|
اعداد: القسم العربي لإعلام حزب حرية المرأة
الكردستانية
الرفيقة قدرت باقي:
كانت الرفيقة شيلان صاحبة علم ومعرفة كبيرة.
ودائماً تقول أنه يجب علينا تغيير حياتنا والتخلص
من تأثير العادات والتقاليد البالية.
بحيث أن صداقتها مع أمي كانت أعمق من صداقتها مع
أبي لدرجة أنها تقول دائماً أنني لا أشعر نحوهما
كأنهما أب و أم لي بل هما صديقان حميمان لي وكانت
دائماً تناقش معهما حيث بوسعي أن أقول أن مستوى
صداقتهما تصل لمستوى الصداقات اللواتي نبنيها مع
رفاقنا ومثيل الصداقات التي نبنيها ضمن حياتنا في
الكريلا وعلى هذه الشاكلة كبرت الرفيقة شيلان،
وعندما تم اعتقالها من قبل الدولة تم ذلك في الصف
السابع لأنها قامت بمظاهرة في المدرسة في عام ألف
وتسعمائة وخمسة وثمانون
وخلال هذه الفترة تم اتهمت الدولة الرفيقة شيلان
بأنها هي التي حرضت الطلبة على القيام بهذه
المظاهرة ولكن رفاقها اعترضوا على هذه التهمة
الموجهة إليها وذلك بأن حملوا أعباء هذه التهمة
على عاتقهم بشكل جماعي وكان ذلك في فترة
الامتحانات الأخيرة حيث بقيت رهن الاعتقال لمدة
خمسة أيام هي وأبي في جو من التعذيب والضغط
النفسي، وكانت تقول أنني لم أكن أعلم أبداً بأن
تقوم الدولة بكل هذه الإجراءات بحقنا وبالطبع
بعدما لاقت الرفيقة كل هذا التعذيب على يد الدولة
شعرت بحقد تجاه الدولة مما زاد من إصرارها لأجل
حياة جديدة وحرة وهكذا وصلت إلى هذه المرتبة.
وكانت في طفولتها طفلة مختلفة عن الأطفال الآخرين
حيث كانت ترغب دائماً أن تعقد اجتماعات لنا وتزرع
فينا روح المناقشة وكانت من أولى الرفيقات اللواتي
قمن بتلقي الدروس باللغة الكردية حيث تعلمت اللغة
الكردية على يد الرفيق كنعان وهو من شمال كردستان.
كان كل هذا في عمر الطفولة التي لم أعد أتذكرها
جيداً حيث باستطاعتي القول أنها كانت مختلفة جداً
وكانت تحب الدراسة وتتمنى متابعة دراستها، والشيء
الملفت في شخصية الرفيقة شيلان هي محبتها للرفاقية
لدرجة أنها لو لم ترى الرفاق والرفيقات كانت تشعر
وكأنها قد فقدت شيئاً عزيزاً. ومن ناحية اللغة
الكردية حيث كانت ممنوعة من قبل الدولة، ولم يتم
الاعتراف بها، حيث كان يتم التحادث بهذه اللغة في
المناطق الكردية فقط، مثل كوباني، عفرين، قامشلي،
وغيرها من المناطق التي يقطنها الشعب الكردي.
ولكنهم عندما كانوا يهاجرون نحو المحافظات العربية
لم يتمكنوا من التحادث باللغة الأم، لهذا عندما تم
إلقاء الدروس الكردية بشكل سري بين الشعب فرح
الجميع ولاقت اللغة الكردية ترحيباً كبيراً من
الجماهير لدرجة أن وصل معظمهم إلى مستوى تلقين
الدروس لمن بعدهم. وكانت الرفيقة محبوبة من قبل
الشعب لأنها اكتسبت شخصية تخدم وتناضل لأجل شعبها.
