لغةُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ سياسية

        القائد عبد الله أوجلان             

 

مصطلحُ السياسةِ أيضاً مثلَ الأخلاق، فهي كلمةٌ طالما يَدورُ الجَدَلُ والسِّجالُ حولَ اصطلاحِها. معنى اللفظِ بسيطٌ ويَعُودُ في جذورِه إلى اليونانية. وإذ ما قلنا أنه فنُّ إدارةِ المدينة، فسوف يَكُونُ مفهوماً. لكنَّ البحثَ عن الحقيقةِ عبر الألفاظ أسلوبٌ ناقصٌ للغايةُ ويتخلى عن المرءِ في منتصفِ الطريق. فالمصطلحاتُ المعنيةُ بالطبيعةِ الاجتماعيةِ غامضةٌ جداً بشكلٍ عام. حيث قد تُشيرُ إلى الحقيقة، لكنها عاجزةٌ عن لَمِّ شملِها ورَبطِها ببعضها. ينبغي البحثَ عن الحقيقةِ فيما وراءَ المصطلحاتِ نوعاً ما. لكنّ هذا العملَ أيضاً غيرُ ممكنٍ إلا بفضلِ المصطلحاتِ مع الأسف. وهذا ما مفادُه أنّ ما يتبَقّى هو قوةُ التفسير. تحديدُ المعنى الجوهريِّ للسياسةِ بأنه فنُّ الحرية، قد يَكُونُ تعبيراً أفضل عن المَرام. أما الحريةُ بِحَدِّ ذاتها، فتعني الدُنُوَّ من الحقيقة. لا ريب أنه لدى استخدامِ مصطلحاتِ السياسةِ والحريةِ والحقيقة، فإنّ عنصرَ البحثِ الأساسيَّ لدينا هو المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ مرةً أخرى. وبصراحة، إني أتَجَنَّبُ الإيضاحاتِ الفرديةِ المِحور، والتي هي على مسافةٍ مما هو اجتماعي، أو تلك التي تتمحورُ أساساً حول مُكَوِّناتِ بحثٍ أخرى. ذلك أنّ اصطلاحاتِ الحربِ والصراعِ والاستغلال، التي تَكادُ تُرادِفُ اسمَ السياسة، تُزِيدُ من تَوَتُّري وقَلَقي. كما أنّ ما يُضاعِفُ التشاؤمَ أكثرَ فأكثر هو اعتبارُ السياسةِ Politika والشرطة Polis (التابعةِ للدولة) مرادِفَين لبعضهما.
تحقيقُ النفاذِ بنجاح من موضوعٍ وطيدٍ كالمَهَمَّةِ السياسيةِ ليس بالأمرِ اليسيرِ كما يَبدو. وبدلاً من عدمِ الشروعِ به، فإنّ تجربةٍ متواضعةً ستَكُونُ أفضل على صعيدِ النقاش، وبالتالي تطويرِ البحثِ بأقلِّ تقدير. إني على قناعةٍ بضرورةِ تحديدِ بعضِ الأعمالِ التي لا أَعتَبِرُها سياسةً قبلَ كلِّ شيء. أولُها؛ يجب الفهمَ جيداً أنّ شؤونَ الدولةِ ليست أعمالاً سياسية، بل أعمالٌ إدارية. فاعتماداً على الدولةِ لا تُمارَسُ السياسة، بل يُمارَسُ الحُكم. ثانيها؛ الشؤونُ التي لا تُعنى بمصالحِ المجتمعِ الحياتيةِ لا تُشَكِّلُ سياسةً أساسية. بل هي بمستوى الأعمالِ الروتينيةِ التي يُمكن تنفيذَها من قِبَلِ المؤسساتِ الاجتماعيةِ الأخرى. ثالثُها؛ الشؤونُ التي لا علاقةَ لها بالحريةِ والمساواةِ والديمقراطية، ليست معنيةً أساساً بالسياسة. بينما عكسُ هذه الشؤونِ هو المعنيُّ بالسياسةِ أساساً. أي: مصالحُ المجتمعِ الحياتية، مَعيشتُه وسيرورتُه، مَأمَنُه ومَأكَلُه، والحرياتُ والمساواةُ والديمقراطيةُ التي تُعَرقِلُها السلطةُ والدولة. مثلما يَتَّضِحُ هنا، فالشؤونُ السياسيةُ تختلف عن شؤونِ الدولة، بل ومتناقضةٌ معها لحدٍّ بعيد. في هذه الحالة، بقدرِ ما تَتَّسِعُ وتتكاثَفُ الدولة، فالسياسةُ تَضيقُ وتتراخى بالمِثل. فالدولةُ تعني القواعد، بينما السياسةُ تعني الإبداع. الدولةُ تَحكُمُ الجاهز، بينما السياسةُ تُبدِعُ وتُشَكِّلُ وتُدير. الدولةُ مِهنة، بينما السياسةُ فنّ.
علاقةُ السلطةِ مع السياسةِ أكثرُ غموضاً. وربما أنّ السلطةَ إنكارٌ للسياسةِ أكثر من الدولةِ ذاتِها. فالسلطةُ مستقرةٌ بين المجتمعِ أكثر من الدولةِ بكثير في كلِّ الأوقات. وهذا بدورِه ما يَدُلُّ على مدى صعوبةِ ومَحدوديةِ مُزاوَلةِ السياسةِ في المجتمع. وفي نهايةِ المآل، فعلاقةُ السياسةِ مع السلطةِ تَمُّرُ دوماً بالتَّوَتُّرِ والحزازياتِ والعمليات.
لا خَيارَ أمامنا سوى تناوُلِ الموضوعِ بشكلٍ ملموسٍ أكثر. ذلك أنه لا يبقى للسياسةِ معنى، ما دامت لا تتحولُ إلى ممارسةٍ عملية. لقد عَمِلنا على تحليلِها في العديد من المواضيعِ المعنيةِ بالمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. ولو أننا نَبذلُ جهودَنا لِعَدمِ الإفراطِ في التكرار، إلا أننا نصبحُ مُرغَمين عليه مرةً أخرى. المجتمعُ ظاهرةٌ أو طبيعةٌ سياسية، تماماً مثلما الحالُ في الأخلاقِ أيضاً. إنه سياسيٌّ بوصفِه طبيعةً اجتماعية، لا بمعنى نشاطاتِ الدولةِ الرسميةِ حسبَما يُعتَقَد. فإنْ كانت وظيفةُ الأخلاقِ ممارسةَ أفضلِ الأعمال، فوظيفةُ السياسةِ إيجادُ أفضلِ الأعمال. إذا ما انتَبَهنا، فالسياسةُ تَحمِلُ البُعدَ الأخلاقيّ، بل وما يتعدّاه أيضاً. فإيجادُ الأعمالِ الحسنةِ ليس سهلاً. بل يتطلب معرفةَ الأعمالِ على خيرِ وجه، أي يتطلبُ المعرفةَ والعلم، إلى جانبِ أنه يقتضي الإيجادَ، أي البحث. وإذ ما أُدرِجَ مصطلحُ الفاضلِ الحَسَنِ إلى ذلك، فإنه يتطلبُ معرفةَ الأخلاقِ أيضاً. كما يُلاحَظ، فالسياسةُ فنٌّ جدُّ عسير. والضلالُ الهامُّ المَوقوعُ فيه هو التفكيرُ بالسياسةِ بالتداخلِ مع المصطلحاتِ ذات الأحجامِ الكبيرةِ من قَبيلِ الدولة، الإمبراطورية، السلالة، الأمة، الشركة، والطبقة وغيرها. أي أنّ التفكيرَ بالسياسةِ بالتداخُلِ مع تلك، أو مع مثيلاتها من الظواهرِ والمصطلحاتِ قد يَحُطُّ من مستوى معناها. السياسةُ الحقيقيةُ مخفيةٌ في تعريفِها. إذ ما مِن مجموعةٍ اصطلاحيةٍ يُمكِنها إيضاحَ مصالحِ المجتمعِ الحياتيةِ سوى الحرية والمساواة والديمقراطية. إذن، والحالُ هذه، فالسياسةُ أساساً تعني ممارسةَ الحريةِ والمساواةِ والدَّمَقرَطَةِ في سبيل استمرارِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بماهيته تلك تحت كلِّ الظروفِ والشروط.
لا نَقصدُ ما قبلَ التاريخ لدى التحدثِ عن المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. بل نتحدث عن الحالةِ الطبيعيةِ المعاشةِ على الدوام للطبيعةِ الاجتماعية، والتي ستستمرُّ في سيرورتها ما دامَ وجودُ الطبيعةِ الاجتماعيةِ قائماً لَم يَنتهِ. ومهما تتمّ تَعرِيَتُه وإفناؤه وإفسادُه وتجزئتُه، فالمجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ سيظل موجوداً دائماً. إذ سيبقى قائماً، ما دامت الطبيعةُ الاجتماعيةُ قائمة. أما دورُ السياسة، فهو تصييرُه أكثرَ حريةً ومساواةً وديمقراطيةً بغيةَ تطويره أكثر فأكثر، دون إفناءِ هذا الوجود أو تعريضه للفساد والتجزئة. أما كلُّ مجتمعٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ يحيا وضعاً كهذا، فهو المجتمعُ الأفضل، ويعني تحقيقَ المجتمعِ المُبتَغى.
علينا مراجعةَ التاريخ مرةً أخرى، بغيةَ فهمِ مضمونِ المصطلحِ بشكلٍ أفضل. وستكونُ المدنيةُ مصطلحَنا الرئيسيَّ مجدَّداً من أجلِ هذا العمل، لا لاحتوائها على السلطةِ والدولةِ وحسب، بل ولأنه كلما زادت شبكاتُ الثقافةِ الأيديولوجيةِ والماديةِ المتزايدةُ اتساعاً وعمقاً على المجتمعِ باستمرار تأسيساً على المحور الطبقيِّ والمدينيِّ من حصارِها للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، كلما ضاقَ نطاقُ دورِ السياسة. أما ضيقُ دورِ السياسة، فسيجلبُ معه بدورِه تراجُعَ أو دحضَ الحريةِ والمساواةِ والدمقرطةِ الاجتماعية. وتاريخُ المدنيةِ مليءٌ بهكذا تطورات. ذلك أنّ تجذيرَ استعبادِ المجتمعِ الخاضعِ للحاكميةِ والهيمنةِ أكثرَ فأكثر، وفرضَ القِنانةِ والتحولِ البروليتاريِّ عليه تدريجياً، سوف يستمر بوجوده صوب الخارج، متحولاً إلى مرحلةٍ من فرضِ الخنوعِ والاستعمارِ والقمعِ على المجتمعاتِ الأكثر حريةً ومساواةً وديمقراطية. فقانونُ الربحِ الأعظميِّ لاحتكاراتِ رأسِ المالِ والسلطةِ يقتضي ذلك. وفي هذا الوضع، ستكتسبُ السياسةُ معناها بِصِفَتِها مقاومةَ عناصرِ ومُكَوِّناتِ الحضارةِ الديمقراطية. حيث، لا يمكن إنجاحَ أيةِ خطوةٍ على دربِ الحريةِ والمساواةِ والدمقرطةِ من دون مقاومة، مثلما يستحيلُ عرقلةَ إفناءِ وتجزئةِ وإفسادِ المستوى الأخلاقيِّ والسياسيِّ الموجود أكثر فأكثر، ولا يمكن إعاقةَ استعماره أو سدَّ الطريقِ أمام استغلالِ الاحتكاراتِ إياه. وتعريفُ السياسةِ بفنِّ الحريةِ يتأتى من دورها هذا الذي أَدَّته في التاريخ. فكلُّ طبقةٍ أو مدينةٍ أو شعبٍ أو قبيلةٍ أو جماعةٍ دينيةٍ أو قومٍ أو أمةٍ عاجزةٍ عن ممارسةِ السياسة، أو يُمنَعُ عليها مزاولتُها، إنما يعني أنّ الضربةَ الكبرى لَحِقَت بقوتِها في القولِ والإرادة. أما المكانُ الذي يغيبُ فيه القولُ والإرادةُ الجماعيةِ للمجتمع، فلا يسوده سوى صمتُ الموت.
