|
القائد
عبد الله أوجلان
بالإمكان تقسيم تاريخ المجتمع
الإنساني بأشكال مختلفة، وفقاً للمعايير التي تتخذ
تقسيم الزمن أساساً. أما إذا اتُّخِذَت أشكال
العقلية أساساً، فسيحتلُّ عصر الميثولوجيا، والعلم
الميتافيزيقي والإيجابي بخطوطه العريضة حيزاً
هاماً من التقسيم. في حين إذا اتُّخِذَت المعايير
الطبقية أساساً، نجد أنها طالما تبدت على الشكل
التالي: المجتمع المشاعي البدائي، العبودي،
الإقطاعي، الرأسمالي، الاشتراكي وما بعده. هذا وقد
عُمِل كثيراً بالتقسيم حسب المدنيات الثقافية
الأساسية عبر التاريخ.
أما المعيار الأساسي للتقسيم المرحلي الذي ارتأيتُ
اعتماده، فيتميز بماهية تغلب عليها القيم الفلسفية
والعلمية، ويتخذ من مبدأ آلية الكون العامة أساساً
له. بمعنى آخر، إنّ جعْلَ ثلاثية "الأطروحة –
الأطروحة المضادة – التركيبة الجديدة" قابلة
للتطبيق كأساس للنظام القائم – مثلما عَمِل به
هيغل بكثرة وحوَّله إلى فلسفة أولية لديه – سيسلط
الضوء بجلاء أكبر على المراحل المعاشة. فكل
الكيانات الموجودة في الكون تجعل الحركة ممكنة
بامتلاكها بنى ثنائية متناقضة. وبالطبع، فهذه
الحركة ليست حركة ميكانيكية فظة، بل هي حالة حركية
خلاقة تشكل التغيير والتنوع في مضمونها. فعلى سبيل
المثال، يمكننا البدء بالكون من ثنائية الوجود –
العدم. حيث تُشكِّل مواجهة الوجود والعدم لبعضهما
البعض كياناً جديداً، ألا وهو الحركية بعينها.
وبدون وجودهما لا يمكن لذاك الكيان أن ينفتح أو
يتحرك. والتكوين بمضمونه ليس سوى مقاومة الوجود
تجاه العدم. فبينما يحاول الوجود إفناء العدم،
والعدم إفناء الوجود؛ ينتج في المحصلة تيار ثالث،
ويظهر الكون على شكل كيان أشبه بالتركيبة الجديدة.
شبيه بذلك أيضاً ثنائية الجزيء الأصغري – الموجة.
حيث لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر، وإنما
يشكلان مع بعضهما الحركة، وبالتالي يقومان بتكوين
كيان ما كتركيبة جديدة.
ثنائية التطابق – التنوع أيضاً تفضي إلى نتائج
مشابهة. إذ لا يمكن للتطابق أن يبرهن وجوده إلا
عبر التنوع، الذي بدونه يكون التطابق ضرباً من
العدم والفناء. وسنرى الوضع ذاته إذا ما تداولنا
أية ظاهرة أخرى. الاختلاف الأكثر وضوحاً يكمن في
ثنائية الحيوية – الجمود. ففي كوكبنا الأرضي،
وبشكل مغاير لما يجري في الكون الحيوي العام،
يتولَّد وسط حيوي بالتزامن مع التطور الوافر
للحركة، من داخل وسط مادي مختلف من حيث الماهية،
وفي نقطة محددة ينطلق منها، ليُكوِّن ذاته ويطورها
عبرالتغييرات الكيميائية المسماة بالأَيْض. وهنا
تمثِّل حقيقة التطور الذي لا يعرف الحدود في الكون
قفزة خارقة (فوق عادية) لا يزال العلم عاجزاً عن
تحليلها تماماً. لذا ستشكل ظاهرة الحيوية وتعليلها
الكامل الموضوعَ الرئيسي الهام للعلم تصاعدياً بعد
الآن. أما خارطة الدانا (DNA) وعملية الاستنساخ،
فلا تعني أن هذه الظاهرة قد حُلِّلت كلياً. هذا
ولا يمكن لعملية تصنيف الجزيء المتسبب في الحيوية
أن تعلِّل هذه الظاهرة بمفردها. إذ ما من جدل في
لزوم وجود وسط خارجي مناسب (غلاف جوي، محيط مائي)،
ونظام جزيئات ملائم لحصول الحيوية. لكن كل هذا ليس
سوى اللَبَنات الرُّكْن للحيوية ونظامها المادي.