وكانت عائلتي تمنحها مطلق الحرية لتشارك في
المجالات الفنية والسياسية من عام ۱۹۸٤حتى عام
۱۹۸۸حيث كانت تغني وتكتب الشعر وما شابه ذلك من
المجالات الفنية. ولكن أبي كان يعارضها من هذه
الناحية و دائماً يقول لها "عليك القيام بأعمال
كبيرة لا أن تغني فأغانيكم لا تعجبني، عليك النضال
ضمن الشعب فهو خير لك" وهكذا كانت العائلة تعاملها
بمنتهى الثقة ويقولون لها إن ثقتنا بك كبيرة،
طبعاً كان هذا التقرب نفس التقرب من المحيط بشكل
عام.
لقد تعرفنا على الحزب من قبل عمنا في أعوام
۱۹۸۲ومن ذاك الحين وحتى الآن نتعرض لسخط وضغط
الدولة، وفي أعوام ۱۹۸٦انضمت الرفيقة بشكل رسمي
إلى صفوف النضال في ساحة حلب وجميع المناطق
الموجودة فيها بالإضافة أنها في نفس السنة كانت
تداوم دراستها باجتهاد كبير وفي أواخر السنة أي في
بداية العطلة الصيفية اتجهت نحو أكاديمية معصوم
قورقماز بهدف التدريب وبشكل متتالي كانت تقوم
بتحقيق انضمامها إلى الأكاديمية منذ انتهاء
الدراسة إلى فترة ابتدائها وإلى جانب كل هذا لم
تضعف وتيرة نضالها بين صفوف الشعب في أي يوم من
الأيام...
بعد انضمام الرفيقة شيلان إلى الحزب أثبتت لنا
بأنها قد أحرزت في شخصيتها تغيرات وتحولات كبيرة
فبعزمها وإرادتها التي حققتها من خلال القوى
التدريبية التي اكتسبتها بفضل جهود واهتمام قيادة
الحزب لها في ساحة لبنان وأثناء انضمامها إلى
الدورات التدريبية. وحتى في بعض الأحيان كانت تثير
دهشتنا بسرعة نشاطها وقوة عزمها ووعيها الثوري،
بحيث أنها كانت تناقش وتتصل مع الجميع بدون وضع
أية تفرقة، وتستمع إليهم بصبر كبير، وتتقرب من
الجميع على أساس علاقات مشبعة بالحب والرفاقية
والصداقات الحميمة. أي أنها كانت تتطور بشكل سريع
وتزيد من وعيها وإدراكها بعلاقاتها الشاملة
والشعبية، ولهذا السبب كان القيادة يبدي لها
اهتماماً كبيراً ويعطيها مكانة وقيمة عالية وخاصة
من الناحية الدراسية كان يصر عليها لمواصلة
دراستها لتصل إلى مستويات عالية من الوعي والتطور
القوي. وحتى في عام ۱۹۸۸قام الحزب بتوظيفها في
إذاعة الراديو مع الرفيق مراد في أكاديمية لبنان،
بحيث أنها كانت تقوم بتقديم جميع البرامج السياسية
والثقافية والفنية وإلى جانب هذا كانت تغني وتعكس
حرارتها وقوة نشاطها بشكل كبير، حتى في بعض
الأحيان لم نكن نصدق آذاننا أثناء استماعنا
ومتابعتنا لبرامجها في الراديو. وبهذا الشكل
أستطيع أن أثبت بأنها أحرزت تغيرات وتطورات قوية
وجذرية في شخصيتها، وبعد فترة طويلة من النضال
والتدريب تم التحاقها إلى ساحة الوطن، ومنذ ذاك
الوقت وحتى الآن أي لمدة ۱٤سنة لم ألتقي بها بشكل
جيد، وحتى لم أكن أصدق بأنني سألتقي بها في يوم من
الأيام حتى عام ۲۰۰٤،
حين قررت بالذهاب إلى ساحة الوطن. وأثناء مرورنا
من الحدود التقيت ببعض الرفاق الذين كانوا يناضلون
مع الرفيقة شيلان، وأكدن بأنها ستذهب إلى ساحة
النضال في سورية، حينها لم أصدق ذاك الخبر لأنني
كنت آمل بأن أراها في الوطن وأبقى بجانبها لفترة
طويلة لاشتياقي الكبير لرؤيتها بعد فترة طويلة
دامت ۱٤سنة. لهذا بعد وصولي إلى الرفاق انتظرتها
ثلاثة أيام، وطلبت منهم بأن أتصل معها عبر الهاتف
لأتأكد من مجيئها وصحة ذاك الخبر، وحتى إذا تأخرت
في المجيء فكان يتوجب علي بأن أذهب إليها بنفسي
لأنني كنت أرغب في رؤيتها قبل أن تذهب إلى سورية.
