العودة للصفحة الرئيسية

يؤدي إحراز النصر الموفق إلى ريادة تاريخية في عموم منطقة الشرق الأوسط

القائد: عبد الله أوجلان

تُعَدّ القوموية البورجوازية ثاني أكبر شكل للأيديولوجية الرسمية. إذ من المعلوم أن هذه الاتجاهات، التي كانت الأيديولوجيات المفضَّلة في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ نشطت بعناية فائقة كأيديولوجية الدولة، في سبيل قيام البورجوازية بإضعاف طاقات الطبقة العمالية في الداخل، والتيارات الاشتراكية المشيدة في الخارج. وهذه محصلة طبيعية لمفهوم الدولة القومية، وضرب من ضروب الدين العصري. وهي الشكل الأخير الذي وصلته الإثنية (القوموية العشائرية). وقد لعبت دور الأيديولوجيا الرسمية الأكثر قدرة وتأثيراً في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وفي البلدان غير الأوروبية في القرن العشرين. كما أدت دوراً مؤثراً في امتصاص التناقضات الاجتماعية وإخمادها، ونقل البورجوازية الحديثة العهد إلى طوابق الدولة، وجعلها صاحبة سوق مشتركة، وترتيب الاعتداءات على أراضي الأقوام والإثنيات الأخرى.

لقد كانت القوموية التركية المبتدئة مع "نامق كمال" كشكل بدائي ظهر في أعوام 1840 مع حركة الإصلاح الاجتماعي في تركيا، متمحورة حول إعاقة تشتت الإمبراطورية وتَبَعثُرها. لكنها كانت مشروعة من حيث الأسلوب. وفي المرحلة اللاحقة لعام 1876، استمرت في العمل أساساً بمساعيها في عرقلة التبعثر، وذلك باتخاذها الطابع الأكثر راديكالية تجاه سلطنة "عبد الحميد"، وبقيام قوموية "جان تورك" بإعلان نظام الحُكم الدستوري مع تأسيس "جمعية الاتحاد والترقي" من جهة، وببسط نفوذها التام على السلطة السياسية من الجهة الثانية. أما السياسة الألمانية في الانفتاح صوب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فجلبت معها النعرة العِرقية أيضاً في القوموية التركية. المحصلة كانت تصفية الأرمن والروم والآشوريين، وقسمياً الكرد.

التفَّت قوموية عهد الجمهورية حول المجتمع كالدرع المطوِّق الحصين، بمفهومها في الدولة القومية المتصلبة. وكادت تُحَوِّل التوجه العِرقي إلى دين بحد ذاته؛ بتجذيرها لمفهوم اللغة الواحدة، الوطن الواحد، الدولة الواحدة. وكأنها خلقت قوة مذهبية جديدة، عوضاً عن الشكل الشرائعي الكلاسيكي المُسقَط إلى درجة ثانوية. وقد كان نظام السلالات المتبقي من القرون الماضية، وواقع الاحتلال والعزلة والتجريد المعاش، عوامل مؤثرة في ذلك. أما الجمهورية المحتلة مكانها محل السلالاتية، فكانت تهدف أساساً إلى تأمين الوحدة بتعزيز التأثير القوموي للثورة الفرنسية أكثر فأكثر. وفيما يخص مفهوم الأمة الخاوية من الطبقات والامتيازات، فكان مفتقراً لوسائل التطبيق على أرض الواقع، رغم كونه هدفاً سامياً. وكان يحمل بين طياته تهلكة الوقوع في تعصب ديني أيديولوجي مع انعزاله عن حوله. تحمَّلَت القوموية مسؤولية مواراة نقاط ضعف وتَدَرُّنِ كل السلطات. وسُعِي إلى إقناع المجتمع بكل شيء مراد، تحت شعار "التركياتية السامية" المُبالَغ فيها.

رغم تميز قوموية مصطفى كمال بكونها ليست بعيدة عن العلم، ولا منزلقة نحو المغامرة، بل يغلب عليها الجانب الوطني؛ إلا إنها سرعان ما فقدت جوهرها هذا، لتتحول إلى أداة أساسية بيد السلطة السياسية لتخدير القاعدة الجماهيرية الأولية. وفيما بعد عام 1980، تم مزج الإسلام بالمفهوم السُّنّي النقشبندي في محاولة لطرحه على شكل تركيبة تركية – إسلامية جديدة. كان لتأهيل وترويض القوموية التركية المفرطة (مثالية MHP) في الداخل، بل والأهم من ذلك إعاقة الحركة الكردية المحقِّقة لحملة مهمة من تعاظمها أكثر؛ الدور البارز في ذلك. سُعِي لعرقلة انضمام الشريحة الكردية العليا ذات التقاليد النقشبندية إلى حركة المقاومة الكردية، عبر إتْباعها بالنظام القائم. أما على الصعيد الخارجي، فسُعِي لتطوير جبهة مضادة لـPKK، عبر مؤازرة ودعم نقشبندية كل من الطالباني والبارزاني، باتباع الأسلوب عينه. حصل ذلك مقابل تقديم الجمهورية تنازلات بنسبة مهمة من أيديولوجيتها الثورية. وبرزت المحصلة باستلام حزب AKP مقاليد الحكم في تركيا، وظهور الدولة الفيدرالية الكردية في العراق.

وصلنا إلى مفترق طرق؛ فإما أن نكون حركة لاجئة، أو حركة تحررية وطنية معاصرة، أي حركة تحررية شعبية. لقد كان لَوذُ حركة الحرية بالصمت الطويل الأمد، يلقي علينا مسؤولية ثقيلة الوطأة، قد لا نطيق تحمل عواقبها أمام التاريخ. خاصة وإن شهداء السجون وأجواء التعذيب، كانت تحتِّم القيام بعمل ما، وإلا، فلن نفلح في النجاة من التطبع بالخيانة. كانت قفزة 15 آب 1984 المجيدة – رغم تأخرها ونواقصها – رداً على هذه المخاوف.

لم يتحَلَّ موقف الدولة بالجدية اللازمة في عهد رئاسة أوزال الجديدة. فنظرتها إلى الأنصار (الكريلا) على أنهم "حفنة من الذعران" لم يعطِ، ولو بصيصاً من الأمل، في حصول أي تقرب سياسي منا. بل كان يُنتَظَر سحقنا في أقرب فرصة، استناداً إلى الثقة اللامحدودة بالقوة العسكرية التقليدية. وتحاملوا علينا بالدعاية الضوضائية. مع ذلك، لم يُحرَز أي نصر يذكر حتى أواخر عام 1984. كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام حرب الأنصار، إلا أن إضافة العراقيل المزروعة على يد "الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP" إلى العوامل الداخلية الثقيلة الوطأة علينا، كان يُزيد من استحالة القيام بالانطلاقات القوية والجبارة المرجوة. كانت ردود أفعال الشعب إيجابية، لكنها افتقرت إلى كوادر قيادية حقيقية قادرة على إدارة الحركة وتنظيمها، دون الوقوف بموقف المتفرج. تركت هذه المشكلة بصماتها على كل السلبيات الظاهرة، منذ البداية وحتى النهاية.

هذه الأوضاع الصعبة التوضيح والشرح، فرضت على القيادة العامة – التي يزداد عبئها، وتُحال إليها الأمور مع الزمن – حتمية القيام بتحليلات شاملة، وتعميق التدريبات أكثر. ورغم ثقل كل المسؤوليات الذي لا يُحتَمَل، إلا أنها كانت تُنفَّذ وتُلبَّى بكل نجاح، لدرجة أن كل كادر مرشح – على وجه التقريب – تلقى المساعدات اللازمة لصون كرامته الثورية بتفوق ماهر. وعوضاً عن إبدائهم الاحترام والتقدير اللازمين بتقديمهم مساهمة إضافية، دخلوا في حسابات السلطة الداخلية، لينفثوا سمومهم في الأجواء والنشاطات القائمة.

ابتدأت المجموعة التي أسميناها بـ"العصاباتية الرباعية"، والمؤلفة من شاهين باليج، شمدين صاكك، كور جمال وهوكر؛ ابتدأت رسمياً بمجزرة الكوادر. إذ لا يزال مجهولاً حتى الآن عدد خيرة الكوادر المقتولة على أيديهم، بحجة "قُتِلوا في الاشتباك". وما برح سر الموت "المظلم" للعديد من رفاقنا الأعزاء محصناً إلى الآن. هذا إلى جانب أعداد جليلة من النساء والأطفال والناس العاديين، الذين لا يمكن استهدافهم في الحرب؛ قُتِلوا دون انقطاع أو توقف. وغابت المبادرة المركزية في الوسط. لا تزال مسألة مدى صحة إعلامي وإخطاري بالأمور – وأنا على بُعد كل هذه المسافة – أمراً ضبابياً يكتنفه الغموض.

لم أتيقظ لهذه المسائل، إلا بعد السفالة الشنيعة المرعبة، التي حصلت في 25 كانون الثاني عام 1990، باغتيال رفيق طفولتي "حسن بيندال" أمام ناظري بحجة أنه "قُتِل خطأ في التطبيقات العسكرية". ورغم معتقداتي الاشتراكية والوطنية العظمى، إلا إن تلك الخيانات السافلة، التي لا يمكن إيضاحها، والحاصلة في بنية الحركة؛ مهدت الطريق إلى تفشي اللامبالاة مع الزمن. وعلى الأرجح، أن عدداً ليس بالقليل من الناس الأبرياء، قُتِلوا بذريعة "اصطياد العملاء". وبما أنهم نفذوا بعضها وهم إلى جانبي، فما بالك إذن بأبعادها في الداخل! إنها مريعة بالتأكيد. وإذا ما أضيف تساوُم الطالباني واتفاقه مع تركيا  في 1991 بشأن PKK إلى تلك الخيانات، إلى جانب KDP الذي كان يواصل عمالته وتواطؤه حتى قبل ذلك، وتحاملهم على الحركة في 1992 لوضعها أمام خيارين: "إما الاستسلام أو الإبادة"؛ فإننا نرى عدم فلاحنا، بأي شكل من الأشكال، في الخروج من الأزمات، رغم كل الأنشطة العظيمة الممارسة، ورغم البسالة والبطولات الخارقة ومساعدات الشعب الكبرى لنا. لم تُجْدِ الكونفرانسات العديدة، ولا مؤتمر عام 1990 نفعاً. بل بقيت نقاشاتها كالكلمات العائمة على سطح الماء. رغم كل هذه السلبيات المذكورة، لم يُعِقْ أيٌّ منها قيامنا بالتحليلات العميقة والشمولية الموَثَّقة كلها، ولا ممارسة الأنشطة الكادرية المناهزة للآلاف سنوياً، ولا التحاق الشعب بصفوفنا كالسيل الجارف.

ولأول مرة لوحظت تطورات جدية على صعيد الدولة. فطرحُ تورغوت أوزال القضية للنقاش، وموقفه الإيجابي من وقف إطلاق النار، وبرقيات سليمان ديميريل التي مفادها: "نعترف بالهوية الكردية"؛ كانت تبعث على الأمل، رغم افتقارها إلى الضمانات. لو لم يمت تورغوت أوزال – أو لم يُقتَل حسب المزاعم – في ربيع عام 1993، ولو لم يهجم شمدين صاكك على الجنود العزَّل الثلاثة والثلاثين ولم يقتلهم كردِّ فعل منه على الخسائر المتكبَّدة في صفوف الأنصار داخل الحركة بلا سبب؛ لربما تُوِّج وقف إطلاق النار آنذاك بسلام دائمي راسخ. إلا إن الأوضاع الداخلية الجارية في الدولة، واستلام العصاباتية زمام المبادرة في PKK، وخيانة الطالباني والبارزاني؛ عرقلت تحقيق فرصة كهذه. واختلط الحابل بالنابل، وانحرفت الأمور عن مجراها.

وفي أعوام 94 – 95 – 96 – 97 – 1998، أدى العناد في التكرار إلى استنزاف طاقات الطرفين كثيراً. ولكون 28 شباط عبَّر عن صوت مختلف متميز، بادرتُ بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في 1998، وأنا على قناعة بأن الدولة لن تنظر إليه بعين الإهمال. إلا إن خروجي الاضطراري من سوريا، نتيجة الضغوطات المفروضة عليها، أثر سلباً على أن تسفر خطوتي تلك عن النتائج المرجوة في الحل. ذلك أن الدولة لم تتراجع قيد شعرة عن هجوماتها المكثفة علينا، لقناعة منها بأن فرصتها السانحة قد حانت، لتنهي المسألة بالسبل العسكرية بكل عناد. ومع بدء أحداث مغامرة أوروبا وفترة إمرالي المعروفتين، ولجنا في مرحلة مغايرة. هذا الوضع عبَّر عن المرحلة الثانية للتحول إلى PKK.

فقد تجرأت القيادة العشائرية التقليدية المتواجدة في جنوب كردستان على القيام بأفظع الخيانات وأشنعها، وفي أحرج الأوقات التي مرّ بها PKK في حربه مع تركيا. وذلك مقابل المصالح، التي اعتقدت تلك القيادة بأنها ذات أهمية قصوى. إذا ما قورنت تلك الخيانات بمثيلاتها الحاصلة في السجون وفي أوساط الحرب، نراها تنفرد بخاصياتها الماكرة، وبحبكتها المخطَّطة والمدروسة، وبسريتها القصوى. حيث حفَّزت تركيا على احتضان السياسات العصاباتية، والتشبث بها أكثر فأكثر.

بينما كان الساسة منفتحين لسلوك كهذا منذ البداية، انطلاقاً من تكوينتهم؛ فقد ولج الجيش لاحقاً في هذه السياسة، حصيلة الصعوبات التي عاناها، لتكون تلك بداية الطريق المؤدية إلى قيام الدولة الكردية الفيدرالية في راهننا. لا جدال أبداً في أن الإدارة في تركيا لم تحسب الحساب لنتيجة كهذه، بل اعتبرت المسألة مجرد علاقة تكتيكية. إذ كانت واثقة تماماً من قدرتها على تصفية PKK وحسم أمره. هذا إلى جانب أنها كانت جاهلة بالأبعاد الحقيقية للمخطط الأمريكي بشأن العراق. أما القيادة الكردية المتواطئة، فكانت أكثر إدراكاً وتخطيطاً لأهدافها ومآربها. وقد تبين ذلك في مهارتها المتبدية في علاقاتها مع PKK والجمهورية التركية على السواء. أما المسؤولون القياديون العمليون في PKK والجمهورية التركية، فتميزت مواقفهم بالسطحية والسذاجة. سينّم التقييم الشامل لهذه المرحلة عن نزع الستار عن حقائق عدة. نخص في ذلك الأهمية القصوى لتسليط الضوء على العلاقات العصاباتية في بنية الجمهورية التركية.

ينبع مرض التدوّل والتسلط من الأرضية الاجتماعية المتخلفة على وجه التخصيص. وهو يفرز نموذجاً "سلطوياً واستبدادياً" شديد الخطورة في الأفراد الذين لم يتلقوا تربية إنسانية علمية حقيقية. ذلك أنه – في هذه الحال – يلجأ أساساً إلى حل أتفه المشاكل بالسلاح، في سبيل إرضاء سلطته. وهذا شديد الجلاء في العناصر الرجعية. نخص بالذكر هنا النماذج الوحشية المريعة البارزة في مرحلة السمسرة. حيث أنها حوّلت قتل أعز الأصدقاء المقربين إليها بإجحاف فظيع، ولمجرد تضايقها منهم، إلى سلوك ثابت في القيادة والمسؤولية، تماماً كمن "لسع الدبور عينيه". وهذا ما يثير الدهشة الكبرى. حتى أن إرسال الرفاق إلى العمليات التي ستودي بحياتهم، بغرض الخلاص منهم، أو حتى لأجل تلبية أبسط حاجياتهم؛ أصبح أسلوباً متفشياً. بالطبع، سننتبه إلى هذا الشكل من التردّي والانحطاط في وقت جد متأخر. لقد غدا تملُّك السلطة، والاستحواذ على المسؤولية بعيون محمرَّة، الموضوعَ الأكثر جاذبية لهم. ذلك أن كل ما كانوا يرمون إليه يمر من سلطات كهذه. وقد أصيبوا بعدوى مرض السلطة الأزلية على نحو مروِّع. وأضحت لعبة السلطوية اللعبة المفضلة لديهم، ليمارسوها تجاه بعضهم، بِفَتْكِ بعضهم البعض. هذا هو الجانب الأخطر في التردي الشائع في PKK. أما انعكاساتها على الشعب، فكانت أسوأ. حيث يَغْتَمُّ الناس المرتبطون بنا وذوو القلوب الصافية كالذهب الخالص.        

ولكن، يتحتم ألا ننسى أن محو مدن وقرى بأكملها من الخارطة، ودفنها تحت التراب، ليست بظواهر يقل مصادفتها. أما الموظفية فهي مرض أكثر شيوعاً. لقد كان التسلح بالوصولية والموظفية في حرب الحياة والموت أحد أسوأ أشكال الزوال. أما المتبقون فكانوا يتممون هذه المرحلة بنواقصهم كالأحباب جاويشية (العلاقات المحلية) واللامبالاة بأي واردة أو شاردة والاكتفاء بما هو موجود فقط. وهكذا تنتهي مرحلة من مراحل التحول إلى PKK. من الواضح للعيان أن كل هذه السيئات قد أفرزتها الماهية الدَّوْلتية أساساً في عملية التحزب. فإذا ما أعلنتَ نفسك تحررياً منادياً بالمساواة، واتخذتَ الدولة أداة رئيسية في تحقيق مآربك؛ حينها لا بد من الوقوع في أوضاع كهذه على التوالي. لم يكن بالمستطاع تجاوز هذا الوضع، إلا بالكف عن أن تكون حزباً مرتبطاً بهذه الماهية الأساسية. كان لا بد من مرور مرحلة التحزب الجديدة من الطريق المؤدية إلى هذه الحقيقة.

رجائي الوحيد من الرفاق هو عدم الانجرار وراء العاطفية غير المجدية وغير اللازمة، تجاه المشاكل الموجودة. بل على العكس، ومثلما بينتُ في البداية، أن يعرفوا كيف يكونون لائقين بالشعب والإنسانية. ليس بالحكمة فحسب، بل وكشخصية سياسية وعسكرية وتنظيمية حقة. لم يداهمنا الوقت بعد. ولا يلزمنا سوى النجاح في تبني المهام اللحظية للتاريخ، بما يليق بها وتستحقه. فالنجاح والظفر والوحدة باتباع المواقف العظيمة ضمن الحقائق العظيمة، أثمن وأسمى دائماً من المكتسبات التصادفية الناجمة عن التصرفات المنكسرة والمحطمة، أو آلاف الشخصيات ذات المواقف القزمة. عليهم أن يعرفوا جيداً – بما فيهم العصابات القديمة – أنني تأسفت لهم أكثر من ذاتهم للحال التي وقعوا فيها. ومهما فرضت حقيقتنا الاجتماعية خصائصها اللعينة، إلا أن الثقة بالإنسان تبقى هي الأساس. بيد أن رفاقي الذين يتحملون أصعب الظروف وأعتاها طيلة هذه السنين، إذا كانوا يعرفون ذاتهم ويحترمونها، فمن العصيب التفكير في عجزهم عن اتباع السلوك السياسي والتنظيمي والعملياتي اللازم. أتمنى لهم التوفيق وإحراز الانتصارات العظمى على مدى مراحل أطول، وأعرب عن مؤازرتي إياهم ومساندتي لهم على الطريق الصحيح.

وبدون أي تذرع، ففي حال عدم تطوير "إصلاح الجمهورية" في هذه النقطة، ناهيك عن إحراز التقدم، لن يكون بالإمكان حتى الحفاظ على القاعدة أو البنية الحالية. وقد أشادت التجربة الحاصلة في السنتين الأخيرتين بهذه الحقيقة بكل جلاء. حيث زعمت الدولة أنها تُحدث العديد من الإصلاحات، ولكن جميعها لم تتخلص من بقائها باطلة المفعول وغير مجدية لأنها – أي الدولة – لم تَدْنُ من الإصلاح إطلاقاً، ذلك أن المشكلة الأولية التي تسبب لهم الانسداد لا زالت عالقة. في الحقيقة، فحتى المجتمع الذي يقف على عتبة الانفتاحات الكبرى عاجز الآن – بسبب القضية الكردية – عن النفاذ من الضائقة المحصور فيها؛ مما يضطر للارتكاز إلى اليمين دوماً، فاقداً قدرته على تحقيق التحول التاريخي. علاوة على أن الأحزاب الهادفة إلى الدولة  - وبسبب القضية عينها – تواجه التصفية والزوال على الدوام، وتتحول إلى عائق مزروع في طريق الدمقرطة الحقيقية، عوضاً عن أن تكون وسائل ديمقراطية. وغاب عن الأذهان ضرورة عدم الإبقاء على التزمُّت اليميني كقدر مكتوب على ثورية الجمهورية. لذا، يعاني الجميع من مخاطر تحويل السياسة التي اتبعها مصطفى كمال أتاتورك في زمانه لأسباب لها دوافعها، إلى سياسة محرمة ومحصنة لا يمكن مسها؛ مما ينم ذلك عن خسائر فادحة. ووصلت نقمة المجتمع برمته أوجها، حصيلة انعدام السياسة، وغياب القيادة الحقة. من الساطع كلياً أنه إذا كانت هناك رغبة حقة في الدمقرطة الحقيقية، وفي إضفاء المعاني اللازمة على إحداث الإصلاحات في الدولة والتغييرات في المجتمع كخطوة مصيرية تاريخية؛ فلا بد حينها من الإدراك أن السبيل إلى ذلك يمر من حرية الكرد كأعضاء أصليين في الجمهورية.

يشير التاريخ مرة أخرى إلى الحاجة الماسة لانطلاقة جديدة تعتمد على الوحدة التركية – الكردية الحرة، بما يليق بالعهود الاستراتيجية الماضية. فالنموذج الأكثر واقعية في تجاوز حالة الفوضى المتفشية في الشرق الاوسط، يعتمد على الاتحاد التركي – الكردي الحر. فالحلول التي قد تجيء بها الائتلافات العالمية بريادة أمريكا، تتضمن احتمالاً كبيراً بتسببها بمشاكل جديدة بحد ذاتها. أما وضع العرب، فهو أقرب إلى إنتاج اللاحل منه إلى الحل. فالأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة، لا تثمر سوى عن تعزيز التناقضات. ولا يمكن عقد الآمال كثيراً على اجتياز السياسات المنصَبَّة في المشكلة الإسرائيلية في القريب العاجل. أما إيران، فهي في نزاع مع النظام العالمي المهيمن. وتفاقم المشاكل أكثر مع إيران احتمال كبير النسبة.

لا يبقى في الساحة سوى تركيا. فإذا لم تخرج تركيا بنتائج إيجابية من علاقاتها وَصِلاتها الكردية، فلن تنجو حينها من مواجهة الأزمات المتعاقبة بكثرة. وحصيلة ذلك ستكون تعزيز السياسة الأمريكية المعتمدة على الكرد. ولن يتوانى هذا الأخير بدوره عن خلق نماذج أخرى من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. والتاريخ برمته، بما فيه التاريخ القريب والحاضر، يشير إلى أن أقرب خيار لتحقيق التحولات الديمقراطية في المنطقة، يستلزم بالضرورة تأسيس نظام جديد للعلاقات الكردية – التركية؛ بحيث يكون مؤهلاً لإيجاد الحلول الديمقراطية للقضية الكردية.

لقد تعمقتُ كثيراً على التكتلات والانحرافات، التي تبدو ظاهرياً منشغلة ببعضها، في حين أنها – مضموناً – تعكس ردود فعلها على حقيقة القيادة مباشرة. فما تم عيشه خلال تاريخ حركتنا، مكافئ لما هو سائد في واقعنا الاجتماعي، من عدم الجنوح للوحدة، العجز عن تأسيس الإدارات الذاتية، الرعونة، الانجرار وراء التألُّب على بعضهم البعض على الدوام. إنه مقتات من هذه التقاليد. فأول أسلوب يسلكه الرامون إلى الإعراب عن فرديتهم ومنفعيتهم وإبرازها، هو تأليف مجموعة ضيقة، بغرض التسلط على جزء من النصيب. يرتبط تفوق تاريخنا التنظيمي ونجاحه، بتخطيه هذه الفاعليات التقليدية. هذا علاوة على أن ظواهر الثرثرات الفارغة، شذوذ الأطوار البدائي، والعجز عن التسيس، السائدة في مجتمعنا؛ إنما تنعكس في تلك المواقف التي يمكننا التركيز على ركائزها الموضوعية بإمعان. وكنتُ قد قمتُ بتحليلات شمولية في هذا الشأن.

لا يزال عالقاً في ذاكرتي كيف طُوِّرَتْ بعض الادعاءات لدى العديد من العناصر، من قبيل: "PKK يسرق حياتنا منا". فالكثير من المحاولات التصفوية، سواء في السجون أو خارجها، طرحَت مثل هذه المزاعم وأبدتها. بالطبع، كل قائد يرمي إلى إنقاذ شعبه وتحرير وطنه، عليه تسخير حياة منسوبيه، بل وأرواحهم أيضاً، في خدمة الأهداف الرامية إلى الحرية والسمو، وعلى أسس صحيحة؛ بدلاً من الأهداف القروية والاجتماعية الضيقة. ولا يمكن أن يكون التنظيم وتكون القيادة، بأي شكل آخر. وآداب الحياة الاجتماعية، ليست سوى وسائل لذلك. فإنْ دعت الحاجة، يتوجب على العاجزين عن الحياة السياسية والعسكرية أن يدركوا أن تنظيمهم وترتيبهم حياتهم الاجتماعية أمر محال. وحتى إنْ حصل، فستكون حياة غريبة عن الذات. وإنْ أردنا النظر إلى المسألة بعين البسالة وشرف الحرية الحقيقية، فسنجد أنْ لا معنى لوجود – أو عدم وجود – حياة اجتماعية أو عائلة أو زوج (زوجة) أو أطفال، لكل من يفتقر إلى القدرة على تحقيق النصر والنجاح بحده الأصغري في نضاله وكفاحه. وعلى المناضلين المبدئيين ألا يتناسوا هذه الحقائق أبداً. وإلا، وفي حال العكس، فعليهم تعريف ذواتهم بشكل مغاير.

يجب معرفة أنني اتخذت العيش المنظم والعملياتي الدائم أساساً، مذ كان عمري سبع سنين. وبالأصل، فالتنظيم يتطلب العملية، والعكس صحيح. والجانب البنَّاء يَرْجح هنا على التخريب والدمار. فالإعمار والإثمار أساس فيه. نادراً ما عملتُ على الدمار. بيد أنني ارتأيت تدمير البنى المعرقلة لحصول التطورات الهامة مناسباً. أي، ثمة شخصية عملياتية تدحض كل شكل من أشكال التخريب والغصب والنهب والاستيلاء. ومفهومي الرفاقي تطلع دائماً إلى تحقيق الأعمال النبيلة. لم أقم بأية علاقة على أساس مماطلة الذات والتسلية واللهو واقتطاع الكسب من الناس. من الضروري حتماً الإدراك – وبحساسية فائقة – لهذا الجانب من حقيقة القيادة التي أمثلها، والحذو حذوها. وإلا، فلا يمكن الحديث عن الوحدة السياسية والحياة التنظيمية والعملياتية في قيادتي. إذ من شبه المستحيل أن يؤدي العاجزون عن سلوك حياة منظمة دائماً ومفعمة بالعمليات الإيجابية الراجحة، دوراً متفوقاً في مؤسسة القيادة.

باختصار، هذا التعريف للقيادة، والذي اضطررت لتجسيده في ذاتي، يشير للجميع إلى كيفية الالتحام بها مجدداً، بعد إعادة النظر في انضمامه. والقيادة ضمن هذا المسار المنهجي تحتوي بين طياتها كل الكون، والتكون الإنساني، وواقعنا الاجتماعي، وحرية الشعب الديمقراطية. إنها كونية، وليست وطنية فحسب. وإن كان ثمة قصور فيها أو أخطاء، فيجب البحث عنها في ضوء هذه المعايير. وإلا، فالاعتقاد بإمكانية العيش في ظلها بتأسيس عوالم بسيطة وفردية أو عبودية، فهو غفلة، بل وحتى ضلال وانحراف. قد يتمكن نشاط الدمقرطة الكثيف، الذي سيُسيَّر في تركيا وكافة أجزاء كردستان على السواء، من إخراج هذا النهج ذي تشكيلة السلطة الديمقراطية من كونه مجرد خيال أو وهم؛ ليحوله إلى حقيقة واقعة. والميول العصرية، في الحقيقة، تسير في هذا المنحى. لكنْ، ثمة افتقار للكوادر والقيادة والأنشطة الإبداعية، التي ستهضم هذا النهج فكراً وممارسةً، وتوطده بعناد في كل من تركيا وكردستان. وإلا، فقد يؤدي إحراز النصر الموفق إلى ريادة تاريخية في عموم منطقة الشرق الأوسط. وما تحدثتُ عنه بشأن ثقافة الشرق الأوسط وجغرافيته وبنيته الديموغرافية، والذي تتناسب ركائزه الاجتماعية التاريخية مع الفيدرالية الديمقراطية؛ إنما يجعل من هذا النهج خياراً سياسياً هو الأمثل في تطبيقه.

 

 
 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006