كانت أثينا وروما في العصر القديم تنتهلان شهرتَهما من قوتهما السياسية. فإنْ كانت روما الجمهورية وديمقراطيةُ أثينا لا تزالان تُستَذكَران بإعجابٍ إلى الآن رغم كلِّ المحدوديات، فالعاملُ الأوليُّ في ذلك يُعزى إلى مزاولتهما سياسةَ المدينةِ بمهارةٍ كبرى. لقد تَمَكَّنَت أثينا بسياستِها المدينيةِ من مواجَهَةِ الإمبراطوريةِ البرسيةِ العملاقةِ وإلحاقِ الهزيمةِ بها. أما روما، فتمكنت من التحولِ إلى مركزٍ عالميٍّ بسياستها الجمهورية. والأهمّ من كل ذلك أنّ سياسةَ كلتا المدينتَين لَعِبَت دوراً مُعَيِّناً في تنامي الثقافةِ الإغريقيةِ – الرومانية.
مثالُ بابل أكثرُ لفتاً للأنظار. بل وربما بالمقدورِ عرضَه كأولِ مثالٍ عظيمٍ فيما يخص استقلاليةَ المدينةِ أو شبهَ استقلالها. إذ أَبدَت كلَّ مهاراتها وكفاءاتها في سياسةِ الاستقلالِ وشبهِ الاستقلال بهدفِ عدمِ الوقوعِ تحت نِيرِ قوى السلطاتِ والدولِ المجاورةِ الأقوى. واستطاعت الصمودَ بسياساتها البارعةِ هذه في وجهِ كلِّ الإمبراطورياتِ الشهيرةِ المُعاصِرةِ لها تاريخياً، بدءاً من الآشوريين إلى الحثيين، ومن الكاسيين إلى الميتانيين، ومن البرسيين إلى الإسكندر. ومن خلالِ العلمِ والفنِّ والصناعةِ التي طوَّرَتها، تَمَكَّنَت من التحولِ إلى مركزِ جذبٍ كأطولِ مدنيةٍ عمراً في عهدها (منذ 2000 ق.م. حتى السنين الميلادية). لا شك أنّ لسياسةِ المدينةِ التي اقتَدت بها دورُها المُحَدِّدُ في ذلك. ساطعٌ أنها تتصدرُ الأمثلةَ الملفتةَ للنظر، والتي تُبَرهِنُ كونَ السياسةِ حريةً وإبداعاً. هذا ويمكننا اعتبارَ قرطاجة وبالميرا ضمن الأمثلة التي مِن هذا القبيل. فمثلما صَمَدَت قرطاجةُ بسياستها في المقاومةِ ردحاً طويلاً من الزمن تجاه هيمنةِ روما، فقد استمرت بنمائها البارعِ أيضاً عبرها. لكنها لَم تَخلُصْ مِن تَكَبُّدِ الخسارةِ منذ أنْ تَشَبَّثَت بالتحولِ إلى إمبراطوريةٍ كروما. ذلك أنّ التحولَ إلى إمبراطورية أمرٌ معاكِسٌ لسياسةِ المقاومة، بل وهو إنكارُ السياسة. والنتيجةُ هي الخسرانُ المأساوي. بالميرا أيضاً شَهِدَت عهداً مشابهاً. فبالميرا الشهيرةُ، التي ربما تأتي بعدَ بابل في المنطقة على صعيدِ تَمَكُّنِها من النماءِ بالأكثر والبقاءِ مستقلةً أو شبهَ مستقلةٍ لأطولِ مدة (300 ق.م – 270م)، لَم تتخلصْ من مواجهةِ النهايةِ المأساوية، عندما تَخَلَّت عن سياستِها في التوازنِ وشبهِ الاستقلاليةِ تجاه الإمبراطوريتَين الرومانية والبرسية – الساسانية (خلال أعوام 270م في عهدِ مَلِكَتِها زنوبيا الذائعةِ الصيت). لقد سَرَدَت مأساةُ بالميرا للعيانِ كإحدى الأمثلةِ الضاربةِ للنظر أنّ المقاومةَ في سبيلِ الحريةِ تؤدي إلى النصر، بينما حبُّ السلطةِ يؤدي إلى الكارثة.
لقد طُبِّقَت سياساتُ المدينةِ شبهِ المستقلةِ الشبيهةُ بذلك بشكلٍ أكثر رواجاً في العصورِ الوسطى، وكأننا وجهاً لوجهٍ أمامَ عالَمِ نجومِ المدنِ البراقةِ الصامدةِ تجاه الإمبراطورياتِ العظمى. حيث تَصَدَّت مئاتُ المدن (من المحيطِ الهادي إلى المحيط الأطلسي، بل ووصولاً إلى القارةِ الأمريكية، ومن الصحراءِ الكبرى إلى سيبيريا) باسمِ سياسةِ شبهِ الاستقلالِ حتى درجةِ مَحوِها من صفحاتِ التاريخِ إنْ تَطَلَّبَ الأمر، وذلك في وجهِ الإمبراطورياتِ الإسلامية (الأموية، العباسية، السلجوقية، التيمورية، البابورية، والعثمانية) حتى إمبراطوريةِ جنكيزخان، ومن الإمبراطورياتِ المسيحية (بيزنطة، إسبانيا، النمسا، روسيا القيصرية، وبريطانيا) إلى الإمبراطورياتِ الصينية. ومدينةُ أوترار الصامدةُ تجاه جنكيزخان مثالٌ شبيهٌ بتصييرِ قرطاجة حقلاً سوياً بالأرض. فهي أيضاً قد صُيَّرَت حقلاً. هذا وبالمقدور سردَ مئاتِ الأمثلةِ بشأن مقاوماتِ المدنِ الأوروبيةِ الممتدةِ على مرِّ قرونٍ بحالها تجاهَ القوى الإمبراطوريةِ من جهة وتجاه مركزيةِ الدولتيةِ القوميةِ من جهةٍ أخرى. ونخص بالذكر المدن الإيطالية والألمانية التي من المعلوم بأفضلِ الأحوالِ أنها أبدت مقاومةً عظمى بغيةَ صونِ بُناها شبهِ المستقلةِ حتى أواسطِ القرنِ التاسعِ عشر. والبندقيةُ وأمستردام مثالان شهيران من بينها.
لكنّ إحرازَ الدولةِ القوميةِ النصرَ في كلِّ الأصقاعِ خلال القرنِ التاسعِ عشر، غدا ضربةً كبرى لَحِقَت بشبهِ استقلاليةِ المدينةِ المستمرّةِ على طولِ آلافِ السنين في التاريخ. لكنّ شبهَ استقلاليةِ المدائن انتَعَشَت ثانيةً مع ظاهرةِ ما وراء الحداثة، وبرزت سياسةُ المدينةِ إلى المقدمة.
لا توجد في التاريخ سياسةُ المدينةِ وحسب في وجه قوى المدنية، بل وثمة عددٌ لا حصر له من المقاومات التي أبدَتها المجموعاتُ الاجتماعيةُ البارزةُ وربما بما يُضاهي الأولى، بهدفِ بقائها قوةً سياسيةً شبهَ مستقلةٍ من قبيل القبائل والعشائر والجماعات الدينيةِ والمدارس الفلسفية وغيرها. وقد تَكُونُ قصةُ القبيلةِ العبريةِ بخصوصِ شبهِ الاستقلالية على مدى ثلاثةِ آلاف وخمسمائةِ عام بأكملها (1600 ق.م وحتى يومنا الراهن) من أشهرِ الأمثلة. إذ أدت سياسةُ شبهِ الاستقلالِ للقبيلةِ العبريةِ دوراً مُعَيِّناً في كونِ اليهودِ جدَّ أثرياء وجدَّ بارعين تاريخياً بل وراهناً بالأكثر. حيث ظَهَرَت مذاهبُ المقاومةِ الباسلةِ للغاية مقابلَ تحويلِ الدينِ الإسلاميِّ إلى وسيلةٍ للإمبراطوريةِ والسلطة. والمذهبان العَلَوِيُّ والخوارج إنما يَعكِسان سياساتِ الحياةِ شبهِ المستقلةِ للقبائل والعشائر. وانطلاقاتُ المذاهبِ المعارِضةِ للسيادةِ السُّنِّيَّةِ وتقاليدِ السَّلطَنَة، والمُشاهَدَةُ برواجٍ شائعٍ في بنيةِ كلِّ قوم، ليست في مضمونها سوى محصلةٌ لسياساتِ شعوبِ العشائر والقبائل المتطلعةِ إلى المقاومةِ والحرية. إنها ضربٌ مِن أولى حركاتِ الشعوبِ في الحريةِ والاستقلالِ في وجهِ استعمارِ الإسلامِ السُّنِّيّ. هذا ويوجد عدد جمٌّ من مذاهِبِ المقاومةِ الشبيهةِ في المسيحيةِ والموسويةِ أيضاً. وقد حَفِلَت العصورُ الوسطى على طولِ مسارها بهكذا نضالاتٍ محليةٍ ومدينيةٍ وقبائليةٍ وكجماعاتٍ دينيةٍ في سبيلِ سياسةِ الحريةِ وشبهِ الاستقلال. فحياةُ الأديرةِ المُقاوِمةٍ على مدى ثلاثةِ قرونٍ برمتها بمنوالٍ شبهِ خَفِيٍّ لأولى الجماعاتِ المسيحيةِ قد أدت دوراً رئيسياً في تهيئةِ أرضيةِ المدنيةِ المعاصرة. كما أن سياساتِ شبهِ الاستقلالِ للمدارسِ الفلسفيةِ اليونانيةِ في العصورِ القديمةِ لعبت دورها في إعدادِ بنيةِ العلمِ الأوليّة. والشعوبُ والأممُ البالغةُ يومَنا الحاضرَ مَدينةٌ بهذه الحقيقةِ بالأكثر لأسلافِها من القبائلِ والعشائرِ المقاوِمةِ لمئاتِ بل وآلافِ السنين على ذرى الجبالِ وفي أواسطِ الصحارى والبوادي.