وبالصدفة حين اتصلت معها بالهاتف كانت تتجه نحونا،
وفي أثناء المكالمة لم تسطع أن تميز صوتي بسبب ذاك
الفراق الطويل الذي دام بيننا، أي أنني بعد ۱٤سنة
لأول مرة أتصلت معها وسمعت صوتها، لهذا فقد تأثرت
بها كثيراً وأزداد هيجاني ولهفتي لرؤيتها في أسرع
لحظة ولم أستطع أن أتحكم على نفسي، فثارت جميع
عواطفي ومشاعري وأشواقي وبشكل لاإرادي وأنهمرت
دموعي بغزارة لهذا فلم أرغب ببقائي بين الرفاق
بتلك الحالة لكي لا يكشفوا ضعف قلبي وارتباطي
العاطفي الشديد نحوها. ولم أستطع أن أصبر أكثر من
ذلك، لهذا اتجهت نحو الباب وبالصدفة ألتقينا مع
بعضنا في شرفة الباب فألقيت بنفسي إلى حضنها لفترة
طويلة ولم أستطع أن أتحكم على بكائي وحرارة شوقي
نحوها.
بحيث أنها نفسها لم تصدق ذاك اللقاء، ودائما كانت
تكرر (هل هذا حلم أم أنه حقيقة ) وكانت تحضنني بين
الرفاق وتقول لهم (أنها أختي الصغيرة والمدللة
وكانت محبوبة جداً والآن ما الذي جرى لك حزينة
وتبكين على هذه الشاكلة) وبالطبع كان حزني وخوفي
من سماعي بذهابها إلى سوريا، لأن الوضع الراهن في
سوريا لا يسمح لها بأن تتحرك بحرية في ساحة نضالها
بسبب الضغوطات والملاحقات الدائمة. وبصراحة لم أكن
أرغب في ذهابها لأنها قبل أن تذهب إلى سوريا كانت
مهددة بالاعتقال أو القتل بشكل مستمر. وفي هذه
الأجواء رأيتها لأول مرة وبقيت حينها لمدة أسبوع
وخلال هذا الأسبوع كانت تتقرب مني على أساس
الصداقة أكثر من كونها أخت لي، فالفارق الموجود
بيننا أنها هي التي فارقت وفقدت الكثير والعديد من
الرفاق والرفيقات، أما أنا فقد كنت أتقرب منها على
أساس الأخوة، وبالطبع فقد قمنا بعقد نقاشات حول
العديد من المواضيع، وكنا نتبادل الآراء والمشاعر
ونحاول التعرف على نواقص بعضنا فقد كانت نقاشاتنا
على أسس الرفاقية وبالرغم من كونها أختي فقد كنت
في كثير من الأحيان أشعر وكأنها شخص آخر معي، وكنت
أصارحها هذه المشاعر وكانت تجيبني كمايلي "هكذا
تعلمنا على النضال والكفاح في حياتنا فنحن نمارس
السياسة وقضينا عمرنا في ذلك" بعدها أتجهت نحو
الجبال وهي إلى سوريا و بالفعل لقد تعرضت لضغوطات
من قبل الدولة لأنها كانت ملاحقة في كل الأماكن
كالشارع وفي بيوت المؤيدين وجميع ضواحي المدينة.
