العودة للصفحة الرئيسية

أنا أحد الذين أُقحِموا في مرحلة مشابهة لحكاية سيدنا عيسى

القائد عبد الله أوجلان

عندما أمسكتْ بي القوى السيدة على كافة القارات بوحدة متراصة كقبضة اليد، وأرسلتني معتقلاً إلى إمرالي بالمؤامرة المحاكة وفق حساباتها ومزاعمها؛ كان أول ما خطر ببالي حينها هو الملحمة اليونانية التي تتحدث عن إله اليونان زيوس، الذي ربط نصف الإله بروماتوس إلى الصخر في جبال القفقاس، وصار يُطعِم كبده للنسور ويجدده كل يوم. إنه بروماتوس الذي سرق النار والحرية من الآلهة لأجل الإنسانية! وكأن هذه الملحمة تتحول إلى حقيقة تتجسد في شخصيتي.

عندما أضع مقاييس القانون الإيجابي نصب عيني، لا أعطي احتمالاً كبيراً لحصول البحث الجدي في حقوقي. هذا علاوة على أن متانة الأرضية السياسية والاقتصادية التي ترتكز إليها دعواي، وكذلك قوة حقيقة المؤامرة؛ إنما تفوق كثيراً قوة القانون. بيد أن القانون بذاته ليس سوى سياسة مرتبطة بقواعد ومؤسسات على المدى الطويل. وهذا الأمر صحيح بالنسبة لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية أيضاً. ومع ذلك، فاستخدام حق الدفاع عن الذات يعد مهمة أخلاقية وسياسية وحقوقية. وأنا على قناعة تامة بأن كفاحي الدفاعي المتواصل منذ ست سنين، أسمى معنىً ويفوق في بَنَّائيته وخلاقيته دفاعي الأيديولوجي والعملي السابق.

على من يرغبون محاكمة الغير والحكم عليهم بالموت أن يتمكنوا من محاكمة ذاتهم أيضاً. ومن يود الدفاع عن غيره، عليه معرفة كيفية الدفاع عن ذاته. ومن يسعى لتحرير غيره، عليه أولاً معرفة كيف يحرر ذاته. بهذا فقط قد نستطيع تحويل حق الولادة الحرة لأطفالنا الذين لا يلدون أحراراً، إلى حقيقة واقعية ملموسة.

لقد استلزمَت محاكمتي في ظل هذه الظروف أشد أنواع العقاب، بسبب محاولاتي تحفيزَ مجتمع فقدَ أمله وخارت عزيمته، على المناشدة بمطاليبه؛ وبسبب كونها عملية جذرية تجاه النظام المنجر وراء القوة وجشع الربح المنفعي. هذا لو تركنا المؤامرة المستترة تحتها جانباً! وهذا ما يتم فرضه. فأينما يندلع تمرد يشرع بالمساءلة: "أين مجتمعي؟ أين ثقافتي؟ أين لغتي الأم؟ أين حريتي؟"؛ يغدو ممهوراً بالانفصالية وخيانة الوطن. لم يكن ثمة جرم من هذا القبيل في الإمبراطورية العثمانية. بل وليس موجوداً في عموم نظام الأمة التركية. إنه من مبتكرات الأنظمة البيوسلطوية والعرقية والفاشية ونظم السلطات التوتاليتارية الأخرى للحضارة الأوروبية، حيث صدَّرته إلى نظام الدولة التركية في القرن العشرين. وقد أخذ العالم برمته نصيبه منه.

