|
القائد
عبد الله أوجلان
اكتَسَبَت شريحةُ التجار والصرافين اليهود
التقليديةُ صفةً عصريةً أكثر نتوءاً وبروزاً
كطبقةٍ بورجوازية في النظام الرأسمالي. إنّ الأمرَ
المفهوم لأبعدِ حدٍّ هو عثورُ البورجوازية كطبقةٍ
اجتماعيةٍ جديدة على أيديولوجيتها الرسمية في
التيار الوضعي، وتوليدُها لقومويةِ مفهومِ الدولة.
فكونها مبدعةَ الأمة، وماهيةُ أيديولوجيتِها إنما
يعززان منزلتها هذه. فبعدَ إضفاءِ المسحةِ القومية
على جميعِ مقوماتِ الأمة، لن يَكُون عسيراً عليها
الانتقالُ إلى الاحتكاراتِ الاقتصادية المهيمنة
عبر احتكارِ الدولة. وما كان بإمكانها خداعَ جميعِ
الأمم الأوروبية بالتحول الاحتكاري المتصاعد
بسرعةٍ بين صفوفها، إلا عن طريقِ التيار القوموي.
إننا وجهاً لوجه أمامَ تكوينٍ مشابهٍ لما ظفرت به
الأيديولوجيا لدى السومريين. حيث تُعلَن الأمةُ
على أنها الوحدةُ الأسمى (هي أقدم الآلهة، أو في
مقامها)، وتُشرِع الدولةُ باحتكارِ الحياةِ
المادية داخلَ الأمة، لتغدوَ القوةَ الأعتى
للمجتمع. وباتحادِ كلَيهما تصبح الدولةُ القوميةُ
الحالةَ الجديدةَ لدولةِ المَلِك – الإله القديمة.
ولِجعلِها مُلكاً لجميعِ المجتمع، ثمة حاجةٌ
للميثولوجيات، وفي عصر الرأسمالية ثمة حاجةٌ
للفلسفة ولشتى أشكالِ السُّوقية والابتذال
(الاختزال إلى المستوى السوقي المبتذل القادر على
مخاطبة وإثارة مشاعر الإنسان الفظ والبسيط
والعادي). تلبي القومويةُ هذه الحاجةَ على أكملِ
وجه. وهكذا يُصاغ التعبيرُ الرسمي لمسارِ مجتمعاتِ
الأمم الأوروبية، حصيلةَ البحوث الأيديولوجية
الساريةِ طيلةَ القرون الأربعة الأخيرة. وتتبدى
ملامحُ العالَم الجديدِ محسومةً بتغذيةِ الأمةِ
للقوموية، والقومويةِ للأمة، وكِلَيهما للدولة،
وهذه الأخيرة للاحتكارِ الاقتصادي؛ ولكن، ضمن
نطاقِ زمانها المرحلي بالطبع. وعندما كان التمييزُ
الحاسم بين الأمم يتصاعد في جميعِ الأصقاع، وتضطرم
بالتالي نارُ القوموية المتأججة؛ كانت
الأيديولوجيةُ اليهودية – بطبيعةِ الحال – سوف
تؤثر في الأجواء وتتأثر بها على السواء.
إنّ وجودَ الروابط الموضوعية للأيديولوجية
اليهودية منذ البداية مع القوم والقبيلة، وبالتالي
مع النزعة القومية والقبائلية، خاصيةٌ لا يصعب على
المرء فهمها. فالقومويةُ بأقدمِ أنواعها ضمن إطارِ
قومويةِ القبيلة والأمة، هي الخاصيةُ الطبيعية
والأساسية للأيديولوجيةِ اليهودية، التي تُعَدُّ
من أسهلِ الأيديولوجيات التي مرت بالتحول في طَور
التبرجز. ومرةً أخرى نجد أنفسنا أمام مفارقة: فهي
أبُ الأيديولوجيةِ القوموية من جهة، وهي التي سوف
تَدحضُها جميعُ الاشتقاقاتِ الناجمة عنها من جهةٍ
أخرى. لقد تطورت هذه المفارقةُ في الميدان المعنوي
– الأيديولوجي، تماماً مثلما كانت في الميدان
المادي. وهكذا بدأت جميعُ النزعات القوموية
تُكَشِّر عن أنيابها وتتربَّصُ لأبيها (انطلاقاً
من الأسباب المادية الاضطرارية. بالطبع، هو اضطرار
نسبةً للخَيار الرأسمالي). وشَرَعَ القومويون بين
صفوفِ كلِّ أمةٍ أوروبية بالإشارةِ بالبَنان إلى
اليهود (كأيديولوجيا، وثقافة مادية، وكأمة – قوم)
كمسؤولين عن جميعِ المشاكل والعثرات التي تعترضهم.
تماماً مثلما تنظر المسيحيةُ والإسلامُ إلى
اليهودية على أنها العقبةُ الركن في سبيلها،
بالرغم من أنهما ينحدران من الأصولِ الموسوية.
تتخفى هنا الخاصيةُ التي أدت دورَها في رصفِ أساسِ
المدنية، والتي تؤيد صحةَ أطروحتي أيضاً. ألا وهي
كون الدولة احتكاراً اقتصادياً، وتمثل نواةَ
المدنية. ويغدو الاشتباكُ أو الحرب أمراً لا مفر
منه بين الاحتكارات الجديدة والقديمة في كلِّ
مكانٍ يشهد التدولاتِ الجديدة. والحربُ ستستمر
كضرورةٍ اضطرارية إلى أنْ يُفنى أحدُ الطرفين، أو
يستسلم، أو يصبح غيرَ ذي شأن.
فكيفما أنه ثمة موضوعُ "أرض الميعاد" منذ 3500
عاماً بالنسبة للقبيلة اليهودية، فسوف تَفرض هذه
الحاجةُ نفسَها بكلِّ وطأتها في عصرِ الأمة
والقوموية داخل أوروبا أيضاً. فأمةٌ يهوديةٌ جديدة
تعني الأرضَ الجديدة. وبما أنّ أوروبا مناهِضةٌ
دائماً لليهود، فبروزُ تيارٍ مستندٍ إلى مفهومِ
"أرض الميعاد" القديمِ أمرٌ لا مهربَ منه. وهكذا
تُولَد القومويةُ البورجوازية اليهودية المسماة
بالصهيونية كأكثرِ الأمثلة رسوخاً واقتداراً في
عصرِ النزعات القوموية خلال القرن التاسع عشر.
وتَدخل القصةُ أبوابَ التاريخ بعد ذلك. ما علينا
ذكره، وباختصارٍ شديد، هو الحاجةُ الماسة
للدولتَين الأكثر مَنَعَة في عصرهما: ألمانيا
وإنكلترا. في حين نَزلت فرنسا إلى المرتبة
الثالثة. وينشط القومويون اليهود بكلِّ دأبٍ في
كِلا الجناحَين. الكلُّ يعلم كيف عَزَّزوا من شأنِ
دولةِ إنكلترا وهولندا. وهكذا يتم تحفيز الرأسمالي
اليهودي على مزاولةِ وظيفةٍ مشابهةٍ في ألمانيا
أيضاً. هذا وللمفكرين اليهود أيضاً نصيبُهم الوافر
في تكوينِ رأسِ المال الفكري (الأيديولوجية
الألمانية). وبفضلِ مؤازرتهم يتمكن الإمبراطورُ
الألماني من الذهابِ مرتَين إلى القدس لِيُعرِبَ
عن عنايته بحركةِ الوطن الجديد. ولو حالَفَهم
النصرُ في الحرب العالمية الأولى، لَكانت
اليهوديةُ المحميةُ من جانبِ الألمان والعثمانيين
(الجناح الأقوى في الاتحاد والترقي كان موالياً
لألمانيا، وعلى علاقة مع المستثمرين اليهود في
سيلانيك) ستَعُود مبكراً إلى فلسطين – أو أراضيهم
القديمة – معتمدةً على دعائمَ أكثرَ حصانةً بكثير.
وبطبيعةِ الحال، فهم يتميزون بوزنٍ تقليدي ثقيلٍ
في جناحِ لندن.
لِنَترك التاريخَ السياسي جانباً، باعتباره
موضوعاً واسعاً وشاملاً. إنّ هتلر يلقي المسؤوليةَ
الأكيدة على عاتقِ اليهود في هزيمةِ الألمان. ذلك
أنه يرى بشكلٍ قاطع أنّ تَفَوّقَ لندن ليس مستقلاً
عن الأيديولوجية اليهودية وقومويتها. لقد تَعَرّضت
ألمانيا لخيانةٍ كبرى، والمسؤولُ هو اليهودي. هكذا
يتطور عداءُ اليهود ومناهضتهم في كلِّ أمةٍ تعاني
من مشاكلَ مشابهة (قضية دريفوس في فرنسا). قد
يُبَرهَن أنّ الأمرَ ليس كذلك. ولكن، لماذا لا
تنفك هذه المزاعمُ متأججةً متواصلةً على الصعيد
العالمي؟ وحتى من قِبَل أحمدي نجاد، رئيس جمهوريةِ
إيران مؤخراً؟ إنّ هذا على صلةٍ بوظيفةِ
الأيديولوجية والقوموية اليهودية في العالم. فهي
لا تزال الأيديولوجيةَ الريادية، تماماً مثلما هي
عليه في احتكاراتِ رأسِ المال.
لا يمكن البتةَ الدفاعَ عن الهتلرية. فالتطهيرُ
العرقي من أفدحِ الجرائم الإنسانية. هذه وقائعُ
إنسانيةٌ واجتماعيةٌ لا تقبل الجدل. فضلاً عن
استحالةِ استصغارِ منزلةِ المتنورين اليهود في
الكفاحِ الأصيل للمجتمع في سبيلِ الحرية والمساواة
والديمقراطية. لِنَدَع أنبياءَهم جانباً، ولكنّ
وضعَ عددٍ جَمٍّ من المفكرين والثوريين اليهود في
العصر الحديث واضحٌ وضوحَ الشمس، بدءاً من سبينوزا،
وصولاً إلى ماركس، فرويد، روزا لوكسمبورغ، تروتسكي،
أدورنو، حنه آرندت، وآينشتاين. إني واعٍ تماماً
لمتانةِ ورسوخِ الأبعادِ الديمقراطية الاشتراكية
لدى المفكرِ اليهودي. لن أكررَ حُكمَ أدورنو
مجدداً، ولكن، متى سيُقَدَّم النقدُ والنقدُ
الذاتي اللازم للانتقال باليهودية من مكانتها
الموضوعية في التطهيرِ العرقي (في الميدانَين
الثقافيَّين المادي والمعنوي) إلى مكانةٍ باعثةٍ
على الحل ومحرزةٍ للنتائج السياسية المرتقبةِ
وممارِسةٍ لمتطلباتها؟ من هنا، فمن المحال تقييم
التطهيرِ العرقي لليهود بما هو خليقٌ به، ومن
المحال أيضاً إعاقةَ حدوثِ إباداتٍ عرقيةٍ جديدةٍ
بحقهم؛ دون التحليلِ السليم للقوموية اليهودية
باعتبارها قوةً أيديولوجيةً من جهة، ونظراً
لمنزلتها الرياديةِ من جهةٍ أخرى. فالقومويةُ
اليهودية ليست قومويةَ أمةٍ صغيرة، بل هي قومويةُ
العالَمِ أجمع. هي أبُ جميعِ النزعات القوموية
والدولتية القومية. لكن، كَم هو مؤلمٌ أنْ يَكُون
اليهودُ أنفسهم أكبرَ ضحايا القوموية، وبما يندر
وجودُ شبيهٍ له في التاريخ.
كَثُرت الجدالاتُ والمداولات بشأنِ اليهودية
كقضيةٍ بِحَدِّ ذاتها، وبالأخص من قِبَل المتنورين
اليهود اللامعين مثل ماركس وفرويد. ولكن، تَظَلُّ
المشكلةُ العالقة التي تنتظر الجواب هي: كيف تَمَّ
الوصولُ إلى الإبادةِ العرقية؟ وبما أنّ استذكارَ
التطهيرِ العرقي بما هو جديرٌ به مشروطٌ بعدمِ
تكرارِ حدوثه، فكيف سيتحقق ذلك؟
بمقدوري صياغة جميعِ النتائج التي توصلتُ إليها في
مرافعتي انطلاقاً من المثالِ اليهودي على النحو
التالي:
لقد تطلعَت القبيلةُ اليهودية إلى المدنيةِ
السومرية والمصرية، وقَلَّدَتها. وكان النفيُ ثمنَ
ذلك. فشَرَعَت القبيلةُ الصغيرة العنيدةُ (وكأنها
تَرُود لِما رغبَت كل القبائل فعلَه) بإنشاءِ
أيديولوجيتها (دينها) القَبَليةِ الخاصةِ والحسدُ
يَأكلها. وأَسَّسَت مملكةَ القدس. ثم انهارت
المملكة. فعاندت القبيلةُ أكثر، وتَشَتَّتَت في
أصقاعِ العالم بحثاً عن مكانٍ لقبيلتها وفيما بعد
لقومها. لَم يمنحوها المكان، ونَفُوها. ولكي لا
يُهزَموا، انعكفوا هذه المرة على الغوصِ حتى
أعماقِ الذرة والصعودِ في عنانِ الفضاء. إنّ
القبيلةَ هذه المرة تُراهِن بدولتها القوميةِ
الصغيرة على الريادةِ للمدنية. وقد تَدُكُّ دعائمَ
كلِّ مدنياتِ ودولِ الشرق الأوسط، بل والعالَمِ
أجمع، بعد أنْ كانت مُوَلِّدتَها. لكنها هي الأخرى
ستزول آنذاك، لأنّ المدنيةَ اليهودية الصغيرةَ
تُشَكِّل صُلبَ المدنيةِ العالمية. بالتالي، لا
مدنية يهودية دون المدنيةِ العالمية، ولا مدنية
عالمية دون المدنية اليهودية. هذه هي العِبرةُ
الكبرى المستَخلَصةُ من الإبادة العرقية لليهود.
لَطالما أفكر بهذا الموضوع لاهتمامي الزائد به،
تماماً مثلما اهتمامي بالمواضيع المشابهة. منذُ
أمدٍ بعيدٍ والحكماءُ كانوا قالوا باستحالةِ
إطفاءِ النار بالنار. أي، من المحال تحقيق الخلاصِ
من نارِ المدنية الكبرى بإضرامِ نيرانِ المدنيات
الصغيرة (الدول القومية، والاحتكارات عموماً).
فقياديو وزعماءُ جميعِ القبائل والأقوام الفقيرةِ
والمسحوقة والمستَعبَدةِ المحاربةِ ضد قوى
المدنيةِ على مرِّ التاريخ، إما قُتِلوا أو
انتصروا. ولا يمكن البتة نسيان ذكرى الأموات منهم.
لكنّ أولَ عملٍ قام به المنتصرون كان أنْ جعلوا من
أنفسهم أيضاً مدنية، لأنهم لم يعرفوا شكلاً آخر.
فحتى زعماءُ الاشتراكيةِ العلمية الظافرون، عجزوا
عن إنقاذِ أنفسهم من التحول إلى مثالِ القفصِ
الحديدي للحداثة الرأسمالية. كما أنّ المعرَّضين
للإبادةِ العرقية لم يكونوا قد فَكّروا إطلاقاً
بأنّ هذا ما سَيَحُلُّ عليهم أيضاً. ولكنه حصل.
في هذه النقطة، ودون أدنى شك، فإنّ قلبي يَعِي
معاناةَ ضحايا التطهير العرقي أكثر من الزاعمين
مناهضَتَهم إياه. لماذا أفهمه أكثر من أيِّ يهودي؟
لأنّ النظامَ القائم عينه كان قد زَجَّ بي في
عجلاته تلك. وبالطبع، فالقوةُ اليهودية هي التي
كانت تُدير دفةَ النظام وعجلاته. فلولا صراعُ تلك
الأيديولوجيةِ على السلطة، ولولا قوتها في إبداعِ
المدنية وتشييدها، أكانت المسيحيةُ ستكون؟
وبالتالي، لولا المسيحية، أكان هتلر سيَكُون؟
فكيفما أنّ القومويةَ الألمانية المُوَلِّدةَ
لهتلر تَضربُ بجذورها في الأيديولوجية الألمانية،
وبالتالي في الأيديولوجية التنويرية (الوضعية
والأحيائية)؛ فهي من خلالِ ذلك (الجذر التنويري
المشترك) على علاقةٍ جدليةٍ مع دورِ الأيديولوجية
اليهودية في التنوير، ومع روابطها بالقوموية
اليهودية أيضاً. بمعنى آخر، ومثلما تُشَكِّل
قبيلةُ اليهود وقَومُها جذورَ القوموية اليهودية،
فكذا تُشَكِّلُ القبائليةُ الألمانية وقوميتُها
جذورَ النزعة القوموية الألمانية. فضلاً عن أنّ
تَطَوُّرَها على منوالٍ متداخلٍ في ألمانيا،
ونظراً للاحتكاراتِ الاقتصادية والسياسية الموجودة
بينها؛ فقد أفسحت المجالَ للعلاقات المعقدةِ
الشائكة. كلُّ هذه التطوراتِ التاريخيةِ
والاجتماعية تسلط الضوءَ، وبكلِّ جلاء، على
الروابطِ فيما بين كِلتا النزعتَين القومويتَين.
من هنا، ومن دون تَخَطّي كِلتَيهما، لا يمكن
استذكار ضحايا الإبادة الجماعية كما يستحقون، أو
الخلاص من التعرض لأنواعِها الجديدة.
بالإمكان القيام بمقارنةٍ شبيهةٍ بين الأيديولوجية
والقوموية العربية والأيديولوجية والقوموية
اليهودية. وسوف تَكُون نتائجُها جدليةً ومثيرة.
فلولا تلك الأخيرة، هل كان سيَكُون الإسلام؟ ولولا
الإسلام، هل كان سيَكُون سيدنا محمد؟ ولولا هذا
الأخير هل كان سيَكُون البعث؟ ولولا البعث هل كان
سيَكُون صَدَّام؟ قد يُقال أني أُنَظِّر وأُشَرِّع
للتوتولوجيا، لكني أُمَرِّر أقوالي من غربالِ
تحليلاتي الخاصة بشأنِ الحضارة والمدنية. فأمريكا
قوةٌ عالميةٌ مهيمنة، بل وقد تَكُون إمبراطوريةً
أيضاً. وهي الآن تحارب في الشرق الأوسط من أجلِ
إسرائيل. وقد تحارب غداً ضد إيران. لماذا ثمة خطرُ
تكرارِ الإبادةِ العرقية مجدداً؟ لأنّ الأسلحةَ
الذرية أيضاً سوف تُستَخدَم هذه المرة. أي، إعاقةُ
الحرب النووية بالحرب النووية! ولا أحدَ قادرٌ على
إنكارِ كونِ هذا الخطرِ المحيق على مشارفِ
الأبواب. علماً أنّ هيروشيما واحدةً كافية! إذن،
تحليلي صائب. فعندما شُيِّدَت المدنية، قيل أنها
في حمايةِ الآلهة السماوية. ولكن، عندما انهارت،
تم اللجوءُ إلى الذَّرَّة. وهنا تُفَضَّل الذريعةُ
الزائفة على الحقيقية منها ألفَ مرة. إني أتحدث عن
الملوكِ العُراةِ السائرين على وجهِ البسيطة
برفقةِ إلههم غيرِ المُقَنَّع، وعن صاعقتهم
الذرية.
إني من أكثر الراغبين في أنْ يَكُون لليهود مكانٌ
في الشرق الأوسط، باعتبارهم أناساً ذوي وعيٍ رفيع.
فاللوياثان الذي بات عملاقَ العولمة عاجزٌ عن أنْ
يَكُون قوةَ الحل في دمقرطةِ ثقافةِ الشرق الأوسط
وإنشاءِ كيانٍ إسرائيلي – فلسطيني كونفدراليٍّ
ديمقراطي. هذا الوحشُ العملاق، الذي تُنسَب
أُبُوَّتُه لتسمية اليهود، هو المنبعُ الحقيقي
للإبادة الجماعية.
الحلُّ يكمن في الحضارةِ الشرقِ أوسطية
الديمقراطية. فمثلما أنّ الشرقَ الأوسط خرابٌ بلا
اليهود، كذلك فاليهودُ بلا الشرقِ الأوسط منفيون
ومُبادون عرقياً. والتاريخُ مليءٌ كفايةً بالدروس
والعبر. يتضاعف إدراكُ المثقفِ اليهودي أنّ قضيتَه
هذه قضيةٌ عالمية. يجب البحث عن مكانِ الحلِ في
منطقةِ الشرق الوسط. علينا ألا نغفل البتة عن كونِ
الشرق الأوسط الكونفدرالي ليس خيالاً، بل هو حاجةٌ
يوميةٌ وحيويةٌ لبقائنا، كما الخبز والماء. على
اليهود الإدراكَ تماماً أنّ السبيلَ إلى استذكارِ
التطهير العرقي بشكلٍ لائق، وسَدِّ الطريقِ أبدياً
أمام احتمالِ تَكَرُّره، إنما يَمُرُّ من الحضارة
الشرقِ أوسطية الديمقراطية. هذا وعلى جميعِ شعوبِ
الشرق الأوسط أن تَعِيَ جيداً استحالةَ بناءِ
الشرق الأوسط الديمقراطي من دون اليهود، وأنْ
تتشبث بِيَدَيها وتَعُضَّ بنواجذها على مَهَمَّةِ
إنشاءِ المجتمع الديمقراطي بناءً على ذلك، إدراكاً
منها أنّ السبيلَ الوحيدَ للحلِّ يَمُرُّ مِن
وفاقٍ ديمقراطيٍّ تاريخي.
(تمت نهاية الموضوع)
|