ولم تبقى أكثر من ثلاثة أشهر هناك وهكذا خرجت من
سوريا من جراء الملاحقات و التهديدات من قبل
النظام فقد كانت الدولة تعلم بقدومها إلى سوريا
وقام الخونة والعملاء بإبلاغها إلى الدولة، إلى
جانب تعرض العائلة أيضاً لضغوطات وسخط كبير من قبل
الدولة, بحيث أنهم قاموا بتهديد أبي في العديد من
المرات, وحتى في أحد المرات كانوا على غير علم
بخروجها من سوريا, لذلك وبعد خروج الرفيقة شيلان
أعتقل أبي وتعرض للتعذيب وهكذا أصابته سكتة قلبية,
ويخبرونه بأننا كلانا رهن الاعتقال, وفي حال سماع
الرفيقة هذه الأنباء أتصلت عبر الهاتف مع العائلة
لتخبرهم بخروجها من سوريا وتنصحهم بعدم تصديق
القال والقيل. وقد لاقت صعوبات كثيرة أثناء
تواجدها في سوريا, وكانت تقول لم أكن أستطيع
التحرك بحرية وكل ما أمكنني فعله هو تنظيم الشعب
والرفاق لأنني كنت محاصرة من كافة الجهات. ورغم
كافة الصعوبات التي واجهتها الرفيقة كانت مصرة على
الذهاب إلى سوريا مرى أخرى, وقد نبهتها بعدم
الذهاب إلى سوريا وذلك لخوفي من اعتقالها, ولكنها
جاوبت بأنها لا تهاب الاعتقال أو الموت ما دام
الهدف هو تطوير وتصعيد النضال في سوريا, لذلك علي
الذهاب, وهكذا داومت حتى آخر مرة وكان ذلك في يوم
استشهادها, فبعد مجيئها من سوريا دعتني لزيارتها
وكانت فترة إقامتي معها في آخر لقاء قد بلغت 18
يوماً. وحينها وقبل ذهابها قالت لي أنها تود ذهابي
معها في هذه المهمة, ولكني جاوبتها بعدم رغبتي في
الذهاب معهم, لتسألني لماذا لا تودين الذهاب معنا
؟ فجاوبتها أن عددكم كبير هذه المرة, ولا أرغب أن
أحصر مكانكم في السيارة. وهكذا خرجنا معاً ثم
تركتني في أحد الأماكن وحذرتني قائلة انتبهي
لنفسك, فجاوبتها عليها بنفس الشيء, وكنا ننصح
بعضنا دائماً بالانتباه لأنفسنا وكأننا كنا نستشعر
بعض الأشياء فقلت لها سوف أنتظرك, وهكذا انطلقوا
من ذاك المكان, وبعد ذلك بساعة حدثت تلك المجزرة,
ولكن لم يخبرني الرفاق بحدوث هذه الجريمة في ذاك
اليوم بل أخذوني إلى مكان آخر, وفي اليوم التالي
أخبرني الرفاق بوقوع هذه المجزرة, أما قبل أن
يخبرني الرفاق بذلك كنت قد استمعت من تلفزيون
(روج) أن خمسة أشخاص لقوا مصرعهم على طريق (
شنغال) فقد كنت أشعر بشعور وكأن هؤلاء الضحايا
الخمسة هم من رفاقنا, وانتابني شعور بعدم الارتياح
وكأن ناراً كادت تنهش جسدي وبالطبع كان هؤلاء هم
رفاقنا ولم أكن على علم بذلك, ثم هلمت بالذهاب إلى
مكاني وحينما جلست جلس الرفاق من حولي وملامح
الحزن العميق بادية على ملامحهم, لكن ما أن أبصرت