الأهم من ذلك هو ارتباط هذا النظام المادي بواقعة
لا مادية من حيث المعنى، كالحيوية. ويكمن الخطأ
الأولي للفلسفة المادية في اعتبارها أن الفاعلية،
أي الحيوية وظاهرة المعنى، هي عينها الترتيب
المادي. فحتى في فيزياء الكوانتوم تنهار هذه
العينية (التطابق) وتتحطم. لذا، ثمة ضرورة حتمية
لطراز تعليلي أشبه بالحدسية. تتميز حالة الذكاء (العقل)
لدى الإنسان من بين الكائنات الحية الأخرى، بوضعية
أكثر غرابة. إذ يمكن تعريف الإنسان بأنه الطبيعة
التي تفكر في ذاتها على نحو أكفأ.
لكن الأهم من ذلك، لماذا تشعر الطبيعة بالحاجة إلى
التفكير في ذاتها؟ وإلى أين يمتد المنبع الأصلي
لمهارة وكفاءة المادة في التفكير؟ بالطبع، نحن لا
نهدف بطرح مثل هذه الأسئلة إلى ابتكار مشكلة البحث
عن إله جديد. بل إنها تشير إلى الحاجة الماسة
لتحليل الظواهر المسماة بالكون والوجود والطبيعة،
كمصطلحات أوسع نطاقاً وأبعد بكثير من تعليلنا
إياها بالعين المجردة. ذلك أننا وجهاً لوجه أمام
مفهوم (براديغما) للكون كثير الغنى، مثمر ومعطاء،
متنوع ولا يعرف حدوداً في التطور. فالمفاهيم
المتعلقة بالكون، والبارزة في مختلف مراحل تطور
البشرية، كالبراديغمائيات الميثولوجية
والميتافيزيقية والعلمية الإيجابية؛ إنما تضع بين
أيدينا اصطلاحات وسلوكيات معيشية شديدة الاختلاف
مع ما ذكرناه آنفاً. فبينما يتواجد إله لكل شيء في
الميثولوجيا، يغلب على الميتافيزيقيا الرأي القائل
بإلهِ أو سببِ أول حركة. في حين يُعمَل على تعليل
كل شيء بالمادية الفظة في العلم الإيجابي، ليطوِّر
بذلك فلسفة السببية الكثيفة والتطور ضمن مسار
مستقيم. بالطبع، إذا ما أُدرِكَت ماهية السلوكيات
في عالم الحيوانات من المراتب الأدنى، فستكون أكثر
غرابة. تُرى كيف، وبأي حس تنظر الزواحف والطيور
والثدييات إلى الوسط الخارجي؟ كم هو غريبٌ التشبيه
المتداوَل بين الشعب، والقائل: "كما ينظر الثور
إلى القطار". فكيف هي – إذاً – نظرة الحجارة
والذرّات الرملية؟ ذلك أن لها أيضاً سلوكياتها
الخاصة. فالكون والطبيعة بشكل متكامل، يعبِّران عن
سلوك معين. بل إنه سلوك في حالة حركية لا نهاية
لها.
إنني أقوم بهذا الإيضاح الاصطلاحي للإشادة بأن
حالة الدنيا ووجودها أيضاً، هي ظاهرة بحد ذاتها.