وما حركاتُ التحررِ الوطنيِّ في التاريخِ المعاصرِ سوى استمرارٌ لتلك التقاليد. حيث أنّ الهدفَ الذي هَرَعَت جميعُها وراءَه هو الاستقلالُ السياسيّ، وإنْ كان مُحَرَّفاً على شكلِ دولةٍ مستقلة. أما تحريفُ الليبراليةِ للاستقلالِ السياسيِّ بتحويله إلى استقلالِ الدولةِ القوميةِ المزيف، فيعني الاستمرارَ بتقاليدِ مقاومةٍ سياسيةٍ جدِّ هامة، بالرغمِ من كبحِها جماحَ السياسةِ عن أداءِ وظيفتِها الحقيقية.
لَطالما تواجد سياساتُ شبهِ الاستقلالِ المحليةُ والإقليميةُ تاريخياً، ولعبت دوراً هاماً في الاستمرارِ بوجودِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. إنّ الشعوبَ والأممَ التي تعيشُ على شاكلةِ مجتمعٍ قبائليٍّ أو عشائريٍّ أو قرويٍّ أو مدينيٍّ ضمن جغرافيا متراميةِ الأطرافِ للغاية على وجهِ الكرةِ الأرضية، وعلى رأسها الجبال والبوادي والمناطق الغاباتية؛ قد أبدت مقاوَماتِها المتواصلةَ تجاه قوى المدنيةِ من خلالِ سياساتِها في الاستقلالِ وشبهِ الاستقلال. لهذا السببِ بالذات نقولُ أنّ التقاليدَ الكونفدراليةَ الديمقراطيةَ هي الطاغيةُ بالأكثر تاريخياً. ونقول أنّ الميولَ السائدةَ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ هي المقاومةُ، لا الخنوع. ولو لَم يَكُ الأمرُ كذلك، لَكانت الدنيا كعالَمِ مصرِ فرعون. من المحالِ علينا تفسيرَ التاريخِ بشكلٍ صحيح، دون العلمِ أنه لَم تَبقَ منطقةٌ أو محلٌّ يتواجدُ فيه ولو إنسانٌ واحدٌ، إلا وتَواجَدَت فيه المقاومةُ والسياسة. وإذ ما كانت شعوبُ أمريكا اللاتينيةِ وأفريقيا وآسيا لا تنفكُّ تُقاوِمُ وتتصدى بكلِّ ألوانِها وأطيافِها وثقافاتِها، فهذا ما مفادُه أنّ تواريخَها أيضاً كذلك. ذلك أنّ التاريخَ هو "الآن".
لَم تَصُن البشريةُ وجودَها وكرامتَها بإبداءِ المقاومةِ السياسيةِ في التاريخِ على مستوى المجتمعِ والمنطقةِ الجغرافيةِ فقط، بل وشَهِدَت الشخصياتِ السياسيةَ المقاوِمةَ على الصعيدِ الشخصي، والتي أحياناً ما كان لها وزنُها المماثلُ لشأنِ الأمة. التاريخُ مليءٌ بهكذا أمثلة. إذ ثمة عددٌ لا حصرَ له من الأناسِ الأفراد الذين قاوَموا حتى الموت بغيةَ البقاءِ أحراراً مُكَرّمين، بدءاً من بوذا إلى سقراط، ومن زرادشت إلى كونفوشيوس؛ وكذلك جميعُ الأنبياءِ الذين يَذكرُهم الكتابُ المقدسُ بما يُضاهي 120 ألف شخصاً، والذين استمروا على شكلِ حلقاتٍ متواصلةٍ ابتداءاً من سيدنا آدَم إلى نوح وأيوب ، ومن إبراهيم إلى موسى، وصولاً إلى عيسى ومحمد؛ كذا بدءاً من الإلهةِ إينانا إلى سيدتنا عائشة ، ومن زنوبيا إلى هيباتيا ، ومن كيبالا إلى مريم، ومن النساءِ العنيدات (المشعوذات) إلى زينب وصولاً إلى روزا، ومن برونو إلى أراسموس. وإذا كان المجتمعُ لا يزال قائماً أخلاقياً وسياسياً حتى اليوم، فلا شك أنه مَدِينٌ بالكثيرِ من القِيَمِ إلى أولئك الأفراد. ففي حال العكس، لَما كان سيَكُون ثمة فرقٌ بينه وبين قطيعِ العَبيد.
لا ريب أنّ تفسيرَ السياسةِ في راهننا أكثرُ أهميةً بكثير، لكن، ورغمَ ذلك، من المحالِ علينا تفسيرَ السياسةِ دون تبيانِ كونِ التاريخِ يَستمرُّ بوجوده في اليومِ الحاضرِ بالأغلب. وفيما يخصُّ تضييقَ نطاقِ السياسة، نُشَدِّدُ بإصرارٍ على أنّ ما قامَت به المدنيةُ قد استمرَّت به الحداثةُ الرأسماليةِ بمُضاعفتِه ألفَ مرة. وإذ ما تَذَكَّرتُ تحليلاتنا بشأنِ الدولةِ القومية، فقد كنتُ أَكَّدتُ فيها على أنّ المجتمعَ العصريَّ لا يعيش فقط هيمنةَ الدولةِ من الأعلى، بل وبات منفتحاً حتى جميعِ مساماتِه الحياتيةِ أمام تأثيراتِ أجهزةِ السلطةِ واستيلائها واستعمارها. من المهمِّ بمكان الإدراكَ أنّ المجتمعَ حُوصِرَ واستُعمِرَ وغُزِيَ عبر هذا الواقعِ على الصعيدِ الكوني. وسأكتفي فقط بالتذكيرِ بكيفيةِ شيوعِ أجهزةِ هيمنةِ الثقافةِ الأيديولوجيةِ والمادية. إنه وضعٌ جديد. وسواءً أطلَقنا عليه اسمَ الهيمنةِ العالميةِ بامتياز، أو أَسمَيناه بالإمبراطوريةِ أو بنظامِ هيئةِ الأمم المتحدة؛ فلن يتغيرَ من المضمونِ شيء. علاوةً على أننا كُنّا نَوَّهنا إلى كونِ الرأسمالِ الماليِّ قد تَرَكَ بصماتِه على الهيمنةِ الكونية، وإلى أنه ثمة الأزمةُ الكونيةُ المُمَنَهَجَةُ والبنيويةُ التي اكتسَبَت السيرورة.
إننا مُضطَرُّون للتحقيقِ فيما إذا كانت السياسةُ قادرةً أم لا على أداءِ أيِّ دورٍ كان، لدى التساؤلِ عما تَبَقَّى من المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ في ظلِّ هذه الشروط. ونُلاحظُ أنه لَطالما تَسُودُ السلبياتُ وتتمُّ الإصابةُ بخيبةِ الأمل، عند النظرِ إلى اللوحةِ القائمة. وفي هذه النقطةِ بالذات، بمستطاعنا الاستنباطَ من التحقيقِ السياسيِّ العميقِ للوضعِ بأنّ طغيانَ السلبياتِ والإصابةَ بخيبةِ الأمل ليس في غيرِ مَحَلِّه فحسب، بل ولا معنى له أيضاً في الوقت عينه. وكما هو معلومٌ وشائع، فللنزعاتِ والميولِ وأنسابِ الموجاتِ (الحقيقة الكونية المطلقة) نقاطُها الكبرى والصغرى. وكلُّ المؤشراتُ تَدُلُّ على أنّ الحالةَ القائمةِ لسلطةِ المدنيةِ والحداثةِ قد انتقلتَ من النقطةِ القصوى صوب الانحدار والتهاوي منذ زمنٍ بعيد. فالسلطةُ المتناثرةُ في المجتمعِ تَفقد قوتَها، تماماً مثلما تَفقدُ موجةٌ ما وزنَها. وكيفما أنّ صخرةً كبيرةً تَهوي من الذروةِ لتتناثرَ في القاعِ وتَخسرَ وزنَها، فالسلطةُ الساقطةُ حتى أدنى مساماتِ المجتمع، والمتناثرةُ فيها تَفقدُ وزنَها بالمِثْل.
بالإمكان تحليلَ المعنى السوسيولوجيّ لهذه الحقيقة. فبقدرِ ما تنتشِرُ السلطةُ بين جميعِ وحداتِ ومُكَوِّناتِ وأفرادِ المجتمع، فإنّ الوحداتِ والأفرادَ يشرعون حينها بالمقاوَمةِ بنفسِ القدر. ذلك أنّ السلطةَ دياليكتيكياً تخلق المقاومةَ في كلِّ وحدةٍ وفردٍ تتسلَّلُ فيه. حيث عندما تستند إلى كلِّ وحدةٍ وفردٍ وهي مشحونةٌ بالقمع والاضطهادِ والتعذيب، فإنّ عدمَ ملاحَظةَ المقاومةِ تجاهها أمرٌ مخالفٌ لحقيقةِ سياقِ الطبيعةِ الكونيّ. وحقيقةُ السلطةِ العصريةِ اختلفَت للغاية عن حقيقةِ سلطةِ أيِّ عصرٍ تاريخيٍّ آخر. فشبكاتُ الرأسماليةِ المُسَلَّطَةُ على اقتصادِ العالمِ بأكمله كاحتكاراتِ رأسِ المال، قد أَكمَلَت انتشارَها بالمستوى الذي يُخَوِّلُها لكسبِ الربحِ الأعظمي، ولَم تَبقَ زاويةٌ واحدةٌ لِتَنتَشِرَ فيها. فضلاً عن أنه إذ ما وَضَعنا الأزمةَ الأيكولوجيةَ أيضاً في الحُسبان، فسنرى أنها لَم تَترُكْ أُسرَةً أو كلاناً واحدةً فقط إلا وتَغلغَلَت فيها حتى الأعماق. ونتائجُ القوانين ذاتِ الطابعِ الرأسماليِّ للصناعويةِ وَصَلَت بالدمارِ الذي خَلَقَته في بنيةِ المجتمعِ الداخليةِ والمحيطةِ به إلى المستوى الكارثيّ. والدولةُ القوميةُ لَم تَتركْ ولو مُواطِناً واحداً إلا وتَسَلَّلَت فيه وبَسَطَت هيمنتَها عليه كقوةٍ إلهيةٍ هي الأعتى تاريخياً. ما مِن عهدٍ مثيلٍ لهذا في التاريخ. وأنطوني غيدنز مُحِقُّ في هذه النقطةِ لدى قوله بانعدامِ النظير.
مقابلَ واقعِ السلطةِ هذا (الرأسمالية، الصناعوية، والدولة القومية)، فالسياسةُ أيضاً مُرغَمةٌ على الاختلافِ بما لا مثيلَ له في أيِّ عهدٍ تاريخيٍّ آخر، باعتبارها قطباً مضاداً. وبما أننا لَم نَعِشْ عصرَ ما قبلَ المدنيةِ وما بَعدَها، فبُنيةُ السياسةِ الخاصةُ بالحداثةِ مُرغَمةٌ هي أيضاً على إحرازِ الاختلاف. وإذ ما صِغنا الأمرَ بإيجاز، فالسياسةُ مضطرَّةٌ للتواجدِ في كلِّ مكان، نظراً لأنّ أجهزةَ السلطةِ سائدةٌ في كلِّ مكان. وبما أنّ السلطةَ تَرتَكِزُ إلى كلِّ وحدةٍ وعنصرٍ وفردٍ اجتماعيّ، فينبغي على السياسةِ أيضاً الارتكازَ إلى كلِّ وحدةٍ وعنصرٍ وفرد.