عبارات الحزن على وجوه الرفاق حتى انتابني شعور
وكأن شيئاً هائلاً قد حدث, حتى صارحت الرفاق عن
شعوري وقلت لهم أني أتنبأ بخبر تعيس سيصلني. وهكذا
زادت دقات قلبي وأخذت تتسارع في النبض ثم أخبروني
بأنه في إحدى ضواحي الموصل و لم يكمل الرفاق بعد
حتى فهمت ما جرى, ولم أشعر بنفسي كيف أني أصدرت
صوتاً وأنهارت قواي على تحمل سماع الفاجعة المؤلمة
ليس فقط لأن إحدى ضحايا المجزرة كانت أختي فحسب بل
لأنه كل من الرفاق الأربعة المستشهدين كنت أعرفهم
وعشت معهم فترة من الزمن, بحيث أنهم عندما ودعوني
ترك كل منهم كلماتهم الأخيرة لتدوي كلماتهم في
آذاني, لذلك تألمت لسماع الخبر فقد ودعت خمسة من
رفاقي ومن ثم لأسمع نبأ استشهادهم وتثاقلت علي
الحياة من بعدهم , فقد كنت أعرف الرفيق فؤاد
أيضاً عن قرب فقد ناضلت مع الرفيق فؤاد من عام
۱۹۹٤حتى عام ۱۹۹٦وكان يحادث الرفيقة شيلان ويقول
لها لقد تعرفت على الرفيقة قدرت قبل معرفتي بك ولن
تستطيع القول بأن هذه أختي لتعرفني بها فأنا
أعرفها سابقاًً والرفيق فؤاد له جهد كبير في ساحة
غرب كردستان فقد عاش هنالك فترة تقارب العشر
سنوات, ودائماً كان يقول لي أن الحكومة السورية
سوف تدفع فدية كبيرة مقابل من يساهم في القبض على
فؤاد وشيلان وفي النهاية لم يحصلوا على مبتاغهم,
وفي النهاية أبارك استشهاد رفاقنا الخمسة على
قائدنا فقد كانو يرغبون بالاستشهاد مرفوعي الجبين,
ونبارك شهادتهم على ثورتنا وعلى كافة العوائل
ولعائلتي أيضاً, فلدى سماعي الخبر زودتني العائلة
بقوة كبيرة, وشجعتني على المثابرة في طريق الشهداء
والانتقام لروحهم المقدسة وسأعمل بكل ما أملك من
قوة على المجابهة والنضال الدائم. فقد قطعت وعداً
لهم بذلك وكل ما سنبذله لأجل ثورتنا ولأجل شهدائنا
سوف يكون رخيصاً أمام حقيقتهم, وعند سماع أمي وأبي
النبأ كان أبي دائماً يقول لها ( أني راض
باستشهادك, لأنه خير من اعتقالك), فهو كان واثقاً
من بقائها ضمن الحزب فهي التي انضمت إلى الحزب في
السن الرابعة عشرة, وكان يكرر لها أنه راض
بالاستشهاد بدل من الاعتقال أوالهرب. في الحقيقة
لم أكن أصدق أن تقترب عائلتي على هذا النحو فقد
كانت شيلان البنت الأولى والكبرى والمدللة في
العائلة فقد كانت محبوبة من قبل أمي وأبي ودللوها
كثيراً، وهكذا عند سماع نبأ استشهادها كان أبي
فخوراً وصرح بأنه سوف يدوام على النهج الذي سلكته
الرفيقة شيلان وسوف يبقي بيته مفتوحاً لضيوفها,
وقالت أمي أن اليوم هو يوم عرس ابنتي والضيوف
القادمون بالآلاف هم ضيوفها لذلك سوف أرحب بهم من
صميم قلبي.