وإذا ما قمنا بتقييم تجريدي عام، نرى أنها ستواصل
وجودها كظاهرة، من بداياتها وحتى الأخير. السؤال
الهام الذي يطرح نفسه أمامنا بهذا الصدد هو، كيف
يمكننا تأليف أطروحة هذه الظاهرة، وأطروحتها
المضادة وتركيبتها الجديدة؟ فإذا ما عرَّفنا
الإنسان (ومجتمعه) بأنه الوجود (الكيان) الأرقى في
قدرته الفهمية والمعرفية، فإن تثبيت الثنائية
الأساسية في هذه الظاهرة، بالإضافةالى تركيبتها
الجديدة الأخيرة، إنما يعني بلوغ الاصطلاح الأكثر
علمية. إذن – والحال هذه – كيف يسير سياق الجدلية
ما دمنا أناساً، ونهتم بالإنسان لهذه الدرجة؟ ونحو
أية تركيبة جديدة يتجه؟ أو إلى أي منها يتحول؟ على
العلوم الاجتماعية القيام أولاً، وكنقطة بداية،
بتحليل هذا الاصطلاح. إذا لم يقم سلوك الإنسان –
الذي يتسم بحالة وجودية هي الأغرب أطواراً على
الإطلاق في الكيان الكوني العام – بهذا التحليل
الاصطلاحي الأساسي، فلن يتمكن من بلوغ علم اجتماعٍ
صائب وسليم. وفي هذه الحالة، لن يبقى خيار أمامه
سوى الغرق في عالم الظواهر اللامتناهية. وهذا هو
أحد الأسباب البارزة للتشوش والخلط بين الأمور في
علم الاجتماع.
إن الاصطلاحات والفرضيات والنظريات المتعلقة
بالظاهرة الاجتماعية، والتي ابتدأت منذ العصور
الميثولوجية، لتأخذ حالة أكثر تعقيداً وتشابكاً مع
الأديان التوحيدية والفلسفة الميتافيزيقية، وتغدو
عقدة كأداء مع العلم الإيجابي؛ لا تكتفي بتضمنها
النقصان في تعليل المجريات والتطورات، بل وأُدخِلت
فيها أخطاء فادحة جداً. ولهذه التعاليل بشأن
الظاهرة الاجتماعية دور بارز في بلوغ البشرية إلى
حالة تسودها وتهيمن عليها المرحلة الرأسمالية
الأكثر دموية واستغلالاً على الإطلاق. وإذا لم
تحلِّل البشرية ظاهرة المجتمعية بشكل صحيح (كشكل
للوجود الجوهري)، فمن الجلي أن مآلها سيكون
الديناصورية. ورغم البحوثات البارزة بهدف التحديث
من قِبَل علماء الاجتماع بعد الحربين العالميتين،
إلا إنها ليست سوى محاولات سقيمة وواهنة، لا تتعدى
إطار تثبيت بعض الحقائق المحدودة جداً. فحتى
المدارس الأكثر عزماً وطموحاً كالماركسية، وإلى
جانب مساهماتها المحدودة في صياغة الحلول؛ قامت
بإتْباع عالم المسحوقين والمستعمَرين الذين
مثَّلَتهم وتحركت ناطقة باسمهم على وجه الخصوص،
ببراديغمائيات ومفاهيم سياسية جديدة، بحيث لم
يتعدَّ دورها جعْلَهم قوة احتياطية للنظام
الاجتماعي المهيمن. والأصح أنها لم تتمكن من تحقيق
مآربها وطموحاتها.
بمقدورنا الاستيعاب أن العديد من المدارس والفروع
الأخرى في ميدان علم الاجتماع، لم تستطع إحراز
نجاحات أكثر مما أحرزته المجموعات الفلسفية
والدينية التي سادت العصور القديمة والوسطى.
ويتجلى ذلك بكل سطوع من خلال التدقيق في أدوارها
تجاه المتغيرات الحاصلة. ذلك أن نصيب علم الاجتماع
ومؤسساته ذو أولوية هامة في أبعاد الحروب
التخريبية والمبيدة، وجشع الربح والمنفعة الذي لا
يمكن كبح جماحه، والأيكولوجيا المدمَّرة. علم
الاجتماع ومؤسساته هم المسؤولون الأساسيون عن ذلك،
لأنهم غدوا في خدمة الحروب والسلطة السياسية بدرجة
لا مثيل لها في أي مرحلة من مراحل التاريخ الأخرى.
وما العجز عن إيقاف تنامي السلطة السياسية
والحروب، وعن نصب السدود في وجه جشع الربح
والمنفعة اللامحدودة؛ سوى برهان قاطع، ليس على
إفلاس علم الاجتماع ومؤسساته فحسب، بل وعلى
خيانتهم المرتكبة بحق الإنسانية جمعاء. من هنا،
يتحتم تناول ودراسة مفهوم جديد وكامل لعلم
الاجتماع، ومعالجته ببنية جديدة وطيدة، وطرح ذلك
في جدول الأعمال الأولية كنشاط رئيسي وثمين
للغاية؛ إزاء المعضلات الأساسية التي تعانيها
البشرية. وبناء على ذلك فقط، بإمكان العملية
والتنظيم أن يجدا لذاتهما مكاناً ومساحة وافية.