ضرورةُ تَكَوُّنِ وانتشارِ الأجهزةِ السياسيةِ المقابِلةِ لأجهزةِ السلطةِ في جميعِ مُستَوِيَّاتِ المجتمعِ أمرٌ مفهوم. وساطعٌ استحالةَ مُواجَهَتِها بالبُنى التنظيميةِ من النوعِ القديم. علماً بأنّ نماذجَ التنظيمِ القديمةَ كانت مُتَمحوِرَةً حولَ الدولة. وعلى السياسةِ أولاً البدءَ بمُواجَهةِ السلطةِ كمقاوَمة. فبما أنّ السلطةَ تَعمَلُ على غزوِ وفتحِ واستعمارِ كلِّ مُكَوِّنٍ وفردٍ اجتماعيّ، فالسياسةُ أيضاً تسعى لاكتسابِ وتحريرِ كلِّ مُكَوِّنٍ وفردٍ تَرتَكِزُ إليهما. وباعتبارِ أنّ كلَّ علاقةٍ مُكَوِّناتيةٍ أو فرديةٍ هي سلطوية، فهي سياسيةٌ أيضاً بالمعنى المضادّ. ونظراً لكَونِ السلطةِ تُوَلِّدُ الأيديولوجيةَ الليبراليةَ والصناعويةَ والرأسماليةَ والدولةَ القومية، فعلى السياسةِ أيضاً إنشاءَ أيديولوجيةِ الحريةِ والصناعةِ الأيكولوجيةِ والمجتمعِ الكومونياليِّ والكونفدراليةِ الديمقراطية. وبِحُكمِ أنّ السلطةَ تُنَظِّمُ ذاتَها في كلِّ فردٍ ومُكَوِّنٍ ومدينةٍ وقرية، وكذلك على الأصعدةِ المحليةِ والإقليميةِ والقوميةِ والقاريةِ والكونية؛ فالسياسةُ أيضاً يجب أنْ تَنتَظِمَ على الصُّعُدِ الفرديةِ والمُكَوِّناتيةِ والمدينيةِ والمحليةِ والإقليميةِ والقوميةِ والقاريةِ والكونية. وبما أنّ السلطةَ تَفرضُ الدعايةَ وشتى أنواعِ الممارساتِ (بما فيها الحروب) في كلِّ تلك المستويات، فالسياسةُ أيضاً مُرغَمةٌ بالضرورة على فرضِ الدعايةِ وأشكالِ الممارساتِ ضمن جميعِ تلك المُستَوِيّات.
لا يمكننا العملَ بشكلٍ صحيحٍ على أيةِ وظيفةٍ سياسية، ما لَم نَتَعَرَّفْ بنحوٍ سليمٍ على واقعِ السلطةِ ذاك، والذي سَعَينا لتعريفه بالخطوطِ العريضةِ للحداثة. لِنَتَذَكَّرْ التجربةَ السوفييتية، بل وحتى أطوارَ الاشتراكيةِ المشيدةِ الأسبقَ منها. فمقابلَ الرأسماليةِ هناك ميولُ النقاباتِ العُمّالية (شِحادةُ الأَجر)، ومقابلَ الصناعويةِ هناك الصناعويةُ الأكثرَ تطوراً، ومقابلَ الدولتيةِ القوميةِ المركزيةِ هناك الدولتيةُ القوميةُ المركزيةُ الأكثر تَطوراً. وباختصار، فالسلطةُ مقابلَ السلطة، والنارُ مقابلَ النار، والديكتاتوريةُ مقابلَ الديكتاتورية، ورأسماليةُ الدولةِ مقابلَ الرأسماليةِ الخاصة، وما شابه ذلك؛ إنما تَكُونُ في نهايةِ المآلِ قد تَفَسَّخَت داخلياً تحت وطأةِ أجهزةِ السلطةِ العملاقةِ التي لا تُطاق. ومذهبُ الاشتراكيةِ المشيدة (الرأسمالية اليسارية) لَم يُمارِسْ السياسةَ فقط تجاه السلطةِ من خلالِ هذا السبيل، بل وطَبَّقَ السلطةَ أيضاً مقابلَ السياسة. وقراءةُ تاريخِ حزبهم تكفي لرؤيةِ ذلك. في حين أنّ المذهبَ الديمقراطيَّ الاجتماعيّ (رأسمالية الخطِ الوسط) قام بإصلاحِ السلطةِ مُعَزِّزاً إياها أكثر. وقراءةُ التاريخِ الحزبيِّ للأمثلةِ الأوروبيةِ تكفي لرؤيةِ ذلك. أما مذهبُ الحركاتِ التحرريةِ الوطنية (الرأسمالية اليمينية)، فتحَوَّلَ إلى دولةٍ قوميةٍ على الفور، ليؤديَ دوراً رئيسياً في نشرِ الرأسماليةِ في أرجاءِ العالَم. كنتُ قد فَسَّرتُ سابقاً المضادّين الآخَرين للنظام، والباقين خارجَ نطاقِ هذه المذاهبِ الثلاثة. تتجسدُ أخطاءُهم ونواقصُهم الجديةُ للغاية في أنهم إما تَشَبَّثوا بجزءٍ من السلطة (بالدولةِ القومية) تجاه السلطةِ ذاتها، أو تَرَكوا الميدانَ خاوياً كلياً مقابلَ السلطة (وبالأخص الفوضويون)، أو أنهم تماطلوا وتَلاهَوا بمنظماتِ المجتمعِ المدني. وأيٌّ منهم لا يحتوي على الوعيِ الممنهَجِ للسلطةِ أو على مهارةِ إبداعِ السياسةِ البديلة، بل ولا يَرَون داعياً لذلك. وبينما يَتَخَلّون عن السياسةِ بكلِّ أبعادِها لِوُسَطاءِ السلطة، فهم غافِلون عن كونهم يَقولون آمين لدعاءٍ لا أساسَ له. وما يتبقى من الأمرِ هو الوساطةُ المستفيدةُ من أزمةِ الرأسماليةِ والكونيةِ المطلقة، وهذا ما ليس بدواءٍ ناجعٍ، ولا يمكن أنْ يَكُونَ كذلك في أيِّ مكانٍ كان.
لغةُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ سياسية. وكل بُناها النظاميةِ تَرسُمُها وتُنشِئُها بالفنِّ السياسي. فماهيةُ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ للعلومِ الأساسيةِ تُذَكِّرُ بالسياسةِ، لا السلطة. والواقعُ الذي يحياه المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ في راهننا، أي قضيتُه الأولى بشأنِ الحريةِ والمساواةِ والدمقرطة، إنما هي قضيةٌ وجودية. ذلك أنّ وجودَه مُحاقٌ بالخطر. فهجماتُ الحداثةِ المتعددةُ الاتجاهاتِ تقتضي منه صَونَ وجودِه قبلَ أيِّ شيءٍ آخر. وجوابُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ إزاءَ تلك الهجمات، هو المقاومةُ بمعنى الدفاع الذاتي. إذ يستحيلُ ممارسةَ السياسةِ دون الدفاعِ عن المجتمع. عليَّ التشديدَ مجدداً على أنّ المجتمعَ واحدٌ، ألا وهو المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي. والقضيةُ تتجسد أولاً في إعادةِ إنشاءِ المجتمع، الذي أَفنَته السلطةُ والدولةُ لِحَدٍّ بعيد وعَرَّضَتاه للاستيلاءِ والاستعمارِ والاضطهاد، وذلك ضمن ظروفِ العصرانيةِ الأكثر تطوراً ونماء. والسياسةُ الديمقراطيةُ إلى جانب الدفاعِ الذاتيِّ تُشَكِّلُ جوهرَ السياسةِ المرحلية. حيث، وبينما تُطَوِّرُ السياسةُ الديمقراطيةُ المجتمعَ الأخلاقيَّ والسياسيّ، فالدفاعُ الذاتيُّ يَحفَظُه ويَصُونه تجاه هجماتِ السلطةِ التي تستهدفُ وجودَه وحريتَه وبُنيتَه المرتَكزةَ إلى المساواةِ والديمقراطية. إننا لا نتحدثُ عن حربٍ تحريريةٍ وطنيةٍ من نوعٍ جديد، ولا عن حربٍ اجتماعية. بل نتكلمُ عن صونِ هويته وحريته، والدفاعِ عن مساواتِه ودمقرطتِه تأسيساً على الفوارق والتبايُن. وفي حالِ عدمِ وجودِ الهجوم، فلن يَبقى داعٍ للدفاعِ أيضاً.
شكلُ الحياةِ السياسيةِ للقوى المضادةِ للمدنية، والتي تُشَكِّلُ الاتجاهَ الأساسيَّ في التاريخ، إنما هو كونفدراليّ.
لن تَقبَلَ كلُّ المُكَوِّناتِ الاجتماعيةِ الارتباطَ ببعضِها بعضاً بروابطَ رخوة، إلا بشرطِ إبداءِ الاحترامِ لشبهِ استقلاليتِها. بل ولن تَرضى بوجودِ قوى المدنيةِ السلطويةِ والدولتيةِ إلا بهذا الشرط. والظروفُ التي يَغيبُ فيها الرضى، تعني حالةَ الحربِ الدائمة. بينما عند الرضى يتحققُ السلام. مبدأُ الإدارةِ الاجتماعيةِ التي تُقابِلُ ظاهرةَ السلطةِ وبنيةَ الدولةِ القوميةِ اللتَين شَمَلَتا واحتَوَتا المجتمعَ برمته في العصرِ الحديث، يتمثل في السياسةِ والكونفدراليةِ الديمقراطية. وبينما تُمارَسُ السياسةُ كسياسةٍ ديمقراطية، فإنّ كلَّ المُكَوِّناتِ الاجتماعيةَ تُساهِمُ في سياقِ المرحلةِ الكونفدراليةِ كقوةٍ فيدرالية. هذا النظامُ عالَمٌ سياسيٌّ جديد. فبينما تَحكُمُ المدنيةُ والحداثةُ بالأوامر على الدوام، فالحضارةُ والعصرانيةُ الديمقراطيتان تُنَفِّذان إدارتَهما بممارسةِ السياسةِ فعلاً عن طريقِ النقاشِ والوفاق. ومهما تُحَرَّف حقائقُ التاريخِ والحاضرِ أو تُطمَس، فالتطوراتُ الاجتماعيةُ الأوليةُ قد حُقِّقَت تحت كنفِ ريادةِ فنِّ السياسة. وبينما تَجهَدُ الرأسماليةُ للحفاظِ على سلطتِها ضمن ظروفِ الأزمة الكونيةِ بناءً على إعادةِ إنشاءِ الدولةِ القومية، فالمَهَمَّةُ الأساسيةُ لكافةِ قوى العصرانيةِ الديمقراطيةِ في الردِّ على الأزمة تَكمُنُ في تطويرِ النظامِ الكونفدراليِّ الديمقراطيِّ الهادفِ إلى صونِ وتطويرِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي.
على ضوءِ هذه الإيضاحات، من الممكنِ عرضَ المبادئِ العامةِ بشأنِ المهامِّ السياسيةِ لقوى العصرانيةِ الديمقراطيةِ باقتضاب وفق النقاطِ التالية:

1- الطبيعةُ الاجتماعيةُ تَكوينٌ ووجودٌ أخلاقيٌّ وسياسيٌّ أساساً. وما دامت المجتمعاتُ مستمرةً بوجودها، فماهياتُها الأخلاقيةُ والسياسيةُ أيضاً مستمرة. والمجتمعاتُ المفتقِدةُ لماهيتِها الأخلاقيةِ والسياسيةِ محكومٌ عليها بالتبعثرِ والتفسخِ والفناء.

2- تَصَوُّرُ المجتمعاتِ ضمن أشكالٍ متقدمةٍ على خطٍّ مستقيمٍ على شكلِ المجتمعِ البدائيّ، العبودي، الإقطاعي، الرأسمالي فالاشتراكي؛ إنما يَخدمُ تحريفَ وطمسَ حقائقها، بدلاً من المساهمةِ في فَهمِها. هكذا إيضاحاتٌ مشحونةٌ بالدعاية. ذلك أنّ الطابعَ الأساسيَّ للمجتمعِ هو الماهيةُ الأخلاقيةُ والسياسية، والأصحّ هو نعتُ المجتمعاتِ بموجبِ مدى وجودِها. وسواءً الماهياتُ الطبقيةِ وماهياتُ الدولة، أو مستوياتُ النماءِ الصناعيِّ والزراعي، لا تُشَكِّلُ الطابعَ الأساسيَّ للمجتمع، بل هي بمثابةِ ظواهر مؤقتة ووقتية.

3- تتولَّدُ المشكلةُ الاجتماعيةُ بالارتباطِ مع تَحَكُّمِ واستغلالِ السلطة. فكلما تصاعدَت السلطةُ والاستغلال، تَصاعدت معها القضايا الاجتماعيةُ أيضاً. أما الدولُ المبنيةُ على الطبقات، والمفروضةُ كأدواتِ حَلّ؛ فإلى جانبِ آفاقِها المحدودةِ في الحل، فهي تتحولُ أساساً إلى منبعٍ للقضايا الجديدة.

4- السياسةُ وسيلةُ الحلِّ الاجتماعيِّ الأساسية، ليس لحلِّ القضايا الاجتماعيةِ فحسب، بل ولتحديدِ جميعِ المصالحِ الحياتيةِ والحيوية، وصَونِها وتأمينِ سيرورتِها أيضاً. فالدفاعُ الذاتيُّ ضروريٌّ للدفاعِ عن المجتمعِ وحمايته كاستمرارٍ للسياسةِ كقوةٍ عسكرية.

5- كلما عَملَت المدنياتُ على إدارةِ المجتمعِ عبر حُكمِ الدولةِ طيلةَ سياقِ التاريخ، كلما ضاقَ نطاقُ فعاليةِ السياسةِ ضمنه. وما دامت المجتمعاتُ قائمةً، فهي تَرُدُّ على تضييقِ نطاقِ الفعاليةِ ذاك بالمقاومة. والتاريخُ تحت ظلِّ هذَين العامِلَين الأساسيَّين لا يُعتَبَرُ حُكمَ المدنيةِ كلياً، ولا إدارةً سياسيةً ديمقراطيةً كلياً. والصراعاتُ الموجودةُ في التاريخِ تنبعُ من الطوابعِ المتناقضةِ لهذَين العامِلَين الأساسيَّين.

6- تتحققُ عهودُ السلامِ في التاريخِ باعترافِ قوى المدنيةِ والقوى الديمقراطيةِ ببعضها البعض، وبإبداءِ الاحترامِ المتبادَلِ للهوياتِ والمصالح. بينما الصراعاتُ والهُدناتُ المُخاضةُ في سبيلِ السلطةِ لا علاقةَ لها بالسلام.
7- تُحاصِرُ السلطةُ المجتمعَ بأكمله داخلياً وخارجياً في عهدِ الحداثةِ الرأسمالية، مُحَوِّلةً إياه إلى ضربٍ من المُستَعمَرةِ الداخلية. السلطةُ وكذلك الدولةُ القوميةِ بوصفها صياغةَ الدولةِ الأساسية، تَخُوضُ حرباً دائمةً ضدّ المجتمع. وسياسةُ المقاوَمةِ تَنتهِلُ منبَعَها من هذا الواقع.

8- حالةُ الحربِ الشاملةِ تلك التي تُعلِنها الحداثةُ الرأسماليةُ تجاه المجتمع، تَجعلُ من بديلِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ أكثر عاجليةً وضرورة. وباعتبارِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ وجوداً لقوى الحضارةِ الديمقراطيةِ في راهننا، فهي ليست ذكرى من العصر الذهبيِّ الماضي، ولا يوتوبيا متعلقةٌ بالمستقبلِ الآتي. بل هي وجودُ وموقفُ كافةِ مُكَوِّناتِ ووحداتِ وأفرادِ المجتمع، والذين يتناقضُ وجودُهم ومصالحُهم مع النظامِ الرأسمالي.

9- ظلت نضالاتُ القوى المضادةِ للنظامِ عقيمةً وفاشلةً خلالَ القرنَين الأخيرَين، إما بسببِ إرشاداتِ السلطةِ التي حَمَلوها، أو لِتَركِها الميدانَ السياسيَّ فارغاً. وهي غيرُ قادرةٍ على تشكيلِ بديلٍ مضادٍّ للحداثةِ ذاتِها أو للأزمةِ الممَنهَجةِ من خلالِ الذهنيةِ القديمةِ وبُناها.

10- البديلُ ممكنٌ فقط بتطويرِها نظامَها تجاه الرأسماليةِ والصناعويةِ والدولةِ القومية، والتي تُشَكِّلُ دعائمَ الحداثةِ الثلاثية. هذا وبالمقدورِ اقتراحَ المجتمعيةِ الديمقراطيةِ والصناعةِ الأيكولوجيةِ والكونفدراليةِ الديمقراطيةِ تحت اسمِ العصرانيةِ الديمقراطية من حيثُ وصفِها مضادةً للنظام. كما أنّ التقاءَ القوى المضادةِ للنظامِ مع ميراثِ الحضارةِ الديمقراطيةِ ضمن إطارِ نظامٍ جديدٍ يُزِيدُ من فرصةِ النصرِ والنجاح.

11- الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ شكلٌ سياسيٌّ أساسيٌّ للعصرانيةِ الديمقراطية، وتُعَبِّرُ عن دورٍ حياتيٍّ في نشاطاتِ إعادةِ الإنشاء. وبدلاً من كونِها وسيلةَ الحلِّ للحداثةِ الرأسمالية، فالكونفدراليةُ الديمقراطيةُ وسيلةُ السياسةِ الديمقراطيةِ الأنسب لصياغةِ الحلِّ باعتبارِها الشكلَ السياسيَّ الأوليَّ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ التي تُشَكِّلُ خَياراً مُقابِلاً للدولةِ القوميةِ التي تُعَدُّ صياغةَ الدولةِ الأساسيةِ المُوَلِّدَةِ للقضايا على الدوام.

12- تتحقَّقَ الحريةُ ومستجداتُ المساواةِ والديمقراطيةِ المَبنيةِ على أساسِ التباينِ والفوارقِ بأفضلِ وأَسلَمِ السبلِ في المجتمعاتِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ التي تَسُودُها السياسةُ الديمقراطية. ذلك أنّ الحريةَ والمساواةَ والديمقراطيةَ غيرُ ممكنةٌ إلا بقوةِ النقاشِ والقرارِ والممارسةِ التي يُنَفِّذُها المجتمعُ عبرَ قوتِه الوجدانيةِ والذهنيةِ الذاتيةِ الجوهرية. ولا يُمكِنُ تحقيقَ ذلك بأيةِ قوةٍ من الهندسةِ الاجتماعية.

13- تَعرضُ الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ خَيارَ الأمةِ الديمقراطيةِ كوسيلةِ حلٍّ أساسيةٍ تجاه القضايا الأثنيةِ والدينيةِ والمدينيةِ والمحليةِ والإقليميةِ والقوميةِ الناجمةِ عن نموذجِ المجتمعِ الفاشيِّ النمطيِّ المتجانسِ ذي اللونِ الواحدِ والمُتَكَشِّفِ عن تراصٍّ وتناغمٍ كليّ، والمُسَيَّر بِيَدِ الحداثةِ عن طريقِ الدولةِ القومية. كلُّ أثنيةٍ ومفهومٍ دينيٍّ ومدينةٍ وواقعٍ محليٍّ أو إقليميٍّ أو قوميٍّ له الحقُّ في احتلالِ مكانه ضمن الأمةِ الديمقراطيةِ بهويتِه الذاتيةِ وبُنيتِه الفيدراليةِ الديمقراطية.

14- بديلُ الاتحادِ العالميِّ للأممِ الديمقراطيةِ إزاءَ هيئةِ الأممِ المتحدةِ هو الكونفدراليةُ العالَميةُ للأممِ الديمقراطية. هذا وبمستطاعِ الأجزاءِ القاريةِ والمناطقِ الثقافيةِ الكبرى تَشكيلَ كونفدرالياتِ الأممِ الديمقراطيةِ العائدةِ لها على المستوى الأدنى. وبالإمكانِ اعتبارَ الاتحادِ الأوربيِّ خطوةً أولى في هذا المنحى إنْ لَم يَسلُكْ سلوكَ الهيمنة. هكذا يتم تناوُلُ الانطلاقاتِ المضادةِ للسلطةِ المهيمنةِ كونياً وإقليمياً وفق هذا الإطار.

15- بمقدورِ قوى الحداثةِ الرأسماليةِ وقوى العصرانيةِ الديمقراطيةِ العيشَ معاً ضمن سلامٍ مستَتِبٍّ على أساسِ قَبولِ وجودِ وهوياتِ بعضها البعضِ والاعترافِ بالإداراتِ الديمقراطيةِ شبهِ المستقلة، مثلما حصلَ تاريخياً في الكثيرِ من المراتِ بين قوى المدنيةِ والقوى الديمقراطية. وضمن هذا النطاقِ وهذه الظروف، يُمكِنُ لِلكَياناتِ السياسيةِ الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ وكياناتِ الدولةِ القوميةِ العيشَ معاً ضمن سلامٍ مُستَتِبٍّ ضمن وخارجَ حدودِ الدولةِ القومية.
يُمكِنُ الإكثارَ أو التقليلَ من تثبيتاتِ المبادئِ المعنيةِ بِمَهامِّ ميدانِ العصرانيةِ الديمقراطية السياسيّ. المهمُّ هنا هو تحديدُ أسسِ الإطارِ والتنفيذ. وأنا على قناعةٍ بأنّ ترتيباً من هذا النوعِ للمبادئِ جوابٌ مناسبٌ للهدفِ المأمول. والنقاشاتُ ستُحَدِّدُ نتيجةَ حقائقِ حريةِ الحياة.
النقاطُ نفسُها ساريةٌ على المبادئِ التي سعيتُ لتحديدِها فيما يخصُّ الميادينَ الثلاثةَ الأساسيةَ للعصرانيةِ الديمقراطية. وأُشَدِّدُ بأهميةٍ فائقةٍ على أنّ نشاطاتِ إعادةِ الإنشاءِ من حيث المبدأِ والتنفيذ ليست مشروعَ جمهوريةٍ جديدةٍ كما نُوقِشَت بكثرةٍ في الثورةِ الفرنسية، ولا هي مخططُ دولةٍ سوفييتيةٍ كما الحالُ في الثورةِ الروسية. بل وحتى أنها ليست مشروعَ المدينةِ المنورةِ الاجتماعيَّ لسيدنا محمد. هَمِّي الوحيدُ والنقطةُ التي جَهِدتُ لإيضاحِها فيما يتعلقُ بالطبيعةِ الاجتماعيةِ من جهةِ ركائزِ أسلوبِ وتنفيذِ تحليلِ الحقيقةِ وحلِّ الحريةِ الاجتماعية، هو عدمُ إفساحِ المجالِ أمام المُغالطاتِ العميقة، وبالتالي أمام العديدِ من الأخطاءِ والنتائجِ الحاجبةِ إياها؛ مثلما حصلَ مِراراً في التاريخ.
الهدفُ من إعادةِ الإنشاءِ هو تنظيمُ كافةِ الوحداتِ والعناصرِ الاجتماعيةِ والأفرادِ وسَوقُهم نحو الممارسةِ من خلالِ الاقترابِ منها وفق أسسِ المفهومِ (البراديغما) والتنفيذِ النظاميَّين، دون إنكارِ الميراثِ التاريخيِّ للقوى المناهِضةِ للنظام، والتي يجب أنْ تَكُونَ كذلك بِحُكم مصالِحِها، ودون السقوطِ في مصائدِ الليبراليةِ عن وعيٍ أو من دونِ وعي. وقد تَحتوي في طواياها على الناشطين كالثوريين، وعلى الهارِعين وراء الإصلاحِ أيضاً. فجميعُها نشاطاتٌ قَيِّمة. الحداثةُ الرأسماليةُ نفسُها تُمَثِّلُ المرحلةَ الأكثرَ تأزُّماً من نظامِ المدنية. فضلاً عن أنها عصرُ الهيمنةِ الكونيةِ الأرقى من رأسِ المالِ المالي، وهي العهدُ البُنيَوِيُّ الممَنهَجُ الذي تَكتَسِبُ الأزمةُ فيه سَيرورَتها. هذا ويَسعى النظامُ القائمُ وراءَ المشاريعِ والتطبيقاتِ اليوميةِ الكثيفة، بغيةَ عدمِ النفاذِ من الأزمةِ بخسائرَ ممنهجة. ويتحركُ من خلالِ أيديولوجيةٍ ليبراليةٍ توفيقيةٍ مُتَمَفصِلَةٍ واسعةِ النطاقِ جداً، ويَستَنِدُ في ذلك إلى ميراثٍ تاريخيٍ عظيم. علاوةً على أنه قد بَلَغَ بِشَبكاتِ التنظيمِ الألكترونيِّ إلى أقصاها بمنوالٍ لحظيّ. وهو قادرٌ على تنفيذِ التكتيكاتِ التي يَرومُها آنياً. بل وحتى إنه ينتقدُ الدولةَ القوميةَ بوصفِها أداةَ الحُكمِ الاستراتيجي، ويشرعُ في إعادةِ إنشائِها في العديدِ من الميادين. فالشركاتُ ذاتُها تتخطى إطارَ قوى الدولةِ القومية. كما أنه يُوَجِّهُ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ كما يشاء، حيث تُعَدُّ منظماتٍ دارجة.
لا خَيارَ آخَر أمامَ مناهِضي النظامِ ضمن هذه الظروفِ سوى تطوير مفاهيمِهم وتطبيقاتِهم الخاصةِ بهم. لَم تَكُ الثورتان الفرنسيةُ والروسيةُ (والعددُ الذي لا حصرَ له من الثوراتِ والحركاتِ التي حذت حذوَهما) مُتَمَحوِرَتَين كلياً وفق إطارِ وأهدافِ الحداثةِ الرأسمالية. بل وكانتا متناقضتَين للغايةِ معه، وعازمَتَين على بناءِ نظامٍ جديد. وقد نَفَّذَت عديداً من التطبيقاتِ المرحليةِ على دربِ أهدافِها تلك، بما فيها الطارئةُ والاستثنائيةُ منها. لكنّ الرأسماليةَ استطاعَت صهرَ هذه الثوراتِ في آخِرِ المطافِ ضمن بوتقةِ مفاهيمِها وتطبيقاتِها العصرية، سواءً ضمن مراحلَ قصيرةٍ أم طويلةِ الأمَد. لا ريبَ أنّ تَبَنِّيَ ميراثِ الثوراتِ المعاصِرةِ في الحريةِ والمساواةِ والديمقراطيةِ مَهَمَّةٌ أولية، وعلى رأسها هاتان الثورتان العظيمتان، مثلما الحالُ بالنسبةِ للميراثِ التاريخيِّ بأكمله. ولكن، من الجليِّ بسطوعٍ أيضاً ضرورة استنباطِ العِبَرِ من أخطائِها ومغالطاتِها. وسوف يُلاحَظُ أني رَكَّزتُ كثيراً على هذا الموضوعِ في هذا الإنجاز. فاستخلاصُ الدروسِ من التجاربِ المُعاشةِ وظيفةٌ لا مفرَّ منها بكلِّ تأكيد بالنسبةِ للأشخاصِ والتنظيماتِ المتطلعةِ إلى الأهدافِ نفسِها.
المهامُّ الأوليةُ ساريةُ المفعولِ في كلِّ زمان، سواءً استمرت الأزمةُ أم لَم تستمر. كما أنّ المهامَّ الفكريةَ والأخلاقيةَ والسياسيةَ أيضاً تقتضي القيامَ بها في كلِّ الأوقات. لا ريبَ أنّ الفوارقَ المرحليةَ تنعكسُ بالطبع على المواقفِ الاستراتيجيةِ والتكتيكيةِ المختلفة. لكنّ الماهيةَ الأصليةَ للمهامِّ لا تتغير. إني مقتنعٌ بأهميةِ النقاطِ التي سعيتُ لتحديدِها فيما يتعلقُ بالإيضاحاتِ والمبادئِ المعنيةِ بالمهامِّ المندرجةِ في الميادينِ الثلاثةِ تلك. وهي في الوقتِ عينِه تعبيرٌ عن النقدِ والنقدِ الذاتيِّ حِيالَ كلِّ حَدَثٍ أو علاقةٍ أو شخصيةٍ أو مؤسسةٍ أَنا مسؤولٌ عنها. إني مُدركٌ لاستحالةِ تَحَلِّي النقدِ أو النقدِ الذاتيِّ الفرديِّ بأيةِ قيمةٍ وطيدة، دون التحليلِ والانتقادِ الشاملِ لعصرِنا، بل وحتى للمدنيةِ أيضاً. وقد عملتُ على تناوُلِ الأمرِ تأسيساً على ذلك.
ولو أني مضطرٌّ للتكرارِ مِراراً، إلا أنّ تَداخُلَ النشاطاتِ المعنيةِ بالمَهامِّ الفكريةِ والأخلاقيةِ والسياسيةِ أساس. ومهما نشطَت الميادينُ في داخلِها بنحوٍ مستقل، لكنّ ثمارَها البارزةَ للوسطِ لا يُمكِنُ إلا أنْ تَكُونَ ذاتَ ماهيةٍ مُسَخَّرةٍ لخدمةِ بعضِها بعضاً. فكيفما أنّ التنفيذَ الأخلاقيَّ غيرُ قادرٍ كثيراً على تطويرِ الأفضلِ دون وجودِ التنويرِ الفكري، فهو بذلك لن يتخلصَ من تمهيدِ الطريقِ أمام السيئِ الرذيلِ أيضاً. فالمكانُ والزمانُ اللذَين تغيبُ فيهما الأخلاقُ الفاضلة، إنما تَسُودُهما الأخلاقُ الرذيلة. بينما الميدانُ السياسيُّ يُعَبِّرُ عن حالةِ تنفيذِ التنويرِ والأخلاقياتِ المرحليَّة. بهذا المعنى، فالسياسةُ حجةُ التنويرِ والسلوكِ الأخلاقيِّ اليوميَّين، بل هي التنويرُ والأخلاقياتُ بِحَدِّ ذاتِها. فضلاً عن أنهه لا يُمكِنُ الحديثَ بِجَديةٍ عن وجودِ التنوير، وبالتالي النشاطِ الفكريِّ في المكانِ الذي تغيبُ فيه السياسةُ والأخلاق. والميولُ الفكريةُ التي تَفتَقِدُ لِرَوابطِها مع السياسةِ والأخلاقِ قد تَكُونُ شيئاً آخَر، كما الحالُ في رأسِ المالِ الفكري. إلا أنّه من المحالِ تقييمَ هذا الوضعِ بالمَهَمَّةِ الفكرية، لأنه يَفتَقِرُ للأساسِ الأخلاقيِّ والسياسيّ.
لا يُمكِنُ تحقيقَ الحريةِ والمساواةِ والديمقراطيةِ القصوى في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ إلا لدى تنفيذِ المهامِّ الفكريةِ والأخلاقيةِ والسياسيةِ بنحوٍ متداخل. لهذا السبب، فمِعيارُ نجاحِ التنظيماتِ والأفرادِ المناهضين للنظامِ متعلقُ بتنفيذِهم المهامَّ المعنيةَ بالميادينِ الثلاثةِ بشكلٍ متداخل.
 


 

 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2010