الرفيقة روشن كوباني:
قبل أن تنضم الرفيقة شيلان إلى صفوف الحزب سمعت
عنها كثيراً على الرغم من أنني لم أتعرف عليها
بشكل جيد, ولكنها أثرت على قراري في الانضمام إلى
الحزب بشكل قوي لأنها من الرفيقات الأوليات
اللواتي بتنّ بمثابة طليعة مؤثرة على جميع أنحاء
غرب كردستان. وهي واحدة من الرفيقات القديمات في
المنطقة, بحيث أنني لم ألتقي بها شخصياً حتى
بدايات عام ۱۹۹۵ حين تم إلتحاقي بساحة الوطن, وقد
كانت ذاك الوقت تحمل على عاتقها مسؤولية إدارة
الكتيبة. عندها تعرفت عليها بشكل جيد. ولكنني لم
أستطع أن أتخذ مكاني في كتيبتها, لهذا لم يكن
بامكاني الاتصال معها عن قرب, وقد دامت تلك
الوضعية حتى عام ۲۰۰٤ففي
مطلع هذه السنة تم انضمامي إلى
PYD
وبنفس الوقت فقد كانت هي الأخرى تأخذ مكانها في
الهيئة الإدارية للحزب, وفي غضون هذه الفترة
الوجيزة تعمقت معرفتي نحوها وأزدادت رغبتي في
الامتثال ببعض خصوصياتها واكتساب القليل من وعيها
الجنسي وقوتها الشخصية ومواقفها الراديكالية بخصوص
مسألة المرأة. وفي كثير من الأحيان كانت تقول لي (
لماذا أنت ساكتة لهذه الدرجة لماذا لا تتكلمين،
ألا تعرفين أن فتيات كوباني لا يخضعن رؤوسهن
بسهولة أنهم قويات ولا يهبنّ أي شيء) , وكانت تضحك
وتشير لي نفسها وكيفية وصولها إلى هذه الدرجة رغم
الصعوبات والألم التي لاقتها طوال حياتها, وكانت
تأمل من الجميع أن يتقربوا مثلها في جميع مجالات
الحياة وبالأخص في مسألة المرأة, لهذا الشيء تأثرت
بها كثيراً وبمواقفها المبدئية كانت تلفت أنتباهي
وتزيد ارتباطي ومحبتي نحوها, ومن ناحية أخرى فقد
كانت تشاركنا في كل شيء, وتناقش معنا مسائل
ومواضيع كثيرة حول المقاييس والمبادئ التي يتوجب
على كل امرأة أن تتقيد بها في جميع مسالك ودروب
حياتنا الثورية وبنفس الوقت كانت تعلمنا كيفية
التقرب من الإنسان والرفاقية والتفكر أو مراجعة
ومحاسبة ذاتنا بشكل صحيح, أي أنها كانت تريد أن
تقاسم جميع ألامها ومصاعبها وتجاربها والفوائد
التي أكتسبها معنا بشكل مستمر. بحيث أنها دائماً
كانت تشوقنا على التعمق في حقيقة القيادة واكتساب
الوعي والقوى في مواجهة حقيقة الرجل الكلاسيكي
الذي يفرض علينا الخضوع والاستسلام في جميع مجالات
الحياة, وكانت تأكد لنا بأن الألم والصعوبة
الكبيرة تكمن في كيفية الحفاظ على خط القيادة
وتطبيقه على أرض الواقع, وبالأخص من ناحية المرأة
لأن القيادة يبدي لها دوراً كبير في تحقيق نجاح
هذه المهمة التاريخية التي تقع على كاهلنا...
وهكذا فقد كانت تشوقنا وتحثنا على الانطلاق نحو
الحياة بثقة وأمل وارتباط كبير, عن طريق النضال
والمثابرة بعزم وإرادة قوية, وكانت تغضب كثيراً من
تصرفاتنا ومواقفنا التي تكشف عن ضعف الثقة بذواتنا
والتردد في قرارنا للنضال بين الشعب في سورية بسبب
الصعوبات والمخاطر التي كانت تهددنا في تلك
الساحة, وفي كثير من الأحيان كانت تكرر لنا هذه
الجمل "مهما تألمنا وواجهنا المصاعب يجب أن نتحمل
ذلك ونتجاوب مع مطالب ذاك الشعب لأنه شعب ضحى
بأغلى ما لديه على مدى عشرين عام في سبيل هذه
المسيرة وبذل عدداً لا يحصى من الشهداء والأبناء,
لهذا يجب أن نستمر في النضال لأجل توعيته وتطويره
مهمة كلف الأمر".
من ناحