|
روجدا أمانوس
يداعب قلبي لحن ترنيمة حسناء
وهائجة ترغب في العيش معك أيتها الراحلة، رغم علمي
أنها رغبة لن تتحقق ولكن رغمً عن ذلك أود وهب فرصة
وحظ مشاركتك الحياة معك ببعض من جملي.
أيتها المعجونة بألام كردستان ويا
مناضلة الحرية ويا أيتها البراقة ببراقة زرقة مياه
بحيرة وان، أيتها التي إن تطلب الأمر تكون بقدر
صفاء الطفولة وحيناً إن تطلب الأمر فهي صاحبة
الوقفة المجاهدة والتي كانت تعزز هذه الوقفة
بإيفاء الحياة معناه الحقيقي، كلما تمعنت في البدر
المتشبه بلمعان وبريق عينيك، البدر غير عاتب عليك
أيتها الرائعة ولتعلمي ذلك أيتها العزيزة، البدر
غير عاتب عليك لا بل هو كوكب بكامل لمعانه وبريقه
مشروح الذراعين لاحتضانك.
كان أول لقاء لي مع الرفيقة يزدا
في كارى وبالطبع فقد لفتت أنظاري بخصائصها
الأساسية بين جميع القوات بحماسها واندفاعها
ونقاشها وتقربها الودود.
في صيف عام 1998؛ ذاك العام المفعم
بالتحضيرات والتجهيزات، حيث تم فرزي في منطقة بيرز
وبالذات في السرية التي تتواجد فيها الرفيقة
يزدا، بيرز تلك المنطقة التي كانت تعتبر حينذاك من
أصعب المناطق وبعد قرابة سبعة ساعات من مسيرة
محفوفة بالصعاب وصلت إلى السرية المقرر فرزي فيها،
وفما أن وصلت إلى سريتي فإذا بأغلب الرفاق
والرفيقات حاملين أعباء على ظهورهم، ولأول مرة
ألتقيت بالرفيقة هناك، حيث كانت تسترخي بظهرها على
صخرة بغية إعطاء نفسها مهلة وهي حاملة عبء أثقل من
نفسها، نعم لفتت أنظاري هذه الرفيقة الذكية
والمتلهفة النظرات وحملها ذاك العبء الأثقل من
ذاتها والذي ظل كسؤال يساوروني وتعمقت حول هذا
السؤال كثيراً؟ ولكن ومع مروة الزمن اقتنعت تماماً
بأن أنظاري لم تخطئ النظر حينما تعرفت عن قرب مع
هذه الرفيقة.
وبعد ذلك بمدة قصيرة ولبعض الأسباب
الأمنية أقرّ بتغيير نقطة تموقع سريتنا ورغم أن
كافة الرفاق والرفيقات كانوا بحاجة لإستراحة بعد
تلك المهمة الشاقة، إلا أن وعي الرفاق والرفيقات
بحتمية تغيير نقطة التموقع فقد تحاموا على أنفسهم
للتقرب بواقعية، فبدأت مسيرتنا في إحدى الساعات
المسائية والتي لم تنتهي إلا مع بزوغ فجر اليوم
الآخر، وبالطبع كنت كالعديد من الرفاق والرفيقات
لاقيت صعوبة جمة خلال هذه المسيرة ولكني كابرت على
نفسي كالآخرين لكي لا يتحسس الرفاق والرفيقات
بذلك، إلا أن هذا الأمر ما كان ليخفى عن الرفيقة
يزدا التي انتهبت لذلك بيقظتها وحاستها، فقامت
بتقديم يد العون والمساعدة وهي تتحدث وتناقش
بأسلوبها السلس طيلة فترة مسيرتنا هذه وعلى الرغم
من أن العطش شلّ في الطاقة في قيظ ذاك الصيف إلا
أن ذلك لم يمنعنا من المسير والتوجه نحو الهدف
المسعي نحوه، تلك المسيرة المستغرقة قرابة سبع
ساعات على التوالي... وصلنا إلى نقطة تموقعنا
الجديد، وفي هذه المرة ولتلبية حاجتنا للماء كان
يتوجب المسير قرابة نصف ساعة نحو النبع لجلب
الماء، مجدداً كان الرفيقة وجدت الرفيقة يزدا أول
من بادر بالحركة وهي حاملة قوارير المياه ومنطلقة
نحو النبع، وبعدما لاحظت هذا التقرب من الرفيقة
والذي جعلني أركب الأدراج لتتبع الرفيقة يزدا،
وبعد مرور خمس دقائق باشرت الرفيقة يزدا بالمزاح
قائلة:" ما أن نصل إلى النبع سوف نشفي ريق وغليل
عطشنا". ولكن ما أن وصلنا وشاهدت النبع أصبت بخيبة
أمل كبيرة، ولكن ما أن فكرت بمسيرة النصف الساعة
وروح الداعبة لدى الرفيقة يزدا والذي كان هذا
التفكير أعظم من شرب ماء من هذا النبع لأن روح
الرفيقة يزدا كان قد نسم روحي المتعطش لقطرة ماء.
وبعد ذلك بقيت مع الرفيقة في نفس
السرية لمدة مديدة وتمكنت من توطيد علاقة رفاقية
رائعة مع الرفيقة وبالفعل كانت مشاركة الحياة مع
الرفيقة أمر رائع بقدر روعة رفاقيتها.
لذا فأن أول ما يخطر في بالي في
ذكرى الرفيقة يزدا هي وقفتها النضالية العتيدة
والمجاهدة على تخطي كافة المحن والصعوبات، كذلك
موهبتها الفائقة في التقاط علاقات رفاقية رائعة مع
الأناس من حولها.
ومن دون أدنى شك فقد كانت صاحبة
مجهود عيظم ودور فعال في حياة تلك لاسرية والذي
كان يجلي بجلاء خلال انضمامها الفعال في الجانب
العملي والنضال التدريبي، وعلى الرغم من أنها لم
تكن صاحبة خبرة وتجربة عملية كبيرة إلا أن
انضمامها الفعال والمندفع نحو الحياة ما هو إلا
نابع من حب عميق وجذري مع الحياة، فقد كانت من
إحدى الرفيقات اللواتي كنّ يثابرن على ابتداع
الزمن لتدريب نفسها وتدريب ممن حولها من الرفاق
والرفيقات رغم عن كافة الظروف العملية وضينّ الوقت
اليومي لذلك إلا أنها كانت تستغل وتقيم وقتها
جيداً في سبيل تفعيل الجانبين معاً.
وعلى الرغم من أن تلك المرحلة؛
كانت مرحلة حرب دائرة وساعرة ومستمرة إلا أن
الرفيقة يزدا كانت صاحبة قوة مفعمة وقادرة على
التفكيرة والتخطيط للمشاريع المستقبلة، فقد كانت
بالفعل صاحبة قوة خيالية بيعدة عن التجرد يمكنها
من التخطيط للآتي.
وبالطبع فان الرفيقة الشهيدة يزدا
قد استهشدت في توقيت مبكر جداً لأنها بالفعل كانت
صاحبة إمكانيات وإيجابيات يمكنها من القيام
بالكثير الكثير لخدمة النضال لو كانت على قيد
الحياة الآن، لكن مع الأسف فقد رحلت عنا مبكراً
جداً جداً ومجدداً كانت الأسبق لنيل شرف الشهادة
المشرف على تربة هذا الوطن.
نعم؛ كانت يزدا هي الشخصية التي
اكتسبت الإحترام والتأييد من محيطها الرفاقي
ولانضالي بجهدها وكدها وهي نفس الشخصية التي برزت
ضمن العائلة بخصالها الحميدة رغم عن كافة الصعوبات
والعوائق.
فهي ما كانت تعترف بالعوائق
والمستحيل وعازمة على الدوام على تحقيق خيالاتها
وتفعيلها في الحياة، نعم مهما كانت الصعوبات فلتكن
لابد من تجاوزها؛ هكذا اتسمت الرفيق في حياتها
وغدت رمزاً لذلك، فهذه هي الرفيقة الشهيدة يزدا.
الحياة معها يكسب المرء الطمأنينة
والسرور، ويكسب الفكر سيلاً جارفاً للإبتداع،
فكانت من اللواتي أوفينّ الحياة حقها في معرفة
العيش في هذه الحياة.
ومرة أخرى، ها هي يزدا تسعى نحو
تحقيق خيالاتها ومقدمة على خطو خطوة تقدمية أخرى
نحو الحياة، لكنها ودعتنا في زمن اللازمن وفي عمر
لا تستحق الرحيل فيه بهذه العجلة على أيدي أولئك
اللذين لا يتحملون التحول والتغير نحو الجمال
والخارجين عن نطاق الإنسانية من زمن بعيد.
فلتعلمي الآن أيتها الرائعة
فقد قّدست أنت أيضاً كإشعاعة البدر
وغدوت نجمة بصفاء زرقة المياه نقية
و...
القمر غير عاتب عليك يا غاليتنا
فهو يحتضنك بكل ما يمتلك من
رحمته... |