رهشان بيزار
ترجمة: آفرين أحمد فؤاد
أن عملية تنفس المجتمعات واكتسابها للقوة والطاقة
والإرادة ليست بظاهرة التي تتحقق بالمرة لنيل
إستمراريتها. لتحقيق هذه الإستمرارية يستوجب على
كافة الساحات الإجتماعية والتاريخية التعريف
بنفسها وبالتالي تأسيس وترسيخ ذاتها. والذي هو
أشبه بحالة التطور الكوني الطارئ على الحيوانات
والنباتات والبشر بعد الإنفجار الكوني الكبير الذي
يبقى في حالة حركة وتفاعل مستمر وتغير وتحول
الدائم. ولهذا السبب يسمى المجتمع بـ ( بالطبيعة
الثانية)، فكيما لا يمكن زوال وانتهاء الكون دفعة
واحدة، لأستحواذها على جودتها ووجودها باستمرارية
عملية التحول والتغير المتواصل، فالمجتمع أيضاً
سوف يستمر ويتجدد على الدوام لأنه خلية حية على
الدوام. فهو طبق كوكبنا هذا؛ إلا أن هذه الخلية
الحية صاحبة وعي جوهري، وخلية أكثر تطوراً ومعرفة
بذاتها.
فتأسيس التاريخ والمجتمعات تبنى في بعض المرات وفق كلمة
للتعبير عن ذاتها وفي بعض الأحيان وفق حركة أو
فكرة. فليس هناك أي شيء عديم المعنى ومعقد في
جوهره. تكون المجتمع يرهن أحياناً في جملة أو
جملتين بسيطتين، أو خلال عملية ملفتة بحيث يكون
بمستطاع الجميع استوعابها لتكوين هذا المجتمع.
فتحقيق العملية والفكرة وإبداعها يتم من خلال
إضفاء الروح على الزمن. بحيث يبيّن كيفية وإلى أين
يتحرك الزمن وبأي طاقة يمكنها من ذلك. فهذه الأمور
بعض البيانات التي تتماشى معها جدلية الطبيعة
والمجتمعية وكيفية تمأسسهما.
إلا أن الحلقة التي توحد وتربط كلتا الظاهرتين؛ المجتمع
والطبيعة من أصغر خلية فيها وحتى أكبر خلاياها على
أرضية واحدة هو (أصغر علم حي) الذي هو الإنسان.
فالإنسان الذي لم يتعرض للتخريب هو ذاته الإنسان
الطبيعي القادر على استوعاب واحتواء المجتمعية
أيضاً، فإرادة ووعي الإنسان الحر هو الأرضية التي
تكشف عن القوة الإجتماعية المحولة والمؤثرة جداً
لتوحيد الطبيعة والإجتماعية الطبيعية والفلسفة.
فقبل كل شيء هو طليعة اجتماعية، بحيث يظهر للوسط
على أنه منذ البدء وحتى النهاية يشكل حالة من
التحزب. فالذهنية التحزبية الذي نصفّه؛ هو اعتبار
تحقق جوهر الفرد على أنه تحقيق للمجتمعية والعكس
صحيح، أي أن تحقيق المجتمعية هو تحقيق للذات بحد
ذاته لأنهما كل متكامل غير قابل للإنفصال
والتجزئة، لأن الفرد هو القوة الفلسفية
والأخلاقية، الإرادة والقوة المغيرة. فالإنسان
المؤسس لهذه العادة وواهب المعنى المحافظ الذي
تجاوز بها الاجتماعية بقوة قرارية ما هي في جوهرها
التحزب بعينه. ويتجلى هنا أن المجتمعية كانت في
البدء وحتى النهاية على هذه الشاكلة. فهذا الأمر
ليس بالأمر الهين. وعلى الرغم من ضعف الإنسان ورغم
زوائده، وربما أضعف مخلوق ومجبر إلا أنه يستمد
جذوره من الطبيعة التي تمده لتريّد القوة
المجتمعية، والذي يمكنه من امتلاك طاقة حرة كبيرة
جداً. ففي المكان الذي لا يتمكن فيه المرء من
تحقيق تطور وتقدم الحياة بحرية، والمحبة بحرية،
وفي المكان الذي يعملون فيه على شل فكره وإرادته
ورأيه وانتاجه، يتحقق فيه الإنفجار الكبير كذاك
الإنفجار الذي يطرأ على النفط المضغوط والغير
القادر على الانتشار.
فعلى مدى 5000 أعوام لتاريخ حضارة الطبقات تأرجح الإنسان
والمجتمع بشكل ملفت جداً ما بين الوجود والفناء.
بحيث ليس بمستطاعه الوجود والعيش كما يبغى وليس
بإمكانه الانتهاء والذهاب. والحياة الإجتماعية
تتعايش وتستضغط للعيش ضمن حالة الإنفجار هذه.
فالإنفجار بالحد ذاته هو مقاومة مضادة لتقدم
الحريات. فكما أن التاريخ حافل بأمثلة لا معدودة
التي تبرهن كيفية خلق القوة الخارقة لدى المرء من
خلال الوقفة الإجتماعية الحقة؛ لذا فأن التاريخ هو
هذا بالحد ذاته. فالوقفة الإجتماعية تشمل في
فحواها التعاون والكومين والديمقراطية والمحبة
واللهفة والثقة وكل شيء يمكنها شملها في داخلها.
فمن إحدى أبرز الأمثلة التي كشفت النقاب عن ضياع أرضية
وطبيعة الحياة الحرة وتطورها وبالتالي ماهية
وكيفية الإنسان والحياة والمجتمع الذي نجم نتيجة
لذلك هي تاريخ كردستان ومن ثم تطور تاريخ ب ك ك
ضمن جدلية هذا التاريخ وتاريخ مقاومات السجون الذي
تطور تماشياً مع تاريخ ب ك ك. وبمناسبة الذكرى 25
لذكرى مقاومة الإضراب حتى الموت (14/ تموز) التي
تمثل أعلى وأسمى قمم المقاومة والتي هي بمثابة
نقطة العودة من الموت والفناء، نحيي ذكرى الـ14/
تموز باحترام وإجلال كبير والذي نشعر ونتحسس بحاجة
عظيمة لإعادة التعمق والتفكير والنقاش مجدداً من
النظرة الحزبية. ونناضل بالتالي في سبيل الإنضمام
واستوعاب وتفهم الذهنية التي تأسست عليها البذرة
مجدداً الذين ساهموا في تطوير وتصعيد تاريخ الحزب.
فمن خلال المجتمعية التي أسسها القائد والتي ربط
حلقاتها بعضها ببعض كحبل الصراط لربما كانت مقاومة
14 تموز من أهم وأبرز الأمثلة التي أعربت عن وقفة
الكادر الحق ومفهوم الحياة والذهنية والمعنى
والوقفة المواجهة للحياة بحيث أكسبت هنا وضوحاً
لشخصية كل رفيق. في المقدمة وجب التعرف على الرفيق
كمال بير وكيف كان يعيش وماذا كانت راوبطه مع هذه
الحياة؟ وبالتالي كيف كان يعكس وقفته الإيدلوجية
على الحياة وعلى علاقاته؟ ولربما كانت من أهم
مميزات الرفيق والصديق كمال بير هو تقربه من
القيادة؛ فهو لم يحد أبداً من دوره وسلطته، لا بل
عمل وناضل على الإنضمام لفلسفة القيادة بروح
عظيمة، وهكذا فأن انضمامه الفعال للحياة والمصداقة
مع الحياة وهبت الرفيق الشهيد كمال بير نوعية لا
مثيل لها.
فهو مرتبط بأخلاق
القيادة وبفلسفته حتى لو بذلت له الدولة، بحيث
يتمكن من اتخاذ مكانة لنفسه ضمن مجتمعية القيادة
ولا يتخيل حياة خارج نطاق هذه المجتمعية، ولا يقبل
لنفسه بتاتاً بوجود خارج هذه المجتمعية، فكمال هو
الأخلاق بالحد ذاته. لذلك كان يعمل على تصعيد
الإشتراكية الديمقراطية في ذاته وفي عمليته وكان
يولي المحبة والإحترام لذاك الشعب ويتخذ نفسه كعضو
بينهم رغم أنه لم يكن ينتمي لهم، حتى أنه كان في
وضعية يعيش ويتعايش معهم. فهو صديقنا الذي أبرز
للوسط اختلافه ومميزاته من خلال وقفته الديمقراطية
هذه. والذي يعني بالحرف الواحد على أن صديقنا كمال
بير كان قد وهب نفسه بكل روحه وروعته بالإنضمام
لكل شيء، من خلال إيفاء المعنى، تصعيد الإرادة
والوعي إلى ذروتها الكبرى. ومن المطلق أنه كان
بينه وبين الحياة حكاية عشق حرة. فيتوحد معها
وكأنه يتوحد مع إمرأة لحد أنه لا يمكنه الإنفصال
عن هذه الحياة. وعمل على تصعيد العشق الحر رغم
معرفته التامة بأن الثمن سيكون التضحية بالذات حتى
الموت. لأن هذا الأمر يعتبر فلسفة ومفهوم للحياة.
ومن المؤكد أن الرفيق كمال بير قد تجاوز فلسفة
الموت من خلال تطبيق فلسفة الحياة الحرة. فليس
بوسعنا غير تعريف هكذا اندفاع وحماس ولهفة والبعد
عن السلطة إلا على هذه الشاكلة. وبمناسبة الذكرى
السنوية 25 نستحوج إلى إعادة تعريف وتفهم الرفيق
كمال بير مراراً وتكراراً والذي يوصلنا إلى الفهم
الجديد للتحزب، لأن تفهمنا للرفيق كمال بير الذي
بير حتى يومنا الراهن لم يعد يفي بالغرض ففهمه
واستوعابه مجدداً يعتبر من أهم حلقات إيدلوجيتنا.
كما يعد الرفيق محمد خيري دورموش من أحد أعضاء المجموعات
التأسيسية الأولى الذين عملوا على الإرتقاء و
التعمق الإيدلوجي ككوادر ورواد واعيين رغم قحط
الظروف وعدمية الإمكانيات أنذاك. حيث أبرز من خلال
المرافعة السياسية التي تقدم بها للمحكمة من خلال
التنظيم البارع في طرح آراءه وأفكاره مبرهناً بذلك
على أنه صاحب وعي ومعرفة عصرية فاقت أعلى مراتبها.
كما قال القيادة "أن الرفيق محمد خيري دورموش
يعتبر أقومَ وقفة حرة لتتبع مستوى وعي المرحلة"،
والتي لا تتعلق بكمية القراءة أو الدراسة لا
بل تتجاوز ذلك بماهية التطور الذهني والمستوى
التنظيمي والتنسيق وفي مقدمتها حث الذات على
الإنضمام للمجتمعية. فهو الذي ينظم ذاته كمركز
ومنسق إيدلوجية بروح مسؤولية عالية ووعي وحس راقي
بحيث كان الرفيق خيري دورموش صاحب وقفة تجعل محيطه
ينطقون بكلمة (هو الذي يعلم). فهو الشخصية الذي
كان يتخذ نتاج الإيدلوجية كأساس حتى في أعتى وأظلم
شروط وظروف السجن القاسية، ويعتبر أن الإنفصال عن
الإيدلوجية هي بمثابة الموت بعينه. فالصديق
والرفيق خيري دورموش هو التعريب والتعريف المبسط
بمعناه العميق لدى النطق والبوح بماهية
الإيدلوجية. كما أن قوة وإرادة وقرارية ومستوى
تفاعله وانضمامه بكل إخلاص وتواضع للرفيق والصديق
عاكف يلماز، إلى جانب راديكالية خطوات جهاد والبحث
المتواصلة والعملية والخلاقية التي كانت تعتمد على
تطبيق كل جديد في الساحة العملية للصديق علي جيجك
والتي أبرزت نفسها كعملية تحزب في مقاومة 14 تموز،
فالرابع عشر من تموز تعتبر كقرارية تحزب جديدة على
الأرضية التي تم فيها تدارس الوجود أو الفناء.
ولخلق الكادر الحزبي وجب تحليل وتعليل 14/ تموز
إلى جانب تفهم واستوعاب البراديغما الجديدة
واحياءهما كأهم الدعائم، ووجب اتخاذ التحليل
التاريخي كمقياس لاستوعاب المستوى المجتمعي
والجهادي الذي ما يزال يسيرنا ويجعلنا نحافظ على
نضارة تأثيرنا وقيمنا.