اللقاء الأول في ذكرى يوم الهجرة

زلال جيكر

إن كتابتي هذه قد جاءت متأخرة ورغم ذلك أردت كتابتها، لأنها ذكرى جميلة مع إنسان عظيم، فقد كان حلم كل إنسان متقدم ومحب للإنسانية بأن يلتقي يوماً مع القائد آبو. قبل رؤيتي للقائد كنت أراه في منامي لهذا أصبح من أحلامي رؤيته أولاً، أما حلمي الثاني هو دخول ساحة الحرب الساخنة، ولحسن حظنا تم إرسالنا أنا والرفيقة الشهيدة همرين إلى ساحة القيادة والذي تحقق في شهر حزيران، ومع سماعنا ذاك النبأ تعالت أحاسيس الفرح  والسعادة والتي باتت تشع في تباشير وجوهنا، لم نكن نصدق هل نحن في علم أم حلم؟ على الرغم من ذلك قمنا بالتحضيرات اللازمة وسافرنا إلى الشام وذهبنا إلى بيت أحد المواطنين لننتظر خبر ذهابنا بفارغ الصبر، مرت أيام والساعات ولم يأتي الخبر، فكلما كان يمضي الوقت ازداد شعورنا بالهيجان وتتسارع نبضات القلب.

وفي اليوم الثاني من تموز قبل غروب الشمس جاء أحد الرفاق وأخبرنا بالذهاب إلى المكان الذي سنتمكن من اللقاء فيه مع القائد، وقتها غرقت في تفكير لمدة طويلة وكأنني أغوص في أعماق البحار، وأتسأل في نفسي هل سيتحقق حلمي وسأرى الملاك؟ ذاك الإنسان العظيم الذي يختلف عن جميع البشرية وراح تفكيري يدور حول كيفية اللقاء معه، وكيفية التحية والسلام عليه وما الذي سأقوله، وفي هذه الأثناء كنت متوقفة عن الحركة وكأن دمي قد توقف عن الدوران في جسدي. وأخيراً اتجهت السيارة من حيث نحن إلى حيث وصلنا إلى أحد بيوت المؤيدين، لم أشعر بمسافة الطريق حتى وقوف السارة لأنني كنت غارقة في التفكير، وعند الوصول إلى مدخل البناية بدأنا بالصعود حتى وصلنا إلى الطريق الثاني من البناء، فدخلنا المنزل الذي هو بيت أحد المؤيدين واهبين كل إمكانياتهم لحركة وفكر القائد، لأنهم رأوا في هذه الحركة التفاؤل والثقة للوصول إلى الديمقراطية وهم أيضاً كانوا على استعداد تام لرؤية القائد، وهم الآخرون كانوا على أهبة واستعداد للقاء مع القيادة، وكان يتواجد مجموعة أخرى من الرفاق وهم المجموعة المكلفة على النضال الحدودي من بين هؤلاء الرفاق كان الرفيق الشهيد هاشم موجوداً أيضاً الذي استشهد في سنة 1977 والرفاق الأخرين الذين لم أعرف عنهم أي شيء.

حلت الظلمة على الأرض ونحن لا زلنا ننتظر بشوق كبير لمجيء القائد، كيف سيأتي؟ وهل سنتحدث معه
؟... وماذا سنقول له؟ وجميعنا يعيش حالة من الهيجان وفرحة لا تتصور. طبعاً كانت هذه من فرصنا التاريخية، هو أن نرى طليعياً وقائداً للبشرية، وفي هذه اللحظة تذكرت الرفاق الشهداء الذين كانوا يتشوقون لرؤية القائد، وفي هذه اللحظة فإذ بدقات خفيفة تطرق الباب، وفجأة وبحركة لاإرادية كنا واقفين استعداداً لمجيء القائد، وكأنه جاءنا صوت للإيعاز، وبفتح الباب؛ دخل الغرفة بوجه بشوش ومرح وبعيون متفائلة ولامعة، وبخطوات واثقة من سيرة بقامة منتصبة وكأن شاب في مقتبل عمره لا يشكو من أي ألم يعرقل خطواته، وبهيبة عظيمة يتدفق منه النور الخالدة حتى الأبدية، وينظر ببراءة طفل وبحيوية شباب وكأنه خبير في جميع شؤون المجتمع، صاحب الخطاب القوي في مستوى يقدر فيه مخاطبة جميع شرائح المجتمع، في هذه اللحظة وصلت إلى قناعة أن الذي لا يتعرف على الأفكار العظيمة للقائد بصدد الإنسانية هو غير قادر على فهم العصر برمته.

وبرؤيتنا لعظمة القائد توقفت خلايا جسمي عن الحركة، وسيطر عليّ شعور لم أعهد مثله من قبل، أما الرفيقة همرين ما زالت غير مستيقظة من حلمها المتحقق، نعم بإبتسامة مرحة سلم القائد علينا تحية حارة وكأنه يعرفنا سابقاً، وقتها لم أصدق بأنني ألامس القائد وأحضنه، وقد خطر على بالي السؤال التالي، هل هذه حقيقة أم حلم هذا الذي يتحقق، وقتئذ جلس القائد ونوهنا إلينا بالجلوس، وسأل عن وضعنا ووضع الشعب، ومن أي المناطق قدمنا؟، بعدها قال القائد:" أتعرفون ماذا يعني هذا اليوم بالنسبة لي وللجميع وللشعب الكردي؟!، يمكن أن يكون مثل الأيام السابقة ولكن بالنسبة لحركتنا الكردية يعتبر يوم تحديد مصيره، نعم أن هذا اليوم هو يوم هجرتنا من تركيا وتوجهنا نحو بلاد الكنعانين، يشبه هذا اليوم بهجرة سيدنا إبراهيم، نعم أنه يوم ميلاد الشعب الكردي، وكان يوماً صعباً، كان يوماً بمثابة يوم الفناء أو البقاء، وكنت أستهدف القيام بأعمال كبيرة بعد عبورنا الحدود".

بعد هذا الحديث ذهبنا لتناول طعام العشاء برفقة القائد، حيث كان يراقبنا ويهتم بأكلنا، فحتى كيفية تناوله كان مغايراً عن الجميع، فقد كان يهتم بكل شاردة وواردة، فكل شيء لديه كان ذو قيمة، أما أنا فقد كنت أدقق جميع حركاته بكل دقة، وكأنني في هذه اللحظة كنت أعيش في عالم آخر، وكأنه عالم تتساوى فيه جميع البشرية بحرية.

بعد الانتهاء من تناول العشاء، بدء الحوار الطويل بيننا وبين القائد، وسأل عن كل شيء بدقة متناهية، أما نحن قمنا بأجوبتها وقد ركز القائد عن وضع المنطقة الحدودية ووضع الشعب في المنطقة، ذاك الشعب الذي يضحي بكل ما يملك من الناحية المادية والمعنوية، كما سأل عن الوضع التنظيمي، ولأنني كنت المشرفة على الوضع التنظيمي في منطقة (برآف) أي نهر دجلة والحدود الشمالية لهذا وجه الأسئلة إليّ؟ ولكن مازال الهيجان مسيطر عليّ ونبرات صوتي غير طبيعية وارتجف، ورغم ذلك قمت بالتحليل والتقييم حول الأسئلة الموجهة إليّ من قبل القائد، وكان القائد يستمع دون أن يقاطعني وهنا لاحظ القائد ارتباكي وبات يدقق النظر إليّ من الرأس حتى أخمص القدمين، وبنظراته وكأنه بات يمنحني الراحة، خاصة تقربه من الفتيات حيث كان يفتح المجال ليتقدمن في جميع المجالات، حيث قال حينها:" يجب أن تكونوا أصحاب شخصيات قوية لكي تتمكنوا من تحليل الأوضاع والمسائل"، من ثم قام بتوجيه النقد للرفاق المناضلين على الحدود لتحركهم الغير السري، وسألهم القائد:" لماذا لا تهتمون بالسرية وهي الصفة الرئيسية في نضال الكريلا".

فبدأ حينها بالحديث عن أولئك الرفاق وأشار عليهم ببعض النقاط التي يتوجب التدقيق فيها، والأعمال التي يتوجب القيام بها، وبنفس الوقت كيفية حماية الرفاق وذاتهم، وقال القائد:" أن التغلغل بين صفوف العدو والوصول بسلامة إلى جبال الحرية تعبتر بالنسبة لنا نصف النجاح والنصر"، وفي الحقيقة حينها اندهشت من صبر وتحمل القيادة على الأمور التي تصعب علينا تحملها، صحيح أن القائد يتحدث ساعات عديدة ولكنه كان إلى جانب ذلك صاحب روية عظيمة في الاستماع للأخرين أيضاً، سواء كان كبيراً أو صغيراً، فقيراً أو غنياً، رجلاً أو إمرأة، فقد كان صاحب تلك القوة التي تجعله يستخرج المعاني من آراء الجميع ممن حوله، جدي في نضاله، مخلص للرفاقية ومحب للإنسانية.

وقبل الوداع قام القائد بالتصور مع الرفاق المناضلين على الحدود فرداً – فرداً، حينها تأثرت من هذا الموقف كثيراً، حتى حينها عاد وقال مجدداً للرفاق المناضلين على الحدود:" كونوا حذرين جداً في أعمالكم، إن نضالكم صعب ويتطلب التضحية، لا تستشهدوا مبكراً، قوموا بحماية ذواتكم، لأن الثوري يتوجب أن يعيش لأجل القيام بالأعمال العظيمة".

بعدها جاء دورنا للتصوير مع القائد ولكن القائد صور معنا على شكل مجموعة ولكنني اعترضت وقلت أني أريد التصوير منفرداً مع القيادة، فأبتسم القائد وقال:" أنتم هنا وسوف نتصور كثيراً"، حان وقت الوداع وودعنا القائد توديعاً حاراً على أمل اللقاء ثانية، أما اليوم نعمل نحن كمناضلات الحرية والمضحيات لأجل الفكرة الأوجلانية، وسوف نطبق شعار القائد ( الأمل أكثر قيمة من النصر) على أمل اللقاء فوق جبال الحرية.

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006