهات عندما أخرج البطيخ، وكيف
أصبنا بخيبة أمل كبيرة حينها، عندما رأينا البطيخ
الذي كان بقدر كف اليد؟، هل تتذكرين كيف تناولتها
أنا بنهم ولم تتناوليها أنت فقمت بدفعها في فمك،
وأنت تمسكينني بيدي؟!!.
هل تذكرين عندما جاءت الرفيقة (ك)
والرفيقة الشهيدة (شرفين) كيف شعرنا بالفرح
والسرور لأنهما كانتا أولى الهفال (الرفيقات)
نلتقي بهن في الوطن؟، فنظرنا لألبستنا وفي عينينا
سؤال:" هل يليق بنا زي الكريلا أيضاً كهذه
الرفيقات؟"، هل تذكرين – هل تذكرين؟، كيف سألت
الرفيق (و) عن سبب تسمية ذاك الوادي بوادي القردة
(دولا ميمونا)، فأجابني ستعرفين سبب ذلك عندما
تسيرين فيه؟، هل تتذكرين كيف كنا نتمسك بكل شيء
لكي نتمكن من صعود ذاك الوادي، حتى الشوك تمسكنا
به وعلى الرغم من ذلك لم نكن نشعر بألم جراء ذلك؟،
فيما بعد فإذ نحن نزيل الأشواك من أيدينا على مدى
أسابيع.
كنت على بعد خطوات مني أيتها
الغالية حينها، هل تذكرين عندما وصلنا تلك المغارة
بغية أخذ استراحة هناك؟، وكيف نوهنا الرفيق (ب):"
سوف ننهض في الساعة الثانية بعد منتصف الليل"،
فنمنا ونمنا؛ فإذ الساعة تحل الرابعة فجراً فنهضت
وقلت للرفيق "استيقظ هفال (ب) لقد حلت الساعة
الرابعة، ألم تقل بأنه علينا الاستيقاظ في الساعة
الثانية، لكنك أنت بذاتك تأخرت في النوم"، هل
تتذكرين كيف نهضتن بسرعة وقمتن بربط الشوتك (نوع
من القماش يربطه الكريلا حول خصرهم، ولم نكن نعرف
كيفية ربطه فإذ بكل منا يلف حول نفسه بدل من لف
الشوتك حول خصرنا، وكيف نهض الرفيق (ب) وقال لنا"
هيا استعجلن سوف ننطلق فوراً"؟، فانطلقنا وبقيت
هناك في الخلف أنتظرك فسألني الرفيق (ب) لماذا أنت
واقفة، فجاوبته أني أنتظر الرفيقة آخين، فقال لي:"
الله؛ أن آخين هناك، الرفاق معها سيساعدونها في
المسير"؟، هل تذكرين كلما كنت أخطو خطوة إلى
الأمام فأنظر مرة للخلف لأتأكد من قربك مني؟.
نعم هناك؛ وبغفلة عين أختفيت عن
عيني، فبحثت عنك وانتظرتك كثيراً جداً وبات
إنتظاري طويلاً جداً ومنذها لم تراك عيناي، فأي
قوة هذه خطفتك من عيني وزرعتك في فؤادي وكأنك بت
سحراً مكث في روحي، ومنذها أيتها الغالية لم
تتراسل عيوننا حتى بكلمة واحدة.
هناك في خيرة، فقدت أثارك وليتني
ما ركضت- ليتني ما جريت، ليتني مشيت معك، لماذا لم
تركضي معي يا آخين رغم أنني ناديتك وانتظرتك هناك
في منتصف خيرة وقفت بانتظارك طويلاً ولم تأتي؟،
إلى أين ذهبت رغم أني كنت معك في المسير على مدى
ثلاثة أيام؟، لماذا لما تأخذني معك، رغم أني
شاركتك بكل شيء، فلما لم تشاركني معك بالرحيل؟،
ألم نعهد معاً بأننا نصل للهفال معاً؟.
أسفة جداً؛ لقد وصلنا معاً ورأينا
الهفال ولكن لماذا لم تخبريني بأنك كنت تترقبين
الهفال لتخبريهم بأنك أتيت وأنك ستخلدين هناك في
الربوع التي يعيشون فيها؟، لماذا بقيت هناك
وتركتيني أعيش مع ألمي؟، لماذا اخترت العيش مع
ألمك وحدك، لا تؤاخذيني على كلماتي فهي كلمات عتاب
ليست تعلم من تعاتب؟، المهم يا عزيزتي أني
بالإنتظار وسوف أبقى بالإنتظار.
أتعلمين لماذا؟ لأن الوطن رائع
وأنت رائعة هذا الوطن، رائعة أنت ورائع هو شوقك
ولهفتك لاحتضان هذا الوطن، أتعلمين لماذا؟ لأنك
كنت وستبقين مثلاً حقيقياً يمتثل بها في كيفية
الإرتباط والتوحد مع ألام وأمال هذا الوطن، لأنك
أنت إبنة هذه التربة التي عشقناها، لأنك أنت
الملاك الذي يحوم حولنا كل الأيام وفي كافة
الساعات.
