|
آفرين أحمد فؤاد
الإهداء: لروح صديقتنا الراحلة
المبكرة جداً عن ديارنا شيلان آراس (أيفر سرجا)،
التي أستشهدت إثر كمين للعناصر الإيرانية في منطقة
كلارش الجبلية 19 تموز/2006، الإعلامية، المناضلة
والمقاتلة والراحلة المبكرة جداً.
هنا مجدداً يا حبيبتنا قدّر لنا أن
نحيا عاماً بكامله من دونك أيتها الرفيقة،
الراحلة، الشهيدة، الخالدة التي تحيا معنا بكل ما
فينا جسداً وروحاً وفكراً وذكرى.
نعم يا غاليتنا؛ مجدداً شاءت
الأزمان أن تسقينا كأساً من نبيذ ألم الفراق،
فراقك المبكر يا غالية الكل ويا عزيزة الروح
والعيش، هنا يا شيلان، هنا من جذور هذه التربة، من
أرضنا الشماء خلقتِ لتكون أنت عنقاء لحرية هذا
الوطن.
من هذه الأرض وهذا الوطن نهلنا،
حيث كنا في الأمس غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً،
فغدونا اليوم كردستاناً، من عمق جذور هذا الوطن
ولدنا، ترعرعنا، كبرنا، نهلنا غدونا مناضلات.
شيء ما جذبنا إلى هنا أيتها
الغالية، شيء ما يسمونها كردستاناً وحريتها،
فعشقناها وسعينا لتلبية ندائها وفي روحنا أنشودة
تعلمناها، أنشودة لم نرتجلها بل نبعنا منها أيتها
الراحلة المبكرة، شاهدنا الموت بأعيننا مراراً
وتكراراً فركلناه، أعاقتنا المصاعب فاجتازنها،
أسودت الدنيا علينا فأشرقناها، يئست خيالات الغير
فأحييناها، هنا يا شيلان من عمق هذه الفلسفة
الحياتية ولدنا وولدت يا حبيبتنا، يا قرة عين
كردستان...
هنا مجدداً يا شيلان لم يتبقى لنا
منك سوى ذكريات تحتضر لدى الرغبة في رصها على وجه
هذه الصفحة، تغدو الصفحة كئيبة ويبكي اليراع لدى
تذكر رحيلك الذي لم نعهده بعد أيتها الغالية،
وكأنك معنا في كل خلية فينا، نتفس معاً، نستيقظ
معاً، نضحك معاً، نناضل معاً... ونبوح بمختلجاتنا
في جلسة من جلساتنا ككل أمسايتنا يا شيلان.
أتذكرك أيتها الغالية وأنا من على
قمم وشك تصديق رحيلك وفي المقلتين فيضان ينجرف إلى
داخلي، أحدق حولي، أتمعن في كل شيء، أود اقناع
ذاتي برحيلك المبكر ولكن ما أن أعود أدراج عقلي
صوب قلب تفاقمت فيها ذكرى الراحلين أدرك تماماً
بأنك معنا يا شيلان في كل ما فينا...
اعاود أدراجي نحو الواقع الذي يسرق
منا كل يوم عزيز وأعزاء، فأبكيك أيتها الرائعة
البشوشة المتأملة بزوال ألم هذا الوطن، أبكيك
حينما بكى الشرق لرحيلك، أبكيك حينما بكت رها
لرحيلك وحينما بكى الشمال والجنوب والشرق والغرب،
أبكيك حينما أشرعت أرمنيستان برداء الحزن، أبكيك
لأني/ ولأننا نعلم أن الشرق فقد مجدداً خيرة من
فلذة كبده، أبكيك لأني/ لأننا نعلم أن الشرق قدّر
أن يفتقر أمثالك أيتها الحرة الصنديدة، لأننا نعلم
بأن خصومنا كثر ولا يفقهون أننا نبغي الحياة معهم
بوئام وأخوة إلا أنهم يا غاليتي لا يبغون منا غير
العيش كعبدً تحت رحمة قوانين اللاقانون، هؤلاء
الشرقيون الذين لن يفقهوا إلا بعد فوات الأوان يا
عزيزتي بأنهم قد ارتكبوا أبشع جريمة بحق شرقهم
حينما صوبوا الرصاص لصدور أخوتهم وأخواتهم، هؤلاء
الشرقيون الذين يخاصمون حتى شهيق الحرية لأخيه، من
بين هؤلاء كنت أنت المنتصرة أيتها الراحلة المبكرة
جداً، أنت المنتصرة لأنك أنت من سعيت بسلاح الفكر
واليراع والعدسة لأجل شرق مشرق، أنت من أندفعت
باندفاع لا حدود له نحو البحث عن الحرية دون
اللجوء إلى تغطية الوقائع لتجتازي كل العوائق
لتغدو عدستك يا شيلان العدسة العاكسة لحقيقة هذا
الشرق الذي يدير النظر عن رؤية حقيقته التراجيدية.
هنا من حيث كنا منتظرين ونحن نمهد
قلوبنا لنبأ رجوعك بخير وسلامة وفي قلوبنا انتفاضة
شوق تلتهب لرؤياك مجدداً يا شيلان، أنتابتنا نوبة
من نوبات الفراق مجدداً، فصرخنا وصرخنا لا ترحلي،
لا ترحلي عنا، لا ترحلي أنت كغيرك. ولكن هل كانت
توجد قوة في العالم قادرة على استعادتك يا حببية
كل الأصدقاء فواللهي لبذلناها؟ هل هناك يوم
نستعيدك وتستعيد شفاهنا إبتسامتنا الماضية ككل
لقاءتنا بعد كل فراق؟
يصعب عليّ يا شيلان بأن أقول أنك
رحلت يا غاليتنا ولن نراك مجدداً، يصعب جداً لأنك
لم تكوني الأولى من الراحلين المبكرين ولا الآخرة،
فقد فقدنا الجل الجل من أمثالك يا شيلان ونعلم بأن
أفئدة الموت الغادر كامن على أبواب قلوب الجل الجل
من أمثالك، فأية لعنة هذه حلّت بشرقنا يا عزيزتي
أن نفقد كل عزيز وعزيزة، أي طمع هذا يسري في كيان
أولئك الذين يستكثرون شهيق حريتنا يا شيلان.
هنا يا شيلان من حيث كنا نتنظرك،
كنا بانتظار عودتك أيتها الصديقة ونرسم صور اللقاء
تحت قبة القمر القابع في سماء صيف هذا التموز
الكئيب الذي لم يعد كما كان في تموز وجودك أيتها
الصديقة، فأي عشق بحق الملائكة استدرجك نحو تلبية
مناشدات بنيات جنسك لتبذلي في سبيلهن وجودك
اليانع؟، أهو عمق الشعور بعمق أزمتهن الذي لا حل
ولا شروق لهذا الشرق من غير شروق الغد لهن يا
حبيبتنا؟ أي صلة كانت تربطك بهّن يا شيلان؟ هل هي
الصلة التي تؤمن بأن لا حرية لأحد من دون تحقيق
حريتهن؟...
فهل كان بإمكان أيدي الغدر من ضبط
لهفتك للحرية والحياة الحقة؟ هل كان بإمكانهم
إطفاء شعاع الأمل الذي يفيض في عينيك كسطوع أشعة
الشمس؟ لو كانوا قادرين على ذلك؛ لما كنا اليوم
متعاهدين معك على الحياة في كل ما فينا من قوة
وطاقة لتذكرك وانتهاجك يا شيلان مثلاً يعتبر
لكيفية الحياة والنضال الحق. أنت وأمثالك من
الراحلين المبكرين جداً الذين غدوا مثلنا الحياتي
الغير قابل للتعديل والتغيير، أنتم مشرقنا أيها
الراحلوان المبكرون، أنت قبتنا يا شيلان.
علمتينا ما معنى أن تكون مثقفاً،
إعلامياً، مناضلاً، إنساناً، شهيداً في الشرق
أيتها الخالدة معنا في كينونتا، علمتينا ما معنى
أن تكون نجمة من الأنجم في سماء هذا الوطن المكتظ
بالأنجم من أمثالك؛ فلا تبالي يا شيلان لأنك كنت
نجمة هذا الوطن في حياتك ولازلت نجمة قابعة حتى
الأبدية في سماء هذا الوطن الحزين المتكابر على
أوجاعه، هذا الوطن الذي خلق أحفاد يترّيدون فلسفة
أن الحياة ليست ظاهرة مرتبطة في الجسد فحسب بل
تتعدى ذلك على كيفية العيش وماهية البذل والعطاء
في سبيل شروقها لتسطع على كل العالم كما كان شرقنا
في غابر الأيام، كما كنا في عهد الحضارات وثقافة
الأم المعطاء.
نعم يا شيلان قدّر لنا مجدداً أن
نحيا هذا التموز من دونك، تموز آخر من دونك يا
زهرة البراري في هذا الوطن. ها قد مضى عام من دونك
يا حبيبتنا ولازلنا نحيا على أمل لقاءك وعودتك،
وسننتظر لأنك لم ترحلي يوماً أبداً يا شيلان، لم
ترحلي بل أنت معنا في كل خطوة من خطواتنا، أنت
معنا في كل نفس فينا، معنا في كينونتنا، فنحن أناس
لا نرتجل الحياة لا بل ندركها بكل معانيها، ندرك
بأن الحياة ليس بمقدار الحياة فيها، لا بل تتجاوز
في معناها كل ذلك، وأنتم من يعبر عن ماهية الحياة
بأن الحياة الحقة هي بمقدار إضفاء المعنى الحقيقي
لها. فنامي قريرة العين يا قرة عين كردستان، نامي
لكي نستفيق معاً في الغد ونعلن للملئ بأنك لم
ترحلي... لم ترحلي... لم ترحلي، لا بل تركت كل ما
تملكين هنا عندنا لأنك مؤمنة بالعودة، نعم سنبشر
معاً كل النائمين غداً بعودتك من مهمتك والإبتسامة
تضفي على شفاهك نكاية عن كل من يودون سرقة
الإبتسامات من هذا الوطن، لتبرهني للعالم أجمع،
أننا أناس نسترخص بكل ما لدينا في سبيل أهدافنا،
فها أنت يا حرة الروح تحلقين هنا من حولنا في كل
الوجود تحلقين، تارة مع الفراشات وتارة تجرين مع
النهر الجارف وتارة مع العصافير...
نعم يا شيلان أملنا كبير باللقاء،
أمانينا عظيمة بالوفاء، لكن يؤلمني أيتها الصديقة
بأنهم لم يهبوا لك فرصة مشاهدة ألام وتباريح مع ما
وراء الحجاب الأسود القاتم، أشد ما يؤلمني يا
شيلان بأني أود تمزيق ذاك العباء والحجاب الذي
يذكرني على الدوام بك، لأنك هدفتي على تمزيقه لأنه
عباء يخفي وراءه بشع ودناءة النظام المتسلط. لكنّ
نامي قريرة العين، لأننا هنا يد بيد، كتف بكتف
سنمزقه لتسطع من خلفه نور وضياء الوجه النيّر
لحفيدات (هي) التي كانت غايتك يا زهرة البراري.
فأنت النجمة التي ستضيء عباءات الليل المظلم، فلا
تحملي هماً بأن يهبك هذا الوطن نجمة من أنجمه، لأن
الأزهر من أمثالك ليست بحاجة لأن تطلب، لأنك
النجمة بحد ذاتها، فلا تنسينا يا شيلان لا تنسي
بأن تزورينا كل ليلة فنحن في الأعالي بالانتظار،
نحن على الميعاد... يا شيلان... على الميعاد... |