يجب النظر إلى مفهوم علم الاجتماع – الذي نريد
تطويره – ضمن هذا الإطار. واعتبار الاصطلاحات
والفرضيات ضرباً من التجارب والاختبارات وفق هذا
السياق. بإمكان هذه المساعي التي ستتزايد
تصاعدياً، أن تتمأسس لتزيد من فرص الحل. ويجب
النظر إلى اختبارنا الاصطلاحي الأعم من هذه
الزاوية.
سعينا في البند السابق لرسم وشرح إطار التعريف
الذي استندنا إليه في تسمية أول حالة جماعية
للبشرية باسم "المجتمع الطبيعي". وطرحنا فيه
براديغمائيتنا في كيفية تناول الكون. فانتشار
التنظيم الاجتماعي من نمط الكلان، وتوسعه زماناً
ومكاناً، واكتسابه بُعداً تنوعياً وحجمياً
متزايداً مع الوقت؛ هو من بواعث طبيعته. ومن خلال
المعطيات المتوفرة في حوزتنا، يمكننا الوصول إلى
أن الضيق والسخط قد تطورا مع الزمن على صعيد
الرجل، في الجماعة المتمحورة حول المرأة الأم،
والمتزايدة حجماً، والقديرة هويةً. فالكَمّ
المتراكم من الأطفال الملتفين حول المرأة الأم،
والرجال المتعاملون معها بغرض مساعدتها بالأرجح،
أسفرا عن حسد الرجال الآخرين وتأجج نقمتهم عليهم.
الأهم من ذلك أن المرأة الأم تطوِّر النظام الأهلي
المستقر وتوطده، بحيث تؤمِّن فيه طعامها ورداءها
وبقية الوسائل والأدوات اللازمة. وبتميزها بمراقبة
ما حولها، بلغت مرتبة المرأة الساحرة، لتكتسب مزية
الحكمة مع الزمن. وبمقدار إلحاقها كماً أكبر من
الأطفال والرجال الأصدقاء (المقربين) بهذا النظام
الأهلي المستقر، بقدر ما تغدو المرأةَ الأم القوية
المهابة. نشاهد هنا تطور هيبة المرأة، بحيث لا
يمكن كبح جماحها. والبراهين التي بحوزتنا هي
أمارات واضحة تشير إلى رجحان انتشار النظام الديني
للإلهة الأنثى، والعناصر المؤنثة في اللغة، وبروز
قوة المرأة الأم المتصاعدة في المنحوتات الأثرية.
إن النسبة الكبرى من الرجال على مسافة بعيدة من
هذا النظام بطبيعة الحال. وقد يبقى من لا تجد فيه
المرأة الأم نفعاً – يتكونون بالأغلب من المسنين
العجائز – فتطرده خارج نطاق هذا النظام.
ومع الزمن، يتأجج هذا التناقض، الذي كان باهتاً في
البداية. فعندما كشف تطور الصيد عن قوة الرجل
القتالية، صعَّد بالمقابل من وعيه ومعرفته. وبناء
عليه يشرع العجائز المطرودون من ذاك النظام في
التوجه صوب أيديولوجية يهيمن عليها الرجل. نخص
بالذكر هنا الديانة الشامانية* التي تضع هذه
الظاهرة أمام أعيننا بشكل ملفت للنظر. والشامانيون
(الكهنة) يمثلون بالأرجح نموذجاً مصغراً للرهبان
الذكور. وهم يسعون إلى تطوير حركة ونظام أهلي
مناهض للنساء، وبشكل منظَّم بدقة. وهكذا يشكلون
عبر الشامانية الذكورية نظاماً أهلياً مستقراً
تجاه النظام الأهلي المتطور سابقاً حول المرأة
الأم النواة؛ بحيث اتسم نظامهم ذاك بشبه الوحشية،
يسكنون فيه الأكواخ البسيطة. ويحدث الاتفاق
والتحالف بين الشامانيين وبين العجائز وذوي
الخبرات والتجارب، كتطور ذي أهمية كبيرة. وتتجذر
مكانتهم وتتعزز تدريجياً داخل جماعتهم، عبر القوة
الأيديولوجية التي مارسوها وطبقوها على بعض الشبان
الذين احتووهم فيما بينهم. يتميز اكتساب الرجل
للقوة هنا بماهية ذات أهمية أكبر، حيث تتميز
ممارسة الصيد وحماية الكلان تجاه الأخطار الخارجية
بماهية عسكرية معتمدة على القتل والجرح (الذبح).