إذا كنا سنقَيِّم تاريخ 11 أيلول 2001 بأنه حقاً نقطة انعطاف مهمة، فعلينا إذن أن نراها كمرحلة استراتيجية للحرب المبتدئة بعد الحرب الباردة (لنُسَمِّها بحرب ما بعد الحداثة)، لا أن نراها كبداية للحرب العالمية الثالثة. كم لعبت المؤامرة دورها في ذلك؟ هل كانت استفزازاً أو إثارة من قِبَل النظام العالمي؟. يبقى الجواب عن كافة هذه التساؤلات المطروحة مجرد تفصيل، إزاء المستجدات الموضوعية. فقد وَجَد العديد العديد من المفكرين والقوى البيئية والسياسية، أن الانطلاقة الأمريكية لا معنى لها، وأنها منافية للقانون الدولي والأخلاق. وأعربوا عن ردود فعلهم وسخطهم. ورغم كل العراقيل المزروعة، إلا إن القوة الآمرة للنظام قامت بحملتها على الصعيد الاستراتيجي.

لا أرى داعياً للإسهاب في هذه المسائل. وكل أمنيتي ألا تندرج في جدول الأعمال. أود الإيضاح للأطراف المعنية بأن أي سيناريو محتمل كهذا، قد ينبه الجميع. ولربما يحصل ما هو أسوأ. وإذا ما وضعنا تراجيديا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وأحداث العراق المأساوية الأخيرة نصب أعيننا، سيُدرَك تماماً أننا لا نتكلم هباء أو سدى. أعتبر الإشارة إلى هذه النقاط مَهَمة وواجباً ضرورياً، لتحليل رموز المؤامرة المحاكة ضدي. وأقول بكل إيمان وقناعة أنه ما من مشاكل يستعصي حلها مع تركيا، بشرط توفر التكامل الديمقراطي للوطن، وارتباط الدولة بالديمقراطية جوهرياً. ومن دواعي إيماني ذاك أن نمد المشاركة والمشاطرة المتداخلة التاريخية لشعبينا بالقوة والدفع، من خلال المعايير العصرية والديمقراطية ومبادئ الحرية والمساواة. وكَوني منفتح لكل موقف جوهري متفانٍ، أمر لا يحتمل الجدل. فالنقطة التي طالما ارتعشَت أفصادي لأجلها وارتعدت، كانت في سبيل ألا يريق إنساننا ولو قطرة دم واحدة من عروقه، وألا يجتر الآلام ولو للحظة واحدة. لكن النقطة الأخرى التي لا تشوبها شائبة، هي تحليلي وإيضاحي الشمولي للغاية لكل هذه الأمور، وعجزي عن فصل ذلك عن هويتي الإنسانية والاجتماعية والشعبية. وبالأصل، ما من جانب من الحياة يمكن تفهمه أو العيش ضمنه خارج إطار هذه الخاصيات.

وأنا أحد الذين أُقحِموا في مرحلة مشابهة لحكاية سيدنا عيسى، وفي بقعة قريبة من مكانه وثقافته، بعد مرور ألفي عام بالتمام عليها. وفي هذه المرحلة حلَّت أمريكا محل روما، باعتبارها القوة الإمبراطورية للحضارة الغربية. وبينما كانت روما قوة مولِّدة للحضارة الغربية، فأمريكا أقرب إلى أن تكون القوة القاضية عليها. وهي _ أي أمريكا _ تنتشر في منطقة الشرق الأوسط بسرعة، تماماً مثلما فعلت روما. وهي أيضاً بحاجة ماسة للمتواطئين معها. في حين يشهد مجتمع الشرق الأوسط، مرة أخرى، تمايزاً سريعاً على نحو ثنائية "الأغنياء _ الفقراء". وتولَّدت العديد من أحزاب الفقراء، إلى جانب أحزاب الأغنياء المتواطئة. لكن أشد شعوب المنطقة فقراً هذه المرة هم الكرد، حيث يعانون من قمع مشدَّد ومضاعَف. لا أقصد هنا أنني أستلطف أو أحبذ التشبُّه بأحد ومحاكاته. إلا أن طراز ولادتي وتكوُّني، وُلوجي داخل النظام، ومعارضتي إياه، وأسلوب اعتقالي؛ كل ذلك قريب، شكلاً ومضموناً، من حكاية سيدنا عيسى. فالكل يدرك أني اعتمدتُ أساساً على أشد شعوب الشرق الأوسط فقراً كقاعدة وركيزة. وبحثي عن الأيديولوجية الجديدة والعقلية الحديثة أمر بارز تماماً. وقد تشكلت جماعات مرتبطة بي لأبعد الحدود، مما زاد ذلك من سخط ونقمة الإمبراطورية الرومانية الجديدة _ أمريكا _ والمتواطئين معها. هذا بالإضافة إلى أن الدولة اليهودية هي من أقرب حلفائها إليها. وثمة موالون شديدون لها بين صفوف الإغريق أيضاً. فالإغريقي "كلاندريس"، صاحب الخيانة القاضية والمميتة - تماماً مثلما يهوذا الإسخريوطي _ يتظاهر بتعاطفه ومؤازرته الحميمة. من جانب آخر، فإن تعاظم الفقراء الكرد يقضُّ مضاجع الملوك الصغار للمَلَكية اليهودية الكردية، ويُفزِعُهم. كل المتواطئين يحسون بحاجة ماسة لإحكام أوضاعهم في المنطقة وتمتينها. ذلك أن وضعيتي الأيديولوجية والسياسية تزعجهم أشد إزعاج. والمصالح ملائمة لأقصى حد لحبك المؤامرة إزائي، ليطول عمر استبدادهم، ولو قليلاً.

أما المؤامرة المحاكة ضدي، فقد تحققت في ظل الظروف التي مرت بها الجمهورية التركية. وبدون الإدراك التام للوجه الخفي للمؤامرة، والأطراف المشاركة فيها، لا يمكن النوء إطلاقاً عن عبء أية مشكلة، ولا القيام بأية تحليلات أو شروح سليمة بصدد عاقبة الجمهورية التركية.

رغم النواقص والأخطاء الجدية البارزة، إلا أنه لا يمكن إنكار تجسيدي لانطلاقة ديمقراطية عظمى باسم كافة الشعوب عموماً، والشعب الكردستاني على وجه الخصوص. إذ من الساطع سطوع النهار محاولتي في تطوير تنظيم العقلية حتى عملية 15 آب. ومن الضروري القبول بأني اضطُرِرتُ للقيام بذلك، كحِبكة أو نسيج مختلط من تيارَي الاشتراكية المشيدة والتحرر الوطني، لعجزي عن الانطلاق به إلى سوية أكثر رفعة. تُعتَبَر الأعوام الخمسة عشر، المتراوحة بين 15 آب 1984 و15 شباط 1999، مرحلةَ عمليةِ تنظيم الذهنية وتطبيقها. أي أنها الفترة التي برزت فيها العملية، وأفصحت عن الممارسة العملية بأفضل أشكالها. وقد تجلى تعريفي لذاتي بشكل أوضح وأفضل مع مرحلة الممارسة العملية تلك. إذ يمكن القول، من خلال الحقيقة الظاهراتية التي مثلتُها، بأني اختبرتُ المشاكل وإمكانيات الحل لدى الفرد بصددها. لكن، عندما أقول "أنا"، فمن الضروري عدم الجنوح إلى المبالغة. فأنا مجرد وسيلة. أما ما برز إلى الوسط، فهو الشعب المنتسب لواقع اجتماعي مكبوت منذ آلاف السنين. ورغم تحليلي الفائق الجودة للألوهية، إلا أن المصطلحات الفنية التي استخدمتُها، كانت أقرب إلى العلمية.

لم تتقبل محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في قرارها الصادر بتاريخ 6 أيار 2003 القرار الصادر عن محكمة الأمن في دولة تركيا، بذريعة أن "المحكمة ليست مستقلة، وأنا لم أُحاكَم بعدالة". مقابل ذلك، صرَّحت المحكمة اللامستقلة واللاعادلة في قرارها، عن رأيها بأن الإتيان بي إليها حصيلة المؤامرة الأشمل على الإطلاق في القرن العشرين، إنما يوائم القانون ويناسبه. هذا الرأي (أو القرار) هو ذو مضمون سياسي بحت، وامتداد للمؤامرة بحد ذاتها؛ وقد حُدِّد سلفاً كجزء من المخطط المرسوم.

في هذه النقطة بالذات اكتسبت المؤامرة المحاكة ضدي بُعدها الدولي. ذلك أن وجودي ووجود الحركة التي مثلتُها لم يمتثل لهذه الألاعيب. كما كان يشكل خطراً محيقاً لإفراغها من محتواها. لقد كانوا يرون في أخذ المبادرة والمراقبة على الكرد من يد حركتنا، لإبقائها بيد القوى الإمبريالية، مسألة ذات أهمية استراتيجية مصيرية. كانوا سيروِّضون بذلك الدول القومية العربية والفارسية والتركية. كان ثمة عشرات الآلاف من الكرد يروَّضون في أوروبا وأمريكا لهذا الغرض. وتشكلت كردياتية ملائمة لمعاييرهم بكل إصرار. في الحقيقة، فقد اتسع نطاق المرحلة التي باشرَت بها إسرائيل تصاعدياً بعد عام 1945، عن طريق عائلة البارزاني. لهذا السبب ابتدأت أهميةُ كسب الكرد كأحباء وأعزاء جدد تتبدى لدى الغرب. وتدارست الدول الشرق الأوسطية ذات تقاليد الفتح وضع كُردِها من جديد. وأسَّست جيشاً كردياً من الاستخبارات والحُماة المرتزقة بإمرة قوى الأمن. أما القسم الثالث، أي المجموعة الكردية الفقيرة والكادحة، فأسَّسه PKK ضمن منهج وطني وديمقراطي.

خلاصة، تواجِه الدائرة العليا لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبية مسألة سنّ قرار تاريخي ومصيري، يتيح المجال لقضاء عادل في محكمة مستقلة. وإذا كان ثمة دور يقع على كاهل القانون في إفساح المجال لحل ديمقراطي في القضية الكردية، فسيمر هذا الدور من إفساد المؤامرة السياسية وإفشالها. بهذه الوسيلة فقط سيتضح الجانب المتعلق بالسلام لقوانين الاتحاد الأوروبي. إذ يتوارى عدم تطبيق القوانين الأوروبية وراء المحاكمة الجارية في خضم ظروف ساحقة بهذا القدر.

كان مفهوم الرفاقية الراسخ في شخصيتي أحد التناقضات التي تواجدت بيني وبين أمي. حيث كانت أمي تقول بأنني أخدع ذاتي بهذا المفهوم. وأظن أنها وجدت مفهومي الرفاقي العظيم، وشغفي الكبير به ملفتاً للنظر، لعدم انسجامه مع القيم الاجتماعية السائدة. كانت متنبهة إلى أنني سأبقى وحيداً، وسيصون رفاقي منافعهم. وقد انتبهتُ بدوري لهذه الحقيقة في وقت جد متأخر. كانت المشكلة تتمثل في ما يمكن فعله، والى أي مدى، مع أفضل الرفاق وأكثرهم ارتباطاً. كنت على قناعة بأنه ما من شيء لا يمكن عمله، وما من هدف يستحيل بلوغه. ومرة أخرى ذكَّرَني الرباط الرفاقي الجذري بثنائية كلكامش – أنكيدو. إذ ثمة مثل هذا النمط من الثنائيات على مر التاريخ. ولربما كان من دواعي الثنائيات الكونية. فالمتطلعون إلى مسيرة عظيمة، يطمحون إلى الرفاقية العظيمة. كنت أتطلع إلى ذلك مذ كنت طفلاً في القرية. وكان حسن بيندال ثمرة هذا الطموح. أستغرب كيف انتبهت العصاباتية اللعينة لذلك، فأدخلَتْه في دائرة المؤامرة. إنها مشكلة لا تزال تنتظر الحل، حسب رأيي. لكن، لو أن تلك المؤامرة المجرَّبة على رفيقي استمرت، لكانوا سيقضون عليّ أيضاً. وهذا ما معناه أن صديقي كان صديقاً عظيماً.

لقد تبين أنه ثمة ردود فعل وارتكاسات عنيفة إزائي. فبقدر عدم تزويدي من الخارج بالمعلومات، تم تخدير بعض الإرشادات التي وددتُ الإشارة إليها، وتجميدها لسنوات عديدة. إني مدرك أن ذلك سابق في تطبيقه لموقف عثمان بفترة طويلة. لذا، يجب كشف النقاب عن هذه المؤامرة المحاكة ضدي، وليس ضد عثمان؛ والتي تمتد بجذورها إلى الأيام التي أُتِيَ بي خلالها إلى جزيرة إمرالي، والتي صرَّح بها "أحمد أوكجو أوغلو" علانية. إذ لا يمكن إيضاحها بمواقف كهذه، كالقول "عثمان أخذ زوجة له، وهرب".

قد يدحضون موقفي في السجن. وقد لا يجدونه وطنياً أو ثورياً بما فيه الكفاية. يستطيع الوسط (أو الأوساط) المعني التصريح بذلك علناً. فالتنظيم في حوزتهم. لذا، فعدم علانيتهم قد تكون تحسباً من القاعدة الجماهيرية، ومن ارتباط الشعب بي. جلي جلاء النهار أنني استُثمِرتُ لأجل غاياتهم، وأُريدَ عزلي تماماً لشل تأثيري.

قد يكون انتقادي في شؤون الحرب والسلم ذا معنى. فندائي بإيقاف العمليات على الفور تحت تأثير المؤامرة، لم يكن ملائماً للأصول. ولكن استهداف المؤامرة للقاعدة الحزبية برمتها، وتَرَقُّب الخيانة إياها في الكمين، كانا مؤثرَين مصيريين. فدعك من كونه نداء لأجل ذاتي، فمن المعلوم كيف استُخدِم ضدي. ورغم أن بقاء القاعدة بلا عمليات مدة طويلة يرجع إليّ نسبياً، إلا أن وضع القاعدة وقيادتها المسؤولة كان عاملاً محدِّداً. لكنْ، كان ثمة مغالطة جذرية تمثلت في خلق انطباع، وكأن ذلك يحصل دائماً بأمر مني. إنه خطأ مائة بالمائة. إذ ثمة الكثير الكثير من العمليات والممارسات العملية المطبقة باستثمار اسمي. وساطع عدم رغبتي قطعياً في أن أكون آلة لذلك. وهذه ستكون النقطة التي سأنتبه إليها بكل حذر، من الآن فصاعداً. لقد عملتُ على توخي الدقة في تصرفاتي بهذا الصدد. وذكرتُ على الدوام لزوم بحث القاعدة الحزبية عن شروط الحرب والسلم في واقعها هي؛ لا لأجلي، بل لأجل الشعب. كان بالمقدور استيعاب اعتماد التكتلات على هذه الأرضية.

وفي أعوام 94 – 95 – 96 – 97 – 1998، أدى العناد في التكرار إلى استنزاف طاقات الطرفين كثيراً. ولكون 28 شباط عبَّر عن صوت مختلف متميز، بادرتُ بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في 1998، وأنا على قناعة بأن الدولة لن تنظر إليه بعين الإهمال. إلا إن خروجي الاضطراري من سوريا، نتيجة الضغوطات المفروضة عليها، أثر سلباً على أن تسفر خطوتي تلك عن النتائج المرجوة في الحل. ذلك أن الدولة لم تتراجع قيد شعرة عن هجوماتها المكثفة علينا، لقناعة منها بأن فرصتها السانحة قد حانت، لتنهي المسألة بالسبل العسكرية بكل عناد. ومع بدء أحداث مغامرة أوروبا وفترة إمرالي المعروفتين، ولجنا في مرحلة مغايرة. هذا الوضع عبَّر عن المرحلة الثانية للتحول إلى PKK.

يمكننا القيام بالعديد من التقييمات المتنوعة الجوانب، وعلى كافة الأصعدة، بشأن الفترة المستمرة خمسة عشر عاماً، والممتدة بين 15 آب 1984 و15 شباط 1999؛ والتي بمقدورنا تسميتها بمرحلة الحرب ذات الكثافة المنخفضة. ومثلما يمكن تناول هذه الفترة من نواحيها القيادية والسياسية والعسكرية والممارسات الإدارية، فيمكن النظر إليها أيضاً من ناحية فن الحرب والسلطة. هذا بالإضافة إلى تحديد الأمور الأساسية الخاطئة منها والصحيحة، وكذلك الأعمال التي كان واجباً علينا القيام بها بالتأكيد، أو عدم القيام بها مطلقاً. هذا ويمكن معالجة الفترة على الصعيد العالمي أيضاً، وخصوصاً انهيار السوفييتات في بداية التسعينات، استلام كلينتون دفة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، أزمة العراق، وحملة العولمة الجديدة؛ ودراسة هذه المواضيع بشمولية تحليلية قصوى. ارتباطاً بذلك، يجب تحليل اليسار القديم وتجاوزه، ودراسة كيف يكون اليسار الحديث، وإعادة النظر أيضاً في اليوتوبيا الثورية، وفي المواضيع النظرية؛ بعد تحديد أماكن النقص في التقييمات الموجودة وتثبيت أخطائها، والعمل بالتالي على إكمالها وإتمامها.

من المهم بمكان رؤية نصيب المستجدات الدولية أيضاً في الوصول إلى هذه النقطة. إذ لا يمكن الحظي بإيضاح وافر وكافٍ للوضع الناجم، بالاقتصار على التطورات الحاصلة في PKK وفي بنية الجمهورية التركية لوحدها. فانهيار السوفييتات في التسعينات، وظاهرة العولمة، ورئاسة كلينتون؛ كانت جميعها عوامل ذات تأثير بارز وواسع النطاق على مسار التطورات في الشرق الأوسط عموماً، وفي تركيا وكردستان على وجه الخصوص؛ سواء بشكل مباشر أو ملتوٍ. فانهيار السوفييتات أثر على مستوى عزيمة سوريا، مما أسفر عن خروجي المعلوم منها. حيث ضعفت المساندة الدبلوماسية لسوريا، وافتقرت للدعم الشامل المرتقب لها.

حتَّمَ التغيير، الذي سيسفر عن ظاهرة العولمة في الشرق الأوسط، ضرورة التحلي برؤية أوضح لمستقبلنا وآتينا. وإلا، فلا يمكن الجزم باحتمالات التطورات التي قد تحصل في العديد من البلدان، وفي مقدمتها العراق. والتشبث بالبراديغما القديمة سيوقعنا في التزمت والعَمى عن رؤية الآتي في الزمان المناسب. علاوة على ذلك، كان من الواجب التخمين أو الحسم بأن كلينتون، باستلامه دفة الحكم، سيتقرب من المنطقة بتكتيكات مغايرة للمألوف. ولو أننا استوعبنا أغوار السياسات الأمريكية بشأن المنطقة وتركيا وكردستان، لما وقعنا في الأوضاع اللاحقة لفترة خروجي من سورية. إذ تسفر التقييمات والرؤية السطحية والمتأخرة، عن التحول في وقت غير مناسب، وبالتالي إفلات زمام المبادرة من اليد.

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006