انتظار يا آخين

آفرين أحمد فؤاد

أكثر اللحظات التي أمضيتها في حياتي، إنتظار ثم إنتظار وإنتظار. وخلال هذا الإنتظار مضت السنون والفصول وأنا لذلت في حالة إنتظار، وفي كثير من الأحيان حولني الإنتظار إلى جسد بلا حراك، فقط بؤبؤة العين هناك تحدق في نقطة، وكأنها كانت تريد أن تثقب عنان السماء بحثاً عن المنتظر وتحطم عفة المساء.

في لحظات الإنتظار هذه كان الليل شاهداً على حلول الخريف في وطني، منذ تلك الأمسية. عندما حل الخريف في وطني ولم يزل.

كان الليل شاهداً على قدومنا من آيات الله، شاهداً علينا من أي البطون ولدنا، ومن أي المناهل نهلنا، وأي أنواع الورد عشقنا، وكم مع الفراشات والعصافير لعبنا، وكم شجرة عيد ميلاد زرعنا، وكم من القصائد الليلية حرقنا، وكم أنصتنا لقصص وحكايات الجدة والجد.

كل هذه الآيام والسنون لم تكن غير أيام مضت لا غير، تعلمنا الكثير في الآيام وسنواتنا القليلة، لكن شاء الزمن هذه المرة أن يعلمنا الألم، درساً لم نكن نستحقه لا أنا ولا هي ولا صديقاتنا، هناك في تلك السفوح الأبية لكاره الحبيبة كنا يوماً، هناك في وادي القردة (دولا ميمونا) تعلمنا كيف تتسلق القردة هذه القمم، عندما حلمنا بالوطن الجميل في تلك الليلة التي أخلدتنا لنوم عميق، هناك في قمة خيرة تعلمت كيف يعتصر حساب الزمن كياننا منذ بدأت لحظات إنتظاري.

صمتنا كثيراً كي لا نوقظ العصافير في تلك السفوح، مشينا ونشوة تحقق الحلم كاد يقتلنا وهو يجتاح كياننا بقوة ويزرع في قلوبنا ضجة لم نعهدها من قبل، كنا هناك نستمتع بكل نظرة لهذا الوطن، نحدق في عنان سماءه، وسكينة مساءه وكأننا لم نعهد سماء من قبل أو لم نشهد أمسيات كهذه الأمسية، هناك كانت بيننا فتاة من وطني، فتاة عاشقة عائمة في حب وطني، مرحنا معاً، تحدثنا معاً عن كل شيء لكن لم نتحدث عن شيء واحد وهو الفراق، فقد كنا قد عهدنا هذه الكلمة ولكن لم نفكر يوماً به، لأننا كنا قادمات لأجل الحياة.

كانت مسيرتنا غير كل المسيرات التي عهدناها منذ سنوننا القليلة في هذه الحياة، سرنا وسارت معنا النجوم وفي خلدنا يجتاحنا سؤال؟ هل نحن الذين نمشي مع النجوم أم أن النجوم هي التي تسير معنا؟ في النهاية علمنا أن النجوم تتعقبنا وأنها هي التي تسير معنا لا نحن. في تلك القمة عرفنا أن النجوم ترغب بخطف إحدانا، من تكون لم نكن ندري، كل ما كنا نعرفه أننا نستحق الحياة، لذلك هلمنا لأحضان الحياة ولكن رغبة السماء كانت أعلى من رغبة أمنا الحياة فخطفت منا واحدة.

في تلك الأمسية كما عهدنا نجوم تهبط من السماء وصرنا نستمتع بهبوط النجم ولكن لم نكن نعرف أن نجمة أخرى سوف تنطفئ وهي إلى جانبنا.

انتظرنا الليل ليحل علينا الفجر ونحن لازلنا كما كنا نتهامس الهمسات وكأننا كنا نخفي شيئاً عن السماء، لكن أكتشفنا أن السماء هي التي تخفي علينا شيئاً بصمتها الرهيب في تلك الليلة الصامتة، رفع القمر برقعه هذه المرة لنكتشف أن إحدانا كانت قد تاهت سبيلها وقررت الصعود للنجوم لأنها كانت قد عشقت النجوم منذ كنا نحدق في السماء في تلك الأمسية، سألنا أنفسنا لماذا غادرت صديقتنا من هذه الحياة، فعرفنا أن صديقتنا كانت ترغب أن نحدق في السماء مراراً وتكراراً كما كنا نحدق بها معاً، كانت تريد أن نظل نحدق بها أبد الدهر، ونظل نحيا معها أبد الوجود، علمتنا أن كل شيء في هذا الوطن يستحق السير نحوه، حتى النجوم. ومرة كنا نستلقي على تربة هذا الوطن فحملنا حفنة تراب وسألنا أنفسنا كم من الأنفس الطاهرة قد حملت ومن أي الأنهر تستقي لتزداد عنفوان وكبرياء؟، وجرتنا جميعاً وراء عشقها، فكانت أخين حينذاك أول من سبقتنا لمعرفة لغز هذا الوطن، نعم كانت أول من سبقتنا لإحتضان هذه التربة، لتعلمنا أن العشق الحقيقي لا يكون كما هو العشق الذي عهدناه في عصرنا فحسب، فأهدافنا هي عشقنا، وأن هذا الوطن يستحق أن نعشقه.

لكن يا حبيبتي هل فكرت يوماً كما من الألم سنلقاه من بعدك؟، كم من الحزن؟، كم من الأيام التي كنا نرغب بمعايشتها معاً ستبقى غصة في حناجرنا؟، هل كان علينا أن نكبر مجدداً نحن أحفاد هذا الوطن بالألم؟، ألم يكن لايزال الوقت باكراً لرحيلك يا حبيبتي؟، ألم يكن باكراً على معانقتك لهذا الوطن ونحن كنا نحلم معاً باحتضان هذه التربة يا حبيبتي وفلذة أمك ويا عصفورة وطنك؟.

هكذا كنا نحن على الداوم في حالة الإنتظار وسنبقى يا قرة عين أمك بالإنتظار، سننتظر نجمتنا، سننتظرك يا حبيتي تحلين علينا كل الأمسيات، لنبارك لك يوم ميلادك في تلك الأمسية، فمباركة أنت يا قاتلة الفناء لأنك كنت وستبقين هنا في الفؤاد حيث كل الأحباء الراحلين.

أيا عاشقة مستلهمة جذور عشقك من التاريخ، أيا راحلة أبدية وساهرة أبدية على أرواحنا، أيا أخينً تبقين في نبراتنا، أيا أخينً تظلين أبد الدهر أخينً وتظلين تقولين" هفال هل سنصل للهفال"، نعم وصلنا للهفال ورأيت الهفال فهل كنت بانتظار الهفال يا هفال؟.

لماذا لم تخبرينا فقد كان الوطن كله مليئاً بالهفال، من ذرة التراب يخرجون، من النبع ينبعون ومن صمت الليل آتين ومن القمة ينزلون نحونا الهفال، لماذا لما تخبرينا فقد كان الهفال أيضاً بالإنتظار ولكن لا لرحيلك إنما للقياك يا هفال.  

إنتظار، نعم أيها الإنتظار كن على رفق بأخين فهي كانت أبداً تحلم وتنتظرك، لذا كن على رفق بها، بشعرها الممتد طول الزمن الذي سنبقى نحن بالإنتظار، كن على رفق بعينيها اللتان سنبقى دائماً نبحث عنهما في كل العيون، وتلك الحسرة التي جاءت بها إليك سنبقى نحن مشدوهين على عمقه، اتساعه، عظمته، وحيناً حزنه، وكأنه كان ينبئها بالرحيل، فرفقاً بقدها المتعب من المسير وصمتها الجميل، الرائع كروعة سحر الخريف.

فسلاماً على أهل الكرام وبنت الكرام في هذا الوطن، سلاماً على ملحمة العشق السرمدي، على ما يبدو أنه حان وقت رحيل النجمة، عودي إلى ديارك يا آخين فهناك ملايين النجمات بانتظارك، بلغيهم عشقنا لكل نجمة تحل علينا وتنسينا هموم الصمت الكئيب في تلك الأمسية.

سلام ومباركة أنت يا من كنت تستحقين الحياة أكثر من أي شيء آخر؟ سلام يا من ستكونين رفضنا لصيرورة الزمن الذي يأخذ أكثر مما يعطي. سلام يا من ستبقين من يجرنا نحو سؤال هل كنا نستحق هذا؟ سلام يا من سنظل نقول للجميع أن نجمتنا المنتظرة قد غادرت قبل الأوان. سلام يا من ستغدين دائماً سيمفونية الصمت لتلك الأمسية. سلام يا من كنت تهوين ركوب الفرس لنركض ونركض ولا نستطيع اللحاق بك. سلام يا من سنبقى نقول من بعدك للوطن هل استكثرت علينا نكهة المرح والغبطة في أحضانك؟ سلام يا من ستحفزيننا على السؤال هل كنا نستحق معايشة الوحدة بين المئات من الهفال من بعدك؟ سلام يا من سنبقى نسأل ونسأل هل فعلاً كانت تلك الأمسية آخر أمسياتنا معاً؟ سلام يا قطرات الندى التي لا تذبل في مآقي أمك التي لن تعهد أبداً كيف الرحيل يكون؟. ستبقين ندية، يانعة لأنك رحلت ندية.  سلام يا من أسألك بماذا أجيب أمك لو صادفتها يوماً تسألني كيف كانت أخينتي؟ سلام يا آخين.

نعم يا آخين سنبقى هناك حيث كنت، أتعلمين لماذا؟ لكي نبقى هناك معاً نحدق في حدقة الليل ولمعان النجم معك، ونتعاهد بأن لا نوقظ العصافير وأن لا نمزق عباءة الليل الصامت، سنبقى نحدق معك في محراب القمر ونسهر ونتحدث معه أبد الدهر، ونتعاهد معاً أن لا نوقظ سكينة الملائكة.

سنسأل من الكل عنك، من الهفال ومن النجم ومن تربة الوطن، فارحلي قريرة العين لأننا سنسأل عنك من الغيث والغسق والوجد والصمت والبسمة والخريف والربيع ووو... وسنسأل منهم هل فرضت الحياة أن لا تأخذ بيد كل من يسقط أرضاً؟ وسنسأل يا وردة الجبل الشاهق، هل فرض الوجود أن تسرق الأنجم آخر كلمة من محياك؟ سنسأل متى ستفهمنا أيها الزمن، أيها الوجود؟ متى ستفقهين أيتها التربة ما معنى أن تفقدي دون أن تنالي؟ متى ستفقهين أيتها السماء أن بعد الأحبة يبقى دائماً هناك شيء مفقود، مفقود؟ وأن الراحلين لا يمكن ملئ فراغهم، لا يمكن!!!.

ولكن كوني واثقة أننا لن نسألك من اليراع، لأنه ذليل يا عزيرتي منذ عصور عن وصف النجم والقمر والليل، ولزال يكرر هباءاً محاولته لوصف إبداع السماوات. كتب القلم قصائد ليلية جمة وحرق أنامل وعصر أفئدة، وعلى الرغم من كل هذا أبدع كثيراً لكنه لم يستطع إيفاء النجم حقه، والقمر روعته، والليل كبرياءه وآخين بكل ما فيها.

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006