إنها بداية ثقافة الحرب. وعندما يغدو الأمر مسألة
حياة أو موت، يستلزم حينها ربط الشؤون بالسلطة
والهرمية. هكذا يرتقي الشخص الأكفأ والأمهر إلى
المنزلة العليا بحديثه ونفوذه. إنها بداية لثقافة
مختلفة يتزايد تفوقها تجاه قوة المرأة الأم.
تُشَكِّل هذه المستجدات في بروز السلطة والهرمية
قُبَيل ظهور المجتمع الطبقي، إحدى أهم المنعطفات
التاريخية. فهي مغايرة في مضمونها لثقافة المرأة
الأم، التي ترجح فيها عملية جمع الثمار، ومن ثم
اكتشاف النباتات وإنتاجها. أي أنها أنشطة لا
تستلزم الحرب، في حين أن ممارسة الصيد الراجحة لدى
الرجل تعد نشاطاً مرتكزاً إلى ثقافة الحرب والسلطة
القاسية. والمحصلة كانت أن تجذرت السلطة الأبوية (البطرياركية)
وتوطدت.
إن البنية الهرمية والسلطوية هي الأساس في المجتمع
الأبوي (البطرياركي). ومصطلح الهرمية يدل في معناه
على أول مثال بارز لمفهوم الإدارة السلطوية
المتحدة مع السلطة المقدسة للشامان. ولدى ازدياد
تكاثُف تقدُّم هذه المؤسسة السلطوية المتعالية على
المجتمع، وتَوَجُّهِها مع الوقت نحو التمايز
الطبقي؛ تحولت إلى سلطة الدولة. لكن السلطة
الهرمية هنا فردية بالأرجح، حيث أنها لم تتمأسس
بعد. لذا فهي لم تكن ذات نفوذ على المجتمع، بقدر
ما هي عليه مؤسسة الدولة. والتوافق والانسجام هنا
شبه طوعي. ويتحدد مستوى الارتباط وفقاً لمنافع
المجتمع. لكن هذه المرحلة المبتدئة قابلة لتوليد
الدولة من بين أحشائها.
يقاوم المجتمع المشاعي البدائي تجاه هذه المرحلة
حقبة طويلة من الزمن. فمَن يتراكم لديه الإنتاج
الفائض في ذاك المجتمع المشاعي، لم يكن بمقدوره
فرض الاحترام تجاه سلطته والامتثال لها، إلا عندما
يشاطر ما يدّخره مع أفراد جماعته. حيث يُنظَر إلى
الادخار والتكديس بعين الجُرم الأكبر. والشخص
الأفضل هو ذاك الذي يوزع ما يدخره من إنتاج. ويرجع
مفهوم "الكرم والسخاء"، الذي ما يزال سائداً في
المجتمعات القبائلية، في أصله إلى هذه التقاليد
التاريخية الراسخة. وحتى الأعياد ابتدأت بالظهور
كمراسيم لتوزيع الفائض. فالجماعة في بداياتها ترى
في الادخار والتكديس أفدح خطر يهدد وجودها، فتجعل
من المقاومة تجاهه أساساً للمفاهيم الأخلاقية
والدينية لديها. وليس من الصعوبة ملاحظة آثار هذه
التقاليد في كافة التعاليم الدينية والأخلاقية،
وبشكل قوي للغاية. لم يصادِق المجتمع على الهرمية،
إلا عندما رأى فيها الفائدة والسخاء والمكاسب.
تلعب الهرمية بجانبها هذا دوراً إيجابياً نافعاً.
هذه الماهية للهرمية المعتمدة على المرأة الأم،
تشكل الأساس التاريخي لمصطلح "الأم" الذي مافتئ
يُعتَرَف به بإخلال، ويُنظَر إليه كسلطة قديرة في
كافة المجتمعات. ذلك أن الأم هي العضو الرئيس،
المنجب الخصيب، والمنشئ المعيل في أحلك الظروف
وأقساها. ما من شائبة في أن ثقافةً وهرميةً وسلطةً
متشكلة بناء على ذلك، ستلقى الامتثال الأعظم لها.
