|
القائد
عبد الله أوجلان
تعد العلاقة القائمة بين المجتمع
والطبيعة، الساحة التي يتكاثف تركيز علم الاجتماع
عليها. ورغم جلاء مدى تأثير البيئة على المجتمع،
إلا إن البحث العلمي في ذلك، وتشكيلها موضوعاً بحد
ذاته في الفلسفة، يُعتبَر أمراً حديث العهد. حيث
ازداد هذا الاهتمام مع بروز مدى تأثير النظام
الاجتماعي على البيئة بأبعاد كارثية. وإذا ما
تغلغلنا وتمحَّصنا منبع هذه المشكلة، يتبدى أمامنا
النظام الاجتماعي المهيمن والمناقض للطبيعة لدرجة
خطيرة. يتجلى مع مرور الأيام، وبماهية علمية
متصاعدة، أن الاغتراب عن البيئة الطبيعية هو مصدر
التناقضات الداخلية للمجتمع، والممتدة على طول
آلاف السنين. وأنه بقدر تزايد الحروب والتناقضات
الداخلية في المجتمع، ازداد الاغتراب عن الطبيعة
والتضاد معها. لقد أضحت كلمة السر في حاضرنا تتمثل
في الهيمنة على الطبيعة، والاستيلاء على مواردها،
واستغلالها بلا هوادة أو رحمة.
كما يكثر الجدل عن وحشية الطبيعة. لكن هذا
الاعتقاد خاطئ بكل تأكيد. إذ يتبين من خلال مشاكل
البيئة المعاشة، أن الإنسان المستوحش تجاه أبناء
جنسه، يغدو في حالة وحشية جد خطيرة إزاء الطبيعة
أيضاً. وما من موجود (أو فصيلة) قضى على فصائل
النباتات والحيوانات، مثلما فعل الإنسان بها.
هانحن أمام مشكلة إنسان لن يفلح في النجاة من
التحول إلى نوع ديناصوري منقرض، فيما إذا واظب على
عمله في عملية الإبادة تلك بوتيرته الحالية.
إنْ لم يوضع حد للتضخم السكاني المتزايد بسرعة،
وللتخريبات التي يُحدِثها الإنسان بتقنياته
المتطورة بشكل مذهل، والمستخدَمة بكل سوء؛ فستبلغ
حياة الإنسان مرحلة لا يطاق العيش فيها، خلال فترة
ليست ببعيدة أبداً. وستتضخم هذه الحقيقة وتصبح
عملاقة كالديناصور في بنى المجتمع الداخلية،
لتتبدى على شكل حروب متزايدة، وضروب من الإدارات
السياسية تعد الأخطر على الإطلاق، وتَفَشٍّ
البطالة، وافتقار المجتمع للمعنويات، وظهور بشرية
مسيَّرة كالروبوت الآلي. وبدون تحديد بواعث تقدم
المجتمع في هذا الاتجاه بشكل صحيح، فمن المحال
صياغة شروح نظرية سليمة، أو إيجاد دروب الحل
الصائبة بشأن المدنية التقليدية والصراعات الطبقية
والقومية.
إن عجز السوسيولوجيا عن إيجاد الحلول لمشاكلنا
الراهنة، ولو بقدر الدين، يحتِّم ضرورة محاكمة علم
الاجتماع، وبالتالي محاكمة كافة البنى العلمية
القائمة. فما دام العلم قطع كل هذه الأشواط من
التقدم، لماذا إذاً كل هذا الطيش والتهور؟ ذلك أنه
معلوم أن الإحصائيات الدموية للقرن العشرين
بمفرده، تضاهي ما شهده التاريخ البشري برمته منها
أضعافاً مضاعفة. وهذا ما مؤداه أن البنية العلمية
أيضاً تتضمن نواقص وأخطاء في غاية من الأهمية. قد
لا تكون تلك الأخطاء كامنة في التثبيتات العلمية،
بل ربما تتواجد في طراز إدارتها وشكل تطبيقها. لكن
ذلك لا يزيل عبء المسؤولية عن كاهل العلم برجاله
ومؤسساته.
إن الغوص في النقاش على هذه النقاط ليس من شأننا
هنا. ولكني على يقين بأن حالة رجال العلم ومؤسساته
الحالية أكثر رجعية ولامبالاة من حالة التبعية
التي كان عليها الرهبان في المماليك المصرية
والميزوبوتامية سابقاً؛ سواء على الصعيد الأخلاقي
أو العقائدي. فالأديان المنبثقة من التقاليد
الإبراهيمية، ورُسُلها، لعبت دوراً عظيماً في تطور
البشرية من الناحيتين الأخلاقية والعقائدية، لدى
تمردها على أنساب الفرعون والمَلك نمرود. يشكل هذا
الدور الوجه الإيجابي لتقاليد الرهبان. في حين أن
ما فعله رجال العلم المؤتمِرين بإمرة السلطة، لم
يكن سوى تزويد المتهورين المتسلطين بوسائل
الإبادة، ووضعها بين أياديهم على الدوام، لينتهي
بهم الأمر بتفجير القنبلة الذرّية على رأس البشرية.
وهذا ما مؤداه أنه ثمة خطأ فادح في العلاقة
القائمة بين العلم والسلطة. بمقدورنا تقييم العلم
واستثماره كثمرة من ثمار المجتمع، وكمكسب ثمين
وقيِّم. في حين لا يمكن التذرع بأية حجة لبواعث
هذا الكم من الكوارث الناجمة عنه. لذا، لا يمكننا
تَقَبُّل رجال العلم ومؤسساتهم بجانبهم هذا، بل
ولا حتى الصفح عنهم. وسيكون أمراً مفهوماً تماماً
مدى الحاجة الماسة لقيامنا بمحاكمة السوسيولوجيا
وكافة العلوم الأخرى، في حال لم تُفَسَّر دوافع
وماهية هذا التناقض الأولي. أين حَبَك النظام
القائم لعبته الكبرى؟ أين حث على ارتكاب الأخطاء
الرئيسية؟ متى، وكيف أقحم مستقبل البشرية في مرحلة
مشحونة بالضبابية الكثيفة؟ من دون القيام بمساءلة
ومحاسبة كهذه، لن ننجو من "سحب الماء إلى رحى
النظام الاجتماعي المهيمن" مرة أخرى في نهاية
المطاف؛ مهما حاولنا صياغة نظريات التحرر والحرية
والمساواة، أو تطبيقها عملياً.
ستَنْصَبُّ معظم جهودي في الكشف عن الدور الذي
لعبه هذا التناقض الرئيسي الكامن في أساس الحضارة
الأوروبية، لتأخذ بذلك حيزاً مهماً من عزمي في
مرافعتي هذه. إذ، وبدون تسليط الضوء على هذه
الخاصية، ستبقى دراسة ومعالجة الأخطاء الفادحة
الأخرى لذاك النظام تعاني من النقصان. والنظام
الغربي يستر نفسه ويتخفى في أكثر النقاط حساسية
وحرجاً، وبدرجة تزيد على كافة الأنظمة الاجتماعية
الأخرى. ذلك أنه النظام الأكثر تطويراً للتحريفات
الذهنية والمعنوية بدعاياته المتواصلة. ودعك من
كونه يمثل أكثر العصور حرية، بل لن يكون من الصعب
علينا البرهان على أنه العصر الشاهد لأشد أشكال
العبودية تقدمية. لهذا السبب ارتأيتُ ضرورة صياغة
فرضيات جديدة للأشكال الاجتماعية، حسب معتقداتي.
وأظن أنني بذلك سلكتُ درباً إيضاحياً أسمى معنى.
أقصد بمصطلح "المجتمع الطبيعي" نظام الجماعات
البشرية، الذي دام مرحلة اجتماعية طويلة تبدأ
بانفصال الموجود الإنساني عن فصيلة الثدييات
الرئيسية البدائية، وتنتهي بظهور المجتمع الهرمي.
وعادةً ما تطلق تسمية المرحلة الباليوليتية (العصر
الحجري القديم) والنيوليتية (العصر الحجري الجديد)
على هذه الحقبة من التاريخ البشري، والتي شهدت
ظهور تلك الجماعات الإنسانية المسماة بـ"الكلان"
التي يتراوح عدد أفرادها بين العشرين والثلاثين
شخصاً. تعود هذه التسمية إلى استخدام تلك الجماعات
الأدوات الحجرية. كانت تلك الجماعات تتغذى على
الصيد وجمع الثمار المتوافرة في الطبيعة. أي أنها
تعيش على النتاجات والثمار الجاهزة في الطبيعة.
إنها طريقة تغذية شبيهة بما تسلكه الفصائل
الحيوانية القريبة منها في قُوتِها. لذا، لا يمكن
الحديث هنا عن وجود مشكلة اجتماعية ما. فـ"الكلان"
تكون في بحث متواصل عن القُوت. وعندما تجده، إما
أن تجمعه أو تصطاده. وباكتشاف النار وازدياد صنع
الآلات والأدوات، تزداد نتاجات الكلان، ليتسارع
بالتالي تقدمها كجنس بشري، وتزداد الهوّة الفاصلة
بينها وبين أسلافها من الثدييات البدائية.
والقوانين الطبيعية للتطور الطبيعي هي التي تحدد
سياق التطور ووجهته.
يمكننا التطرق إلى مشكلة العقلية والتعبير، فيما
يتعلق بالمجتمع الطبيعي، وشرحها. إذ لا تزال مسألة
تحديد المستوى العقلي الذي تكوّن فيه الإنسان
وتأهّل، تحافظ على حيويتها. ارتباطاً بذلك، هل يجب
إبلاء الأولوية للعقل، أم للبنية والأدوات؟ الرد
على هذا السؤال هام للغاية. وتكمن هذه المفارقة في
أسس كافة التيارات الفلسفية، المثالية منها
والمادية، البارزة عبر التاريخ. أما الحدود
الأخيرة التي توصل إليها العلم مؤخراً بشأن
الكوانتوم والكوسموس، فتزودنا بمواقف بالغة
الغرابة والعجب. فالكوانتوم، الذي هو عبارة عن
الجزيء الأصغر من الذرّة، وفيزياء الموجة، يفسح
لنا مساحات مختلفة كل الاختلاف. حيث تم الوصول فيه
إلى حقائق وإثباتات عديدة، بدءاً من النُّظُم
الحدسية والتفضيلية (الانتقائية) الحرة، والتعبير
عن شيئين مختلفين في نفس اللحظة، وحتى قاعدة عدم
تخطي الغموض والهلامية أبداً بسبب بنية الإنسان
الموجودة. ويُترَك مفهوم المادة الفظة والجامدة
على الرف كلياً. بل، وعلى النقيض من ذلك، فنحن هنا
وجهاً لوجه أمام كَوْنٍ لا نهاية لحيويته وحريته.
يكمن اللغز الأصل هنا في الإنسان، وفي حالته
العقلية على وجه التخصيص. إننا لا نتكلم عن السقوط
في المثالية أو الذاتية. ولا نَلِج في الجدالات
الفلسفية المثيلة، والمُعمَل بها كثيراً. بل نفهم
من ذلك بكل جلاء، أن كل هذا الكم من التنوع
والتعدد السائد في الكون، إنما ينبثق من حدود
الكوانتوم.
إذن، أصبحنا نشاهد ما هو أبعد من جزيئات الذرّة.
إنها المجريات التي تحدث في فضاء الجزيء والموجة،
والتي تشكل كل أنواع الموجودات، وفي مقدمتها
خاصيتها "الحيوية". وهذا بالذات ما نعنيه بحدسية
الكوانتوم. حقاً إن تنوعاً طبيعياً بهذا الكم
الهائل غير ممكن، إلا بالذكاء الخارق والانتقاء
الحر. فكيف يمكن للمادة الفظة والجامدة أن تنتج
هذا الكم من النباتات والأعشاب والزهور والكائنات
الحية، بالإضافة إلى ذكاء الإنسان؟ مهما يقال بأن
الجزيئات ذات الأَيْض الحيوي هي التي تتكون في
الأساس، إلا أنه من غير الممكن تقديم تعليل قدير
وكفؤ للتنوع الطبيعي، ما لم نعلل أولاً نظام
الذرّات في الجزيئات، والجزيئيات الصغرى في
الذرّات، والجزيئيات والموجات في الجزيئيات
الصغرى؛ ونشرح ما يحصل فيما وراءه. بإمكاننا اتباع
نفس السلوك من التحليل والتعليل بشأن الكوسموس
أيضاً. ذلك أن ما يجري في الحدود القصوى للكون
المترامي الأطراف – هذا إن وُجدت حقاً حدود قصوى
له – شبيهة بما يجري في مساحة الكوانتوم أيضاً.
ويتبدى أمامنا هنا، مفهوم كَونٍ حيوي ونشيط. أفلا
يُعقَل أن يكون الكون بذاته كياناً حيوياً بعقليته
ومادته؟ إنه سؤال سيدور الجدل حوله تصاعدياً في
علم الكوسموجيا (علم نشأة الكون).
نسمي الإنسان الواقف في المنطقة الوسط بين
الكوانتوم والكوسموس بـ"الكوسموس المِجهَريّ".
النتيجة المفضى إليها هي: إذا كنتَ ترغب فهم
كَونَي (فضاءَي) الكوانتوم والكوسموس، حلِّلْ
الإنسان! فالإنسان – حقاً – فاعلُ كل المعارف
ومبتكِرها. ذلك أن كل معلوماتنا هي من نتاج
الإنسان. وكل المعلومات المتوفرة عن كافة الساحات،
بدءاً من الكوانتوم وحتى الكوسموس، قد طُوِّرَت
بشرياً. إذن، فالذي يستدعي التمحيص والتدقيق
أساساً هو مرحلة الفهم لدى الإنسان، والتي تعني
فيما تعنيه تاريخ سياق التطور الطبيعي المقدَّر
حتى الآن بعشرين مليار سنة على وجه التقريب. إذن،
فالإنسان – حقيقةً – كوسموس مجهري. فنظام
الكوانتوم يسري فيه. إننا نشهد فيه تاريخ تطور
المادة، بدءاً من الجزيئيات الصغرى في الذرّة،
والموجات، وحتى جزيئات الدانا (DNA) الأرقى على
الإطلاق. علاوة على أننا نلاحظ فيه أيضاً تاريخ
مراحل التطور بأجمعها، بدءاً من الدورة السفلى
لتطور النباتات والحيوانات، وحتى تطور الإنسان.
ويُرى بعين اليقين علمياً أن الجنين البشري يكبر
وينمو مكرِّراً كافة أطوار التطور البيولوجي.
ويأتي المجتمع ومراحل التطور الطبيعي بعدها،
لتُكمِل نضوجه. وقد تمكن العلم من قطع هذه الأشواط
الملحوظة، عبر التطور الاجتماعي الطبيعي. لذا،
يُعَد اعتبار الإنسان مختزَل الكون واختصاراً له،
حُكماً علمياً مجمَعاً عليه.
إذا ما أسهبنا في تفسيرنا للإنسان، يمكننا سرد
الفرضيات الآتية: لولا خاصيات الحيوية والحدسية
والحرية التي تتسم بها كافة المواد المكوِّنة
للإنسان، لما تطورت حيوية وحدسية وحرية الإنسان،
باعتباره يمثل مجموع تلك الخصائص. ذلك أنه ما من
شيء يولد من العدم. هذه الحقيقة المثبتة تدحض
مفهومنا في المادة الجامدة وتُبطِله. ما من شك في
أنه لولا وجود مجتمع ونظام من قبيل الإنسان، لما
تطور الكيان المعلوماتي. ومن جانب آخر، لولا
الخصائص المعرفية والحدسية والفهمية والطلاقة
الحرة للمواد التي تلعب دورها وتنشط في ذاك
المجتمع وذاك النظام (الإنسان)؛ لكان من الجلي
واليقين أن المعلومة، أو المعرفة، لن تجد لذاتها
مكاناً أو تتكون بتاتاً. فلِمَ تُخلَق أو
تُبتَكَر، إن كانت لا تتضمن شيئاً؟ من غير الواقعي
النظر إلى هذه الدراسة (أو التعليل) على أنها مجرد
انعكاس بسيط للطبيعة الخارجية، أو رؤيتها كمعلومة
استحوذ عليها الإنسان بنمط تفكير ديكارتي. أما
الرأي الأدنى إلى الصحة، فيتمثل في أن الخاصيات
التكوينية في فضاء الكوسموس والكوانتوم تحيا وتسري
في الإنسان أيضاً. وبالطبع، فهذه القوانين تسري
وفاقاً لخاصيتها هي. إذاً، فالأكوان تعبِّر عن
ذاتها في الإنسان.
الخلاصة المستنبطة هنا هي أن الفهم القدير للكون
يمر من الفهم القدير للإنسان. والحُكم الشهير جداً
في الفلسفة، والذي مفاده: "اعرفْ نفسك!"، إنما
يشيد بهذه الحقيقة. ذلك أن معرفة الذات هي لَبَنة
وركيزة كل المعارف. وكل المعارف المكتسبة من دون
معرفة الذات، لن تذهب أبعد من الانحراف والضلالة.
لهذا السبب بالذات، لا مناص من أن تتقمص كل
المؤسسات والسلوكيات البارزة في المجتمع الإنساني
دوراً انحرافياً ومشوهاً، في حال افتقارها إلى
معرفة الذات. وكل الأنظمة الاجتماعية، بخاصياتها
غير الطبيعية، المتناقضة، الدموية، الاستعمارية،
والمنبثقة من المعارف غير المرتكزة إلى معرفة
الإنسان ذاته؛ إنما هي متمخضة من تلك المعارف
الضلالية. إذن، والحال هذه، عندما نقول بحتمية
انبعاث مرحلة التطور الطبيعي المعقول والمقبول
للمجتمع الإنساني من المعرفة الخاصة بالإنسان؛
فإننا بذلك نضع البنان على القاعدة الكونية،
وبالتالي الاجتماعية، الأولية على الإطلاق.
بناء على هذه الفرضية، ما الذي يمكن قوله بشأن
جوهر بنية معرفة الإنسان في المجتمع الطبيعي؟ فعلى
الأقل، يمتثل الإنسان المنتمي إلى المجتمع الطبيعي
لقاعدة إحياء ذاته مع بقية أعضاء الكلان التي يعيش
ضمنها، ككل متكامل لا يتجزأ، وكقانون أولي لا مناص
منه. ولا يمكن لعضو في الكلان أن يفكر في حياة
امتيازية تميزه عن غيره، كالحياة خارج نطاق الكلان.
بمقدوره ممارسة الصيد، بل وحتى القيام بالياميامية
(أكل لحوم البشر)، ولكن بشرط أن تكون بهدف إعالة
الكلان. القاعدة السائدة في حياة الكلان هي: "إما
الكل أو اللاشيء". وكل المعطيات الاجتماعية تشيد
بخاصية الكلان هذه. إنها كتلة واحدة، وشخصية واحدة.
ولا يمكن التفكير بوجود شخصية أو حكم مغاير لذلك
بالنسبة للأفراد. تتوارى أهمية الكلان في كونها
الطراز الأول والأساسي لوجود الإنسان. إنها شكل
المجتمع الخالي من الامتيازات والطبقات،
واللاهرمي، والجاهل للاستعمار والاستغلال. وقد
امتدت طيلة ملايين من السنين. ما نستنبطه من ذلك،
هو أن تطور الموجود الإنساني كمجتمع، يعتمد لفترة
طويلة على مبدأ التعاضد والتكافل، لا على علاقات
الهيمنة والحاكمية. وينقش الطبيعةَ في ذاكرته
كـ"أم" نشأ وترعرع في أحضانها. التكامل بين أفراد
المجتمع من جهة، وبينهم وبين الطبيعة من جهة
ثانية، شرط أساسي.
الطوطم هو رمز وعي الكلان. ولربما يُعتَبَر الطوطم
أول نظام اصطلاحي تجريدي. يشكل هذا النظام، الذي
يعتبر دين الطوطمية، التقديس الأول ونظام المحرمات
(المسلَّمات) الأول. أي أن الكلان تقدس ذاتها بقدر
تقديسها لرمز ذاك الطوطم. من هنا تم الوصول إلى
أول اصطلاح للأخلاق. حيث يعي الجميع أنه يستحيل
مواصلة الحياة من دون جماعة الكلان. إذن، والحال
هذه, فوجودها المجتمعي مقدس، ويُرمَز إليه بأسمى
المعاني والقيم لتُعبَد. من هنا تتأتى رصانة
ومتانة العقيدة الدينية. فالدين هو الصياغة الأولى
للوعي المجتمعي. وهو متكامل مع الأخلاق. ومع مرور
الزمن يتحول من كونه رمز الوعي إلى عقيدة متصلبة،
ليتبدى الوعي المجتمعي على شكل تطوير لصياغة الدين.
الدين بخاصيته هذه، يُعتَبَر المنبع العين لأول
أشكال الذاكرة والتقاليد والأعراف الجذرية
والأخلاق الأساسية في المجتمع. ومهما سما مجتمع
الكلان بوعيه عبر ممارساته العملية، فإنه يُرجِع
ذلك – على الدوام – إلى الطوطم، وبالتالي إلى
مهاراته وقدراته. أما ما يتجلى في حقيقة الطوطم من
الناحية الرمزية، فهو أنَّ تَواصُل انتصارات
ونجاحات الجماعات البشرية أسفر بالتوازي عن تصاعد
التقديس أيضاً. ويغدو التقديس بذلك قوة للرمز
المقدس، لتمثِّل القدسيةُ بدورها قوةَ المجتمع.
تعبِّر قدسية القوة المتشكلة مع المجتمع عن ذاتها
بجلاء أكبر، في الشعوذة والسحر. فالشعوذة هي تجربة
تعزيز المجتمع لذاته. فمستوى الوعي الموجود لا
يمكن إدراجه حيز التنفيذ إلا على شكل شعوذة وسحر.
الشعوذة هي أم العلوم أيضاً. أما المرأة التي
تراقب الطبيعة عن كثب، وترى فيها الحياة، وتعرف
الخصب والإنجاب؛ فهي الحكيمة العالِمة بطراز هذا
المجتمع. وما كون أغلب السحَرة من الإناث سوى
تعبير عن هذه الحقيقة. فالمرأة هي أفضل الواعين
لما يجري حولها في المجتمع الطبيعي، بحُكم
ممارستها العملية في الحياة. تُشاهَد آثار المرأة
على كافة المنحوتات واللُّقى الأثرية المتبقية من
تلك الحقبة. فالكلان هي اتحاد متألف ومتكوِّن حول
المرأة الأم. في حين أن إنجابها الأطفال وتنشئتها
إياهم، قد دفعها لتكون أفضل جامع للثمار، وخير
معيل للأطفال. وبالمقابل، فالطفل لا يعرف أحداً
غير أمه. أما الرجل، فلم يكن ذا تأثير واضح بعد في
النظر إلى المرأة كمُلك له. وبينما لا يُعرَف
الرجل الذي حمِلت منه المرأة، تكون الأم المنجبة
للوليد معروفة. هذه الضرورة الطبيعية تشيد بمدى
قوة المجتمعية المرتكزة إلى المرأة. وكون الكلمات
الاصطلاحية البارزة في تلك الحقبة ذات خاصية
أنثوية، يُعَد برهاناً آخر على صحة هذه الحقيقة.
في حين أن سمات الرجل القتالية والتحكمية، التي
كانت تطورت فيما بعد، تعود في أصولها إلى خاصيته
في صيد الحيوانات الوحشية في تلك الحقبة. فمزاياه
الجسدية وقواه العضلية دفعته بالأغلب إلى البحث عن
الصيد في الأقاصي البعيدة، أو إنقاذ الكلان من
المخاطر المحدقة بها، والدفاع عنها. هذه الأدوار
غير التعيينية توضح أسباب بقاء الرجل هامشياً
وقتذاك. لم تكن قد تطورت بعد العلاقات الخاصة داخل
الكلان. فالمكاسب المستحوذ عليها من جمع الثمار
وصيد الحيوانات هي مُلك الجميع. والأطفال مُلك
للكلان برمتها. ولم تبرز الحياة الخاصة بعد لدى
كلا الجنسين. هذه السمات الرئيسية هي الباعث وراء
إطلاق تسمية "المجتمع المشاعي البدائي" على هذا
الطراز من المجتمع.
خلاصة، تُشكِّل الكلان – شكلاً وصياغة – الأرضية
الخصبة لولادة المجتمع وذاكرته الأولى، ولتطور
مصطلحات الوعي والعقيدة الأولية. وما يتبقى من
الأمر ليس سوى حقيقة ارتكاز المجتمع السليم إلى
البيئة الطبيعية وقوة المرأة، وكَون تَواجُد
البشرية قد تحقق في داخله بشكل خالٍ من الاستعمار
والاستغلال والقمع، بل ومفعم بالتعاضد والتكافل
الوطيدين. والإنسانية، بإحدى معانيها، هي مجمع هذه
القيم الأساسية. لكن الاعتقاد بزوال وفناء هذه
التجربة المجتمعية الممتدة على طول ملايين السنين،
ليس سوى ضرباً من الهذيان والهراء. فمثلما لا يفنى
شيء في الطبيعة، فإن هذه القاعدة تواصل قوتها في
طراز التكوين المجتمعي بشكل أقوى.
من أهم النقاط التي توصَّل إليها العلم هي أن كل
تطور لاحق يتضمن سابقه بالتأكيد. ذلك أن الاعتقاد
بأن الأضداد تتطور بإفناء بعضها، ليس بصحيح. ما
يجري في هذه القاعدة الدياليكتيكية هو أن الأطروحة
والأطروحة المضادة تواصلان وجودهما ضمن كيان (تركيبة)
جديد أكثر غنى. وسياق التطور الطبيعي برمته يؤكد
صحة هذه القاعدة.
يتواصل تطور قيم الكلان داخل التركيبات الجديدة
أيضاً. وكون مصطلحات المساواة والحرية ما تفتأ
تشكِّل أسمى القيم في راهننا، فهي مَدينة في ذلك
إلى واقع حياة الكلان. ذلك أن المساواة والحرية
مخفيتان في نموذج حياة الكلان بحالتيهما الطبيعية،
قبل أن تتحولا إلى مصطلح. وكلما غابت الحرية
والمساواة، نجد هذين المصطلحين المستترين في
الذاكرة الاجتماعية الحية يعبِّران عن ذاتهما،
وبوتيرة متصاعدة، ليفرضا وجودهما مرة أخرى كمبدأين
أوليين في مجتمع أكثر تطوراً ورقياً. وكلما توجه
المجتمع في سياقه الطبيعي نحو الهرمية ومؤسسة
الدولة، نجد هذين المصطلحين يقتفيان أثر هذه
المؤسسات بلا هوادة أو رحمة. ولكن ما يقتفي الأثر
هنا أساساً (مضموناً)، إنما هو مجتمع الكلان بذاته.
|