|
القائد: عبد الله أوجلان
كانت السياسة التي مارستها تركيا على كردستان التي
تحت هيمنتها، تسمى رسمياً بـ"حركة السيل الجارف".
حيث ساد القبول بمدى "جودة" مضغ وسحق كل مكان تمر
عليه. كان ذلك محمَّلاً بالآلام الناجمة عن ضياع
الإمبراطورية أيضاً. لذا، كان لابد من إتْباع
الأجزاء المتبقية بصهر مطلق. فحتى حظر اللغة
الكردية الأم طُبِّق في نظام 12 أيلول، بما لا
مثيل له في أي نظام أو أي بقعة من العالم. كما
دُثِّرت جميع القيم الاجتماعية، وكل ما يمكنه أن
يعكس الروح الكردياتية، بغطاء أسود داكن، إضافة
إلى نشوب الصراعات الاجتماعية المعاشة على مر آلاف
السنين، والحروب الاستيلائية والاحتلالية
والاستيطانية الفتاكة والمجحفة. لا يمكن كشف الوجه
الحقيقي للحقائق المخفية، إلا بالمساعي والجهود
الدؤوبة والمُرَكَّزة جداً لعلم الاجتماع والآداب،
بشأن حياة الكرد في ظل الوضع القائم لجمهورية
تركيا.
ثمة مضمون سوسيولوجي في سياسة أتاتورك الدينية.
وتفضيله المنحاز للذهنية العلمية أمر واضح. هذا
ولا يُنكَر أنه خاض صراعاً ذهنياً أيضاً. إلا إن
العجز عن القيام بالتفسير العميق للتقاليد
الدينية، وعن تلقيح الدين بالفلسفة، بل والتحكم
بالأخيرة عبر التشكيلات والأجهزة الدينية؛ لم
يُجْدِ نفعاً كثيراً من حيث النتيجة على المدى
الطويل. لقد بدا العجز عن تحقيق علمانية من الطراز
الأوروبي.
أما في المرحلة اللاحقة لأتاتورك، فتَمَّت تعرية
وإفناء مكتسبات الجمهورية في هذا الاتجاه بنسبة
ملحوظة، مع فرض التردي والانحطاط على البراديغما،
وتطلعها إلى المآرب السياسية. لقد عُمِل بتسييس
الدين بكل علانية في عهد حُكم كلٍ من الحزبين
DP
وAP.
وتم تقميصه رداءً أيديولوجياً رسمياً في انقلاب 12
آذار وانقلاب 12 أيلول، تحت ستار التركيبة التركية
– الإسلامية الجديدة. هكذا دخلت تركيا بُعَيد عام
1980 درباً من تقليد إيران ومحاكاتها. ومع استلام
حزب
AKP
مقاليد
الحكم مؤخراً، باتت الأيديولوجية الإسلامية سلطة
رسمية.
يغلب الشكل السُّنّي النقشبندي على الإسلام
السياسي المهيمن على الكرد وكردستان. وللشيوخ
وزعماء الطرائق الدينية الكرد النصيبُ الأوفر في
تطور النقشبندية ذات الماضي التاريخي الطويل، في
منطقة الشرق الأوسط. إنه ضرب من السعي لملء
الثغرات الأيديولوجية بالنقشبندية. حيث يلاحَظ
انتقال القيادة الأيديولوجية إلى قبضة الشيوخ
النقشبنديين بعد عهد انتفاضات الآغاوات.
فالنقشبندية بارزة في الطابع الأيديولوجي لعصيان
النهري في 1878، وللتمردات المندلعة في القرن
العشرين بزعامة بتليس موتكي في 1914، والشيخ سعيد
في 1925، والشيخ أحمد البارزاني في 1930، وللحركات
البارزة في أعوام 1960 بزعامة كلٍ من البارزاني
والطالباني. كما أن النقشبندية بارزة أيضاً في
التركيبة التركية – الإسلامية الجديدة البارزة
بُعَيد 1980. هذا وقد قامت النقشبندية بحملة مهمة
في صفوف حزب
ANAP
في عهد "تورغوت أوزال
Turgut Özal"
أيضاً. وقد كانت الطرائق الدينية قبلها في صفوف
الحزبين
DP
وAP.
إلا إنها بنت مؤسساتها بعد انقلاب 12 أيلول –
وبحماية الدولة لها – في كل الميادين، فأسست
الأحزاب والدُّور والمدارس والجمعيات والاتحادات
والإعلام، واستأجرت الأراضي واستملكتها. من المؤكد
أنه تم القيام بثورة مضادة أيديولوجية تجاه
أيديولوجية الجمهورية الكمالية. ولكن النمط سُيِّر
بشكل صامت وخفي، لا بشكل علني. لا تزال هذه الثورة
المضادة موضوعاً يلفه الغموض ويكتنفه الظلام، حيث
لم يُسدَل الستار عن أبعادها الرسمية الداخلية،
إلى جانب أواصرها مع أمريكا.
كانت أمريكا تتوارى وراء السياسات التركية في
العصر القريب، فيما بعد الخمسينات من القرن
الماضي. حيث فرضت – هي بالذات – الإرهاب الفاشي
على أوساط أعوام السبعينات (أعطت الضوء الأخضر
للتنظيم المسمى بالكونتر كريلا)، بدعمها للنعرات
القوموية تجاه الاتحاد السوفييتي، الذي كان يشكل
هدفها الاستراتيجي. لقد تمخضت النعرات الفاشية
القوموية التي آزرتها أمريكا في هذه الفترة – بعد
أن كان الألمان في وقت من الأوقات يثيرون قوموية
"الاتحاد والترقي" التي انتهت بتشتت الإمبراطورية
وتفككها – عن الوصول بالجمهورية أيضاً إلى مشارف
الانفجار. وأَرغَمَت الكرد على التمرد. وبرهنت مرة
أخرى أنها المحدِّدة الفصل للعنف، لدى سحق
المعارضات الاجتماعية بأفتك الممارسات السياسية في
انقلاب 12 آذار وانقلاب 12 أيلول. وغدت كردستان
ساحة للعنف، من أقصاها إلى أقصاها، فيما بعد
الثمانينات. وأريدَ سحق الحركة الوطنية
الديمقراطية، عبر التنظيمات العسكرية وشبه
العسكرية المنتشرة في الأرجاء، وعبر الانتفاع
الكلاسيكي من الخيانة الكردية. طُبِّقَت النظم
نفسها في إيران باسم الثورة الإسلامية، وبين العرب
عبر القوموية البعثية. وحصلت حوادث من قبيل مجزرة
حلبجة. وابتدأ إفراغ الآلاف من القرى، وارتكاب
عشرات الآلاف من الجنايات في كردستان، دون انقطاع.
لم يُشاهَد أي تغيير، ولو بسيط، في سمات النظام
السائد.
ثمة مضمون سوسيولوجي في سياسة أتاتورك الدينية.
وتفضيله المنحاز للذهنية العلمية أمر واضح. هذا
ولا يُنكَر أنه خاض صراعاً ذهنياً أيضاً. إلا إن
العجز عن القيام بالتفسير العميق للتقاليد
الدينية، وعن تلقيح الدين بالفلسفة، بل والتحكم
بالأخيرة عبر التشكيلات والأجهزة الدينية؛ لم
يُجْدِ نفعاً كثيراً من حيث النتيجة على المدى
الطويل. لقد بدا العجز عن تحقيق علمانية من الطراز
الأوروبي.
كانت أمريكا تتوارى وراء السياسات التركية في
العصر القريب، فيما بعد الخمسينات من القرن
الماضي. حيث فرضت – هي بالذات – الإرهاب الفاشي
على أوساط أعوام السبعينات (أعطت الضوء الأخضر
للتنظيم المسمى بالكونتر كريلا)، بدعمها للنعرات
القوموية تجاه الاتحاد السوفييتي، الذي كان يشكل
هدفها الاستراتيجي. لقد تمخضت النعرات الفاشية
القوموية التي آزرتها أمريكا في هذه الفترة – بعد
أن كان الألمان في وقت من الأوقات يثيرون قوموية
"الاتحاد والترقي" التي انتهت بتشتت الإمبراطورية
وتفككها – عن الوصول بالجمهورية أيضاً إلى مشارف
الانفجار. وأَرغَمَت الكرد على التمرد. وبرهنت مرة
أخرى أنها المحدِّدة الفصل للعنف، لدى سحق
المعارضات الاجتماعية بأفتك الممارسات السياسية في
انقلاب 12 آذار وانقلاب 12 أيلول. وغدت كردستان
ساحة للعنف، من أقصاها إلى أقصاها، فيما بعد
الثمانينات. وأريدَ سحق الحركة الوطنية
الديمقراطية، عبر التنظيمات العسكرية وشبه
العسكرية المنتشرة في الأرجاء، وعبر الانتفاع
الكلاسيكي من الخيانة الكردية. طُبِّقَت النظم
نفسها في إيران باسم الثورة الإسلامية، وبين العرب
عبر القوموية البعثية. وحصلت حوادث من قبيل مجزرة
حلبجة. وابتدأ إفراغ الآلاف من القرى، وارتكاب
عشرات الآلاف من الجنايات في كردستان، دون انقطاع.
لم يُشاهَد أي تغيير، ولو بسيط، في سمات النظام
السائد.
كان تحامل الدولة علينا في هذه الفترة جزءاً من
السياق العام لليسار والكردياتية. لم يكن ثمة وضع
يستوجب اقتراباً آخر مختلفاً. وكان من المستحيل
التفكير في بؤرة خاصة وطويلة الأمد للمقاومة
والتصدي. فكل الدلائل كانت تشير إلى احتمال حدوث
انقلاب عسكري. مقابل ذلك، كان ثمة موقفان يمكن
سلوكهما: إما الخروج إلى الجبال، أو الانسحاب إلى
خارج الوطن، إلى الشرق الأوسط. في الحقيقة، فقد
سلكنا الموقفين معاً. ففي أواخر 1979 توفرت كل
الإمكانيات لتنسحب الحركة في الاتجاهين، دون تكبد
خسائر تذكر. حصلت عمليات الانسحاب رويداً رويداً
دون خسائر جدية، عدا سوء الطالع في البعض منها،
كاعتقال كل من مظلوم دوغان ومحمد خيري دورموش. كنا
حينئذ أصبحنا حركة، وأعلنا الحزب، وأصبحنا في
وضعية تخوِّلنا لنشره وصون وجوده على المدى
الطويل. لذا كنا متمتعين برؤية مسبقة لأحداث
انقلاب 12 أيلول العسكري 1980، فاتخذنا التدابير
اللازمة قبل حدوثه. لم نكن نفكر بانسحاب طويل
الأمد إلى خارج الوطن. بل كنا ننظر إلى تلقي عدة
تدريبات كادرية عسكرية، والقتال بأسلوب حرب
الأنصار الطويلة الأمد إلى أن نحقق التحرر، على
أنه "قانون الثورة". كنا مؤمنين بأن كل شيء سيسير
حسب ما هو مخطط له.
|