لأنك أنت من ستبقين ذكرى أيام
قلائل عشناها سوية لكنها بقيت خالدة كما لم يخلد
يوم آخر في حياتي، أنت ملحمة تاريخية غاية في
الروعة والمغزى، أنت الأسطورة التي لم تكتب، أنت
التي رحلت عن الأعين لتخلدي نفسك في الأفئدة، أنت
التي رغب الجميع للقياك بيننا، أنت التي خلدت نفسك
في كل حفنة تراب من كارى، أنت التي تحفزنا على
المسير رغم التعب والإرهاق، أنت التي تشجعني على
شم رائحة وعبير التراب لأني أعلم أني أستنشقك إلى
داخلي، لتحيي هنا بين جوارح وجودي، لأنك ستبقين
أبد الدهر من يهب الحرارة لفؤادي في ليالي البرد
والجماد، لأنك أنت من ستبقين مثلاً لنا في الحياة
وتعلميننا دروساً في كيفية المسير فداء نظرة واحدة
من الوطن، أنت الفداء بعيينه فمن قال أن الفداء
بعيد المنال، فمن قال أن الحرية بعيدة المنال ونحن
نملك أمثالك يا آخين.
نعم يا آخين، هنا حيث أنا، وبعد
سنوات من الفراق الذي طال، أكتبك ببضع كلمات رغم
أني أعلم أن يراعي ذليل - ذليل أمام وصف حماسك
واندفاعك لأجل الوطن، رغم أني أعلم أن كلماتي لا
تفي حق ذاكرك السرمدي يا غالية الوطن، ويا خالدة
في فؤادي وكياني، رغم علمي بأن صفحات السماء
بذاتها تضيق أمام كتابة ووصف روحك الأبي الذي لم
يستسلم للتعب والإرهاق، رغم علمي بأن أنجم الليالي
كلها تشبه بريق عينيك أيتها المسافرة في روح هذا
الوطن. رغم علمي بأن كل الأنهر لن يشبه جريان
اللهفة في روحك، وأن كل الأمسيات لن تشبه تلك
الأمسيات التي قضيناها معاً.
هنا من حيث أنا؛ من البعيد عنك
والقريب جداً منك أكتبك أيتها الغالية وفي روحي
ألف رغبة ورغبة في اللقاء يا آخين، فسلامي لك
أيتها العزيزة المتكابرة على جراحها وألامها،
النائمة بصمت عميق وكأنه ليس بذاك الجسد جرح وألم،
سلامي لك أيتها الأبية التي لم تعهد دفئ حنان غير
هذا الوطن، فسلام يا حفيدة هذا الوطن، يا حفيدة
كردستان برمتها، سلام يا آخين، سلام عليك وعلى
أمثالك من الكرام، الأحفاد البررة لهذا الوطن.
سلام عليكم يا من غادرتمونا ولم نتمكن من استعادة
أيامكم، سلام عليكم وعليك يا من ستبقون في كيان كل
من اتبع هذا المسير، وسلامي لكارى التي حضنتك
أيتها الغالية.
هنا من حيث اقتربت ساعات الغسق
ناشدتك أيتها النجمة التي تتلالئ كل ليلة بين
الأنجم ترصعين السماوات بالأبدية، يغيب القمر
وتبقين أنت وأصحابك خالدون؛ تهبون الليالي نوراً
وضياءً يقتل شبح الخوف والظلمة في أحلك الليالي.
هنا قتلت حرارة آب بفيض غيث السماء التي حللت فيها
خير حليلة، لتنعشي أرواحنا بعبير ورائحة التربة
الذكية التي تجذنبا إليها على الدوام.
هنا يا آخين تذكرتك مجدداً، تذكرتك
وفي المآقي روقرقة وفيض ذاكراك يجتاحني أيتها
الصديقة ليوقظ فيني تباريح الشوق إليك ولحنان
نظراتك وليوقظ فيّ شيء ما كان دفيناً بين الجوراح
منذ سنون مديدة فأيقظته من سباته ليقطر كلمات لم
تكن لترغب يوماً بأن تكتبك وأنا على حافة جبل وأنت
في قمة جبل آخر، شيء ما كان لابد أن ينطق بجيل
كلمات رغيدة ولكن شئت أنت يا آخين بأن ينطق جيل
كلماتي الصاعدة شوقاً ولهفة لرؤياك مجدداً بين
أحضان هذا الوطن، فكتبت لك بكل ما يوحيني به
الشعور فعساه يصل بصداه إليك، أيتها النجمة
القابعة والمتيقظة ليوم رؤية الوطن.
|