وتشكيلها لأساس الوجود المجتمعي هو إشارة حقيقية
لقوة مصطلح "الأم"، الذي لا يزال يحافظ على منزلته
في راهننا أيضاً. وهو لا يتأتى من خاصية الإنجاب
البيولوجية المجردة، مثلما يُظَن. بل يجب رؤية "الأم،
الأم الإلهة" على أنها الظاهرة والمصطلح الاجتماعي
الأهم على الإطلاق. حيث تكون منغلقة كلياً تجاه
ظاهرة الدولة، ومتسمة بكل المزايا التي لا تولّد
تلك الظاهرة.
من الواقعي النظر إلى المجتمع الطبيعي كأطروحة
لبداية الوجود، ضمن إطار هذا التعريف. فالإنسانية
باشرت بوجودها اعتماداً على هذه الأطروحة. ما
قبلها كانت الحياة الحيوانية سائدة. وما بعدها
يأتي سياق التطور على شكل المجتمع الهرمي والدولتي
المتطور بموجب مناهضتها. وبالأصل، تنبع سمات هذه
المرحلة كأطروحة مضادة من قمعها الدائم للمجتمع
الطبيعي، وحسرها إياه. ومثلما انتشر وساد المجتمع
الطبيعي كأطروحة في كافة أماكن استيطان الإنسان
واستقراره، فهو من حيث المدة أيضاً يعتبر نظاماً
اجتماعياً مؤثراً يشمل المرحلة النيوليتية بشكل
رئيسي، والممتدة قرابة أربع آلاف سنة قبل الميلاد.
ولا يزال يواصل وجوده حتى حاضرنا في كافة المسامات
الاجتماعية، ولكن بشكل مكبوت. يبدو هذا التواصل
صريحاً في المصطلحات الاجتماعية أيضاً. فالعائلة،
القبيلة، الأم، الأخوّة، الحرية، المساواة،
الرفاقية، السخاء، التعاضد، الأعياد، البسالة،
القدسية، وغيرها من العديد من الظواهر والمصطلحات؛
هي من بقايا هذا النظام الاجتماعي. مقابل ذلك،
يتسم المجتمع الهرمي والدولتي برجحان كفة خاصيته
في قمع هذا النظام وقهقرته، ومواصلته إياها
بالأغلب. من هنا تنبع خاصيته في كونه أطروحة مضادة.
أما تداخل هذين النظامين الاجتماعيين، فيتوافق
لأبعد الحدود مع دواعي القوانين الدياليكتيكية
الأساسية.
النقطة الهامة الأخرى التي يجب الانتباه إليها
هنا، هي تطوُّر الأطروحة والأطروحة المضادة في
اصطلاحنا الجدلي وفق خاصية "القمع والحَسْر"، لا
إفناء إحداهما للأخرى. فالنظم الاجتماعية تحتوي
بعضها البعض عندما تصبح في حالة أطروحة وأطروحة
مضادة، طبقاً لما هي الحال في الطبيعة برمتها. لا
شك في أن المقاومات والنضالات الجارية فيما بينها
تنمُّ عن مستجدات مهمة. لا يمكن للأطروحة أن تبقى
على حالتها القديمة بتاتاً، ولكن الأطروحة المضادة
أيضاً لا تهضم سابقتها كقادر مقتدر مطلق. بل إنها
تتطور بالتغذي عليها.
ثمة فائدة في شرح الدياليكتيك قليلاً بشأن هذه
النقطة. حيث فُسِّرَت الأطروحة والأطروحة المضادة
على أنها ظاهرة إفناء إحداهما للأخرى في المجتمع،
في عهد الماركسية الدوغمائية. يعد هذا النمط من
التعليل أصلاً أحد أهم الأخطاء النظرية فيها. ذلك
أن السمة المتَّبَعة في كافة العلوم، وعلى رأسها
البيولوجيا، هي الأهمية البارزة لجانب التغذية
المتبادلة للظواهر في تطوراتها وتحولاتها. أما
حالات الإفناء وما شابهها، فهي استثناء. أما
الغالب فهو تغذية الأطروحات والأطروحات المضادة
بعضها البعض. والتعبير الأكثر شفافية لذلك هو
ثنائية الطفل – الأم. إذ ينمو الوليد في حالة من
التناقض مع الأم. ولكننا لا يمكننا أن نستخلص من
ذلك أن الطفل يفني أمه. ولا يمكن تقييمه إلا بكونه
تغذية متبادلة لتأمين سيرورة النسل ودوامه.
وثنائية الأفعى – الفأر تعد نقطة الذروة. فما يجري
هنا هو تحقق التوازن بين التكاثر المفرط للفأر،
والتكاثر النادر للأفعى. فلو لم تكن الأفعى، لربما
كانت الفئران ستلعب دوراً تخريبياً يضاهي دور
الديناصورات. ومع مرور كل يوم يتجلى بسطوع أكبر أن
الموجودات في الطبيعة ليست خالية من المعنى أو بلا
فائدة، بل لكلٍّ منها معنى أيكولوجي محدد. لكن،
ورغم ذلك، قد يسري مفعول مصطلح "النقطة الذروة" أو
"الحدود المطلقة"، كمصطلح على الأقل، في مساحة
محدودة للغاية. لقد غدت مسألة تطوُّر قانون
الطبيعة الأساسي على شكل الارتباط والترابط
المتبادل، السمة التي تنبهت إليها كافة العلوم.
يتعلق التغيير الذي رغبتُ إحداثه لدى دراسة أنظمة
المجتمع، بالتقربات المتبعة فيما يخص الضرورة
والمصادفة. إن مفهوم النسبية الكثيفة والتطور وفق
خط مستقيم بلا تقاطع، والذي تمتد جذوره إلى مفهوم
القانون الإلهي، وينتشر في نظام التفكير الغربي؛
قد بطُل مفعوله، بعدما أوضحنا في بداية كلامنا
المستجدات الجارية في فيزياء الكوانتوم والكوسموس.
ذلك أن "مساحة الفوضى البينية" تُبرِز وجودها في
كل ظاهرة في دياليكتيك التطور. فالتغيرات النوعية
تحتِّم وجود هذه المساحة البينية. وهذا ما يشير
بوضوح إلى أن التطور اللامنقطع، والتقدم الدائم
على خط مستقيم في كل زمان، ليس سوى تجريداً ذهنياً
وتقرباً ميتافيزيقياً. إذ من غير الممكن حصول
التقدم على خط مستقيم، انطلاقاً من هذه المساحة
البينية. فالعديد من المؤثرات بعلاقاتها القائمة
في تلك المساحة البينية، قد تمهد السبيل لإحداث
تطورات كثيرة كمياً، وفي اتجاهات متعددة.
تسمى هذه المساحات البينية في المجتمع الإنساني
بـ"منطقة الأزمات". ولكن، ما هي ماهية التطورات
الاجتماعية التي ستخرج من الأزمة؟ هذا ما سيحدده
مستوى النضال الذي تخوضه القوى المتأثرة بتلك
الأزمة. قد تتمخض عنها أنظمة عديدة. ومثلما قد
تكون أكثر تقدمية، فربما تكون أكثر رجعية أيضاً.
بيد أن اصطلاح "تقدمي – رجعي" أمر نِسْبي. فالتقدم
المستمر لا يتواءم والنظرية الكونية. ولو أن هذا
المبدأ كان صحيحاً، لكانت المزاعم الميتافيزيقية
سارية المفعول. لا ينسجم الحديث عن الحقائق
المطلقة مع مبدأ التكوُّن الكوني. فالطبيعة لا
تتطور مع المطلقيات. ذلك أن المطلقية تعني
اللاتغيير، التطابق. وطراز وجودنا برهان قاطع على
عدم وجود أمر كهذا. يمكن الاستخلاص من خصائص
القانون في العلوم الفيزيائية والكيميائية
والبيولوجية أن تطور القانونية في الطبيعة صوب
الإنسان، واعتماداً على مساحات الفوضى البينية؛
إنما يحصل بحالة في غاية من المرونة. في حين أن
القانونية في المجتمع الإنساني تتسم بالمرونة
لأبعد الحدود. معنى ذلك إمكانية إحراز عدد كبير من
القوانين تطوراً ملحوظاً وكثيفاً في مساحات
القانون البينية. ارتباطاً بذلك، فكون مستوى
الحرية رفيعاً، إنما يسفر عن تعددية عظمى في
المجتمع الإنساني. فالمرونة تولِّد الحرية،
والحرية تولِّد التعددية. بهذا المعنى، يُعَد
الإنسان كائناً خارقاً في الطبيعة بصياغته الكثيفة
والعديدة على الإطلاق للقانونية. وبالتالي
فالمجتمع الإنساني أيضاً يصوغ قوانين نظامه بنفس
الغنى والكثافة.
أود عبر هذه الفرضيات الأساسية البرهنة على أنه لا
أصل من الصحة للزعم القائل بتطور المجتمع الهرمي
والدولتي كضرورة لا بد منها، من أحشاء المجتمع
الطبيعي. قد تكون ثمة ميول في هذا الاتجاه، ولكن
الافتراض بأنها ضرورة لا انقطاع فيها، ومستمرة إلى
نهاية المآل، خاطئ تماماً. ومثلما سأوضح في الفصل
اللاحق بين الفينة والفينة، يُعَد التحديد الذي
وصلَت إليه الماركسية (باسم المسحوقين
والمستعمَرين)، والذي يفيد بضرورة ظهور المجتمع
الطبقي لأجل التقدم؛ أحد أفدح الأخطاء المرتكبة
التي تَرَكَت الاشتراكية – مسبقاً – عُرضةً
للهيمنة الطبقية. هذا الخطأ هو الباعث الأولي
لبلوغ الماركسية حالة قوة احتياطية للرأسمالية،
خلال تاريخها الممتد على طول قرن ونصف تقريباً.
فالنظر إلى الدولة والطبقات والعنف كأطوار لا مفر
من حدوثها على مسار التقدم، يعني الاستهزاء
بالمقاومة العظمى التي أبداها المجتمع الطبيعي حتى
راهننا، واستصغارها، بل وحتى إنكار وجودها، وإهداء
تاريخها تلقائياً إلى القوى المهيمنة التسلطية.
أما رؤية وجود الطبقات كقدر محتوم لا مناص منه،
فيعني التحول إلى آلة بيد أيديولوجيي الطبقات
المهيمنة، وربما دون الانتباه إلى ذلك. أي أنه
يعني لعب أخطر الأدوار باسم المسحوقين
والمستعمَرين من هذه الزاوية. وكأن التاريخ تُرِك
عُرضة لاستيلاء مثل هذه التيارات الأيديولوجية
والسياسية.
لقد أبدت الهرمية والطبقية تطوراً. لكن هذا التطور
ليس بضرورة. ذلك أن الهرمية، والدولتية المرتكزة
إليها، قد رسختهما القوى المطبِّقة للظلم
والاستبداد والكذب والرياء بأقصى الدرجات. وقد
أبدت قوى المجتمع الطبيعي الرئيسية مقاومة لا تعرف
السكون والنضب تجاه ذلك. ولكنها حوصِرت وحُدِّدت
بأضيق المناطق والمساحات البينية، بل ولم تُقحَم
بتاتاً في بعض المناطق والمساحات البينية الأخرى.
لقد ترسخت الرؤية التي تَعتَبر المجتمع برمته
عبارة عن طبقات وهرميات للدولة، عبر السياسات
والدعايات الأساسية للنظام المهيمن. أما اللعبة
المسماة بـ"القدر"، فهي عنوان لهذه الممارسة
الميتافيزيقية. ويكاد لم ينجُ من عدوى هذه اللعبة
أي دين أو مذهب أو مدرسة فلسفية أو علمية. وهي –
أي اللعبة – حصيلة القمع الجسدي والفكري الفظيع،
والسياسات والدعايات المريعة التي طبقتها
أيديولوجية الرهبان ودولة الإله المَلك قبل آلاف
السنين. ومن شاء سمَّى هذه اللعبة "ميثولوجيا" أو
"فلسفة"، وإلا، فسمَّاها "مدرسة علمية". النقطة
المبلوغة هي حالة حاضرة من تدوُّل الأيديولوجيات
والعلوم بشكل كلي. ومهما تم التركيز على نصيب
الماركسية في هذا الاتجاه، سيكون أمراً في محله.
سأعمل على إنارة هذه الألاعيب ونصيب كل واحدة
منها، خطوة خطوة.
|