|
|
|
أميرة الصبر دلشاه
|
|
روناك جودي
كانت ما تزال تلعب مع أطفال الجيران في قريتها
الحدودية عندما كانت أصوات الطلقات تحرمهم من
متابعة متعة اللعب في الساعات الأولى من الليالي
الصيفية مثل أغلب الأطفال الكردستانيين المحبين
للمرح. تلك الأصوات كانت تلقي الرعب في نفوس
الأهالي، فيهرعون إلى أطفالهم لحمايتهم من تلك
الطلقات التي كان الجنود الأتراك يرشقونها
بعشوائية وبشكل متكرر. لكنها لم تكن تمكث في البيت
طويلاً حتى تخرج إلى سطح المنزل برفقة رفيقاتها
لترى مصدر هذه الأصوات التي تقلب الأوضاع رأساً
على عقب خلال ثوانٍ معدودات. لم يكن من المستبعد
آن تجد أحد القرويين وقد أصيب بإحدى هذه الطلقات،
أثناء رعيه لأغنامه بالقرب من الحدود أو حتى أن
ترى أحد الفلاحين وقد انفجر به لغم كان مزروعاً
بالجوار.
تمكنت في الكثير من الأحيان رؤية أولئك الجنود
المدججين بالأسلحة ضمن مواقعهم المحصنة في الجهة
الأخرى من الحدود وذلك عندما كانت ترافق أهلها في
حصد مزروعاتهم المتاخمة للحدود.
كانت هذه هي بداية طفولة دلشاه ( حمدية) التي كبرت
على أصوات الطلقات النارية ورعب الأهل والجيران،
التي أحبت أن تلعب بسلام وأمان مع أترابها، أن
تتابع حياتها ومرحها دون أي تدخل من الآخرين لكن
الظروف المفروضة أرغمتها لأن تحيى في هذه الأجواء
حياة تناقض بين السلم والأمن من جهة والحرب والرعب
من جهة أخرى. لم يكن غريباً أن يحل أحد الأقرباء
من الساكنين في شمال الوطن أو من المعارف ضيفاً
على عائلتهم بعد أن يكون قد أجتاز الحدود في إحدى
الليالي الصيفية، تلك المشاهد والصور طبعت في
ذاكرتها حتى غدا مفهوم الحدود المحصن بالأسلاك
والأضواء والألغام والجنود مرفقاً لمفهوم
الممنوعات والرعب...
التساؤلات في شخصية الطفلة الذكية التي ترعرعت ضمن
هذه الأجواء المتقلبة كانقلاب الظروف الجوية في
شباط كانت موضع بحث لها...! بدأت التناقضات تتوضح
أكثر في مخيلتها عندما تركت القرية وبدأت بمتابعة
دراستها الإعدادية في بلدة "تربسبيه" التي كانت
تشهد زخماً ثورياً ونشاطاً كبيراُ من قبل الحركة
الآبوجية في أواخر الثمانينات. هيأ انتقالها هذا
لها الأجواء كي تعتمد على ذاتها وتكتسب قوة أكبر
وتجارب أغنى منذ صباها. حيث احتكت مع الطلبة في
المراحل الإعدادية والثانوية كما طورت علاقاتها مع
رفاق الفعاليات بسرعة لأنها لم تكن بعيدة عن هذه
الحركة التي كانت قد تعرفت عليها في قريتها
الوطنية التي تقبلت فكر الحزب بسرعة رغم وجود بعض
التيارات الإصلاحية فيها.
بحث الحرية أصبح هدفها وخاصة عندما أزداد انضمام
أبناء المنطقة للحزب من أمثال الرفاق باهوز،
كلبهار، مناف، زردشت، محمود وغيرهم الكثيرين هكذا
قررت الانضمام للثورة.
ساهمت الرفيقة دلشاه بفعالية ونشاط في التدريبات
التي تم تسيرها في المنطقة والخاصة بالرفيقات1991،
وفيها تمكنت من كسب الكثير من المعرفة
الأيديولوجية ونتيجة لمؤهلاتها وحماسها المتزايد
غدت بعد مدة قصيرة، ممن تساهمن في تدريب فتيات
المنطقة.
كانت دلشاه الابنة الكردستانية والرفيقة المحببة
لشعبها، كما أن قربها من ألام ومصاعب الشعب
وتقربها بروح مسؤولية وبمعرفة شخصية محترفة التي
ساهمت برغبة جامحة في توعية وتوجيه الشعب وخولتها
لأن تكون شخصية قريبة ومحببة للشعب صغاراً
وكباراً، حتى أن أهل المنطقة كثيراً ما كان
ينتظرون قدومها بفارغ الصبر.
شخصيتها العسكرية، ومعرفتها الإيديولوجية، اكتساب
المقاييس الثورية، روعة أسلوبها، قوة إرادتها في
حل المشاكل، صبرها وتحملها جعلوها تتخذ مكانها
بسرعة في قلب كل من عرفها ورأى نضالها وقد تأثر
الكثيرون بهذه الشخصية المحببة حتى أضحت المثال
الذي يحتذي به الغير.
كان من أمانيها الالتحاق بساحة الحرب الساخنة في
بوطان وكنتيجة لطلبها المتواصل هذا لبى الحزب
دعوتها بضمها إلى تدريب أكاديمي في أكاديمية معصوم
قورقماز وذلك بهدف إتمام التحضيرات اللازمة قبل
الدخول إلى ساحة الوطن، فحماسها وروحها العسكرية
في التدريب خولتها لأن تكون من المرشحات لقيادة
المرأة في الإدارة العسكرية والسياسية. بعد تخرجها
من الأكاديمية بنجاح تمكنت من تحقيق حلمها بتمزيق
تلك الأسلاك الشائكة التي مزقت قلوب الكثير من
أبناء شعبنا وبذلك عبرت إلى جنوب كردستان في وقت
كانت الاستعدادات متواصلة على قدم وساق من قبل
الحزب لإفراغ الحملة الجديدة المعدة من قبل العدو
والمدعمة من كل القوى الإمبريالية والرجعية
المحلية والتي تهدف لتصفية الثورة والقضاء عليها.
تزامن الدخول إلى الساحة الساخنة نفس اليوم الذي
شنت فيه الحرب الشاملة ضد حزبنا في جنوب كردستان
وذلك بتاريخ 2\10\1992. تحقيق الأمنية أصبح
ميلاداً جديداً لها؛ فها هي تقترب من هدفها في أن
تكون مقاتلة تحمل في قلبها آمال وآلام شعبها،
تشارك رفيقاتها ورفاقها في متابعة المسيرة التي
بدأها شهداء الثورة.
عبور نهر دجلة كان يعني تجاوز الخيال والوصول إلى
أرض الواقع والخطوات الأولى من المسيرة كانت صعبة،
لكن الحماس والرغبة في اللقاء مع رفاق السلاح
أنساها الساعات الطويلة من المسيرة الشاقة التي
قطعتها مع الوافدين الجدد. ها هي أصوات أجهزة
اللاسلكي تبين بأن العدو قد أصبح قريباً وتحشدهم
وقطاعات جيشهم بدأت تجتاح جنوب كردستان بهمجية من
الشمال، أما قوات البيشمركة من KDP-YNK فبدأت
بالتحرك من الجنوب.
سعت مجموعة الوافدين من ساحة القيادة الوصول إلى
حفتانين للمشاركة في إفراغ هذه الحملة، بيد أن
محاصرة قوات البيشمركة "للجبل الأبيض، وبي خير"
حال دون ذلك وأعاق وصولهم في الوقت المناسب لذا
اضطروا للبقاء ضمن الحصار مدة ثمانية عشر يوماً.
أثناء ذلك أستشهد عدة رفاق بما فيهم الرفيق حجي
ديرك المسئول عن إيصال تلك المجموعة وعبورها من
منطقة زاخو التي كانت قد أصبحت ميداناً للأتراك
بدباباتهم وجنودهم. لقد تأسفت الرفيقة دلشاه
لمشاركة البيشمركة باسم الكردياتية في هذه الحرب
القذرة التي تستهدف القضاء على الكيريلا، هذا ما
كانت تذكره مراراً للرفيقات ذكية وكلبهار و...
وذلك إبان فترة الحصار وفي حين كانت المجموعة تشهد
ضيقاً شديداً من كافة النواحي خاصة بعد نفاذ
المؤنة ومواد الإسعاف.
بعد مقاومة وجرأة لا يمكن إلا لطلبة القائد آبو
إبداءها، تمكنت المجموعة من الوصول إلى حفتانين
وهناك في المقر العسكري تم فرز المجموعة، إما بشأن
الرفيقة دلشاه فقد أثرت القيادة العسكرية لتلك
الساحة أن تبقى في المقر المركزي نظراً للظروف
الصعبة التي مرت بها في الأيام الماضية، إلا إن
إصرارها وشخصيتها العتيدة وما أبدته من نشاط وجدية
وروح تفاؤل منحت الثقة للرفاق لقبول طلبها، بذلك
التحقت بجبهة حفتانين ـ "دير كاري".
ضمن الجبهة تأقلمت بسرعة وتمكنت من التعلم في
الممارسة التي تحمل بين أجنحتها في كل يوم حوادث
ومفاجئات لا حصر لها. في الليالي عندما كانت تنظر
إلى أضواء الحدود في الجهة الجنوبية الغربية والتي
تفصل ما بين الشمال والغرب، كانت تتساءل عن
الوطنيين وعن القيادة وعهدها للشهداء والحزب.
تحدثت مع الرفيقة الوحيدة التي كانت برفقتها ضمن
تلك الجبهة وشاركتها بما يختلجها من عواطف
وأحاسيس، وبثقتها في أن الخونة لا بد أن يلعنوا
يوماً ما، لأنه لو لا عمالتهم لتمكنت قواتنا من
تحقيق أهدافها منذ سنوات، ولكن وعودهم المتكررة
للأتراك تمنح الأخيرة الأمل في القضاء على الثورة
التي تمثل أمل الشبيبة الكردية الواعية والشعب
الكردي برمته.
حماسها اللا متناهي ضمن جبهة القتال كفتاة تبحث عن
الحرية والتحرير كانت موضع تقدير وحب من قبل كافة
الرفاق، كما أنها وبحنانها وقلبها المفعم بالعواطف
وتعمقها الإيديولوجي، ساهمت في إحياء الشخصية
الثورية اللائقة بفتاة كردية ثائرة. بذلك اكتسبت
الثقة مجتازة مرحلة الحداثة لتصبح مقاتلة محترفة
وعضوة مرشحة للإدارة.
بعد أن وضعت الحرب أوزارها توجهت الرفيقة دلشاه
إلى معسكر "زلي". لكنها لم تمكث هناك كثيراً حتى
التحقت بقوات إيالة زاغروس، مناضلة في أصعب
مناطقها (المنطقة السابعة) والتي تشمل كل من
متينا، هكاري، لويني... تتميز هذه المنطقة بموقعها
الاستراتيجي كونها حلقة الوصل بين أيالتي بوطان
وزاغروس وحدود جنوب كردستان، ومن جهة أخرى تشتهر
بطبيعتها القاسية، فهي منطقة حصينة شامخة الجبال،
في الليل تنخفض الحرارة إلى ما دون الصفر وفي
النهار تلفح شمسها الحارقة الأجساد المنهكة.
ولمعرفة العدو بأهمية هذه المنطقة من حيث موقعها
استخدم كل إمكانياته لفرض سيادته على المنطقة، ولم
يكن ذلك ممكناً دون تحويل أهاليها إلى مرتزقة.
انضمت الرفيقة دلشاه إلى الفعاليات العسكرية
والسياسية في تلك الساحة وفي عملها هذا تمتعت
بالحظوة بين الرفاق والشعب أيضاً، والذي مكنها من
استلام مهمة قائدة مجموعة خلال فترة قصيرة.
في حادثة "جيا رشكي" كانت ضمن القوة التي وقعت في
الكمين ولكن ببقائها خلف المجموعة لأجل مساعدة
رفيقة كانت تجد الصعوبة في المسير بقيت خارج
الكمين. إلا أن قتل الرفيقة روجين بالشكل الوحشي
أثر عليها كثيراً، لأن الرفيقة روجين كانت رفيقة
يانعة العمر تتخذ مكانها ضمن مجموعتها. حادثة جيا
رشكي هذه تحولت إلى منعطف تاريخي في حياتها. وفي
أعقاب هذه الحادثة انسحبت غالبية قوات المنطقة إلى
متينا، وهناك تم تكليفها بمهمة قائدة فصيلة.
في إدارتها كانت قريبة من القاعدة تعيش مشاكلهم
وتراقبهم عن كثب. لذا لم ترى القاعدة أي حرج في أن
يعترفوا لها بكل ما يدور في مخيلتهم وعواطفهم
وإحساساتهم حتى خيالاتهم لم تكن تخفى عن قائدتهم
التي أثبتت قوتها وارتباطها بمبادئ وأسس الحزب
والقيادة والالتزام بذكرى الشهداء.
تحدثت كثيراً عن جيا رشكي ونمط حركة الرفاق،
الغفلة التي وقعوا فيها. حللت الظروف بموضوعية،
منتقدة بشدة التقربات الخاطئة وقربها من القيادة
والثقافة الحزبية التي جسدتها في شخصيتها كفتاة
ثورية أعطتها القوة والثقة كي تستطيع إبداء نظرتها
الثاقبة بوضوح دون تردد.
جسد الرفيقة روجبين المحترق في جيا رشكي وقلبها
المعلق هناك لم يفارق مخيلتها، وهذا ما دفعها لأن
تسأل نفسها ورفيقاتها باستمرار عن كيفية التحول
إلى قوة إرادة وتنظيم، وكيفية تدريب الرفاق حتى
يتمكنوا من اكتساب تجارب عسكرية تمكنهم من حماية
أنفسهم وضرب العدو...؟ ناقشت هذه المواضيع بطلاقة
ضمن التدريبات والاجتماعات، مؤكدة على أن الشخصية
المتمكنة من الناحيتين الأيديولوجية والعسكرية
تستطيع السير باتزان ونجاح في حال اتخاذها الأسس
الموضوعية كمنهج لها.
تعليمات القائد وتحليلاته المكثفة عن المرأة
وتجيشها زادت من حماسها واندفاعها، لأن التجارب
العملية التي حصلت عليها نتيجة مشاركتها الكثيفة
في العمليات الحربية ورؤيتها وتقييمها للانتصارات
المحققة والخسائر التي غالباً ما يكون عدم اتخاذ
التدابير الكافية هي السبب، جعلتها تتعمق وتساهم
بفعالية، حتى أصبحت من الرفيقات المتميزات ضمن
قوات YAJK بشخصيتها العسكرية التي ورثتها عن
الرفيقة عزيمة موش التي حاربت الجهل والمكر القروي
وحاكمية الرجل.
مرة أخرى شدت الرفيقة دلشاه الرحال إثر الفرز الذي
أجري في ربيع 97، لتتجه من بستا إلى منطقة كارسا
التي يسيطر عليها قوات العدو، لأن هذه المنطقة
ضيقة بطبيعتها وكثيراً ما تشهد اشتباكات ضارية بين
قوات الأنصار والجيش المعادي.
عندما توجهت إلى كارسا كانت سرية الرفيقات هناك
تشهد تشتتاً وتسيطر عليهن حالات نفسية وعاطفية
وذلك إثر استشهاد مسئولة قوة الرفيقات في المنطقة
بشكل متتالي؛ الرفيقة زكية عفرين ومن ثم الرفيقة
بيريفان عامودة مع عدد من الرفاق والرفيقات إلا
مداخلة الرفيقة دلشاه للمنطقة ومميزاتها في
الإدارة مكنتها من لمّ شمل السرية بسرعة. بدأت
بتقديم التدريبات الخاصة للرفيقات إلى جانب
التدريبات العامة. كما قدمت تجاربها للرفيقات
وبشكل خاص الدروس المستخلصة من جيا رشكي ومن
الفعاليات التي انضمت إليها في السابق وبذلك أصبحت
أملاً للقاعدة، فالثقة النابعة من شخصيتها جعلت
القاعدة تقترب منها بحماس ومتفائلين بوجودها
وبمساعدتها لهم. هكذا سعت بكل ما تملك إلى ارشاد
وتوجيه الرفاق إلى الطريق الصحيح وفق ما تلقته من
تدريب عند القائد.
في المسير كانت دوماً تقدم المساعدة للرفيقات
والرفاق، تلقي التعليمات بأسلوب محبب، كثيراً ما
كانت تحمل أسلحة وحقائب الرفاق والرفيقات الذين
يتلقون الصعوبة في المسير ساعية بكل إمكانياتها
لتخفيف حمل الرفيقات من كل النواحي المادية
والمعنوية. بسبب بعد المنطقة من مركز الإيالة كانت
الإدارة تتخذ طابعاً استقلالياً لدرجة والاعتماد
على قوتهم الذاتية ومبادرتهم في تقييم الظروف
والأوضاع والتوصل إلى خطط وعمليات مناسبة.
الكمين الغادر
تم استدعاء مجموعة للكشف في هركول. أثناء أداء
المجموعة لمهمتها كان العدو قد أحس بتحركاتهم وعلى
أثر ذلك بدء بشن حملة تمشيطية محكمة في المنطقة.
عندما كان قائد إحدى السرايا "دجوار" يحاول إجراء
الاتصال مع المركز في المرصد المجاور لتمركز
الرفاق، تمكن من رؤية تحركات العدو، عاد وأخبرٍ
الرفيقة دلشاه للتوصل إلى وضع مخطط سليم لضرب قوات
العدو.
كانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً عندما تم فرز
القوة على مجموعات وحدد بعضها لضرب العدو في
مقدمته أثناء التقدم والبعض الآخر تم فرزهم للضرب
في ميمنة العدو وميسرته.
عندما تم توزيع المجموعات كانت مهمة مجموعة
الرفيقة بيريفان هو ضرب العدو وإشغاله حتى تتمكن
بقية المجموعات التمركز في أماكنها لضرب العدو
فيما بعد وٍمن ثم الانسحاب من أسفل مرصد كزنكي لكن
نظراً لحساسية ومهمة موقع المجموعة وبسبب حداثة
ثلاثة أعضاء من المجموعة قررت الرفيقة دلشاه أن
تنضم إلى المجموعة وبدأت بالتحرك مع مجموعتها لأجل
الوصول إلى المنطقة المناسبة قبل قدوم العدو. كان
يجب ضرب العدو من مسافة قريبة جداً وبلغة الأنصار
كان يجب الضرب بالقنابل اليدوية في البداية لإرباك
العدو، لكن عدد الجنود القادمين كان يقدر بالآلاف
والذخيرة الموجودة مع المجموعة لن تكون كافية، ومع
كل ذلك بالإمكان مباغتة العدو وتشتيت شمله هذا إذا
تمكنوا من ضرب مقدمته بالشكل الذي يفقد السيطرة
عليها حينها سيؤثر ذلك على جنود العدو وعلى نتيجة
الحملة بشكل عام.
سيتم ضرب القوات المعادية عن مسافة 50 متراً ومن
ثم التراجع. المفاجئة كانت إيجابية من ناحية إحداث
البلبلة بين القوات المعادية، على إثر ذلك وصلت
الإمدادات للقوات المعادية ومن جهتها تدخلت
مروحيات الكوبرا وبدء الإنزال الجوي. في هذه
الثناء كانت إحدى مجموعات الرفاق قد وقعت في ضيق
وتم طلب المساعدة من الرفيقة دلشاه، وفي الحال
عملت على تقديم المساعدة وذلك بإحداث فرز جديد
للمجموعة والتموقع حسب ذلك. قامت الرفيقة دلشاه مع
رفيقة بيريفان باستطلاع الجوار وذلك بالتقدم عدة
خطوات والتموه خلف الشجرة الوحيدة الموجودة على
بعد عدة خطوات منهما. بعد التقدم والاستطلاع قالت
دلشاه بأن قوات الأعداء قريبين جداً كانت دلشاه قد
رأت الجنٍود البعيدين ولم تكن قد رأت الجنود
المنتشرين في أسفلهم مباشرة. سمعتا أصوات الجنود
تقترب أكثر فأكثر، عادتا إلى موقعهما استعداداً
لضرب العدو عندما يقتربون أكثر. الأراضي لم تكن
صالحة للقتال أبداً إذ لم يكن هناك صخور للتخندق
خلفها كما لم يكن هناك أشجار لتغطية تحركات
الرفاق. عندما كانت مروحيات العدو تحلق فوقهم كانت
الحشائش تتوحد مع الأرض عندها تظهر المجموعة في
العراء.
تمركزت الرفيقة دلشاه مع جيان بين صخرتين صغيرتين
كانتا في الجوار، بيريفان كانت قد رأت الجنود على
مقربة خمسة أمتار بدء الجندي الأول بالظهور،
الثاني، الثالث، أخبرت بيريفان دلشاه مشيرة إلى
الجندي لأنها لم تعد تستطيع حتى الهمس، أشارت
الرفيقة دلشاه بالانسحاب إلى مسافة معقولة والبدء
بضرب الجنود لأن الضرب بالقنابل لم يعد يجدي نفعاً
فالجنود قريبون جداً وضرب القنابل سيكون مضراً
للمجموعة نفسها، حينها أخذت الرفيقة جيان ترشقهم
بالبكسي، بينما حذا الرفاق الآخرين أيضاً حذوها،
وعلى الفور سقط عدد من الجنود، انسحبت المجموعة
تحت القصف الأرضي والجوي للتخندق في موقع آخر.
شوهد الرفيق ريبر وهو يركض والكوبرا تحاول النيل
منه اختفى بعد ذلك، قسمت الرفيقة دلشاه مجموعتها
كل اثنين سوية يضربون العدو و ينسحبون وهكذا بشكل
متسلسل تراجعت المجموعة إلى النقطة التي كانت
الكوبرا ترشق الرفيق ريبر بنيرانها حيث وجدوه
مجروحاً، هناك عادت الطائرة بعد أن جددت حملها
لتقصف من جديد قرب قرية أركندي، عندها جرحت
الرفيقة دلشاه مع بيريفان وجيان. في نفس الوقت كان
العدو قد بدء بالانسحاب اثر إخفاق حملته هذه وعادت
المجموعة بعد أن كانت مطمئنة على نجاة أعضاء
الخمسة.
أثناء الاشتباكات وحتى بعد جرحها كانت تحث
الرفيقات والرفاق على المسير وتحاول التقليل من
الصعوبات التي تلقوها ومن التأثر نتيجة شهادة عدة
رفيقات من المجموعات الأخرى. عندما وصلوا إلى مقر
الإيالة تلقت معالجتها هناك. بعد شهرين تم فرزها
مجدداً، في هذه المرة كانت وجهتها كابار.
توجهت من بستا ٍإلى كابار برفقة الرفيقة رنكين
ومجموعة من الرفيقات. ولمعرفتها بجغرافية المنطقة
كانت تتقدم المجموعة في المسير، في ذاك الوقت كان
العدو قد بدء بحملة تمشيطية شاملة في كابار أواخر
حزيران 1997 في الطريق ونتيجة الاشتباك الذي نشب
في جراف ـ نقطة عيشو ـ ولتتمكن الرفيقة دلشاه من
حماية القوة قاتلت بكل ما أوتيت من شجاعة وتحمل
حتى التحقت بقافلة شهداء الثورة والتحرير مخلفة
ورائها ميراثاً لائقاً بالفتان الكردستانية الحرة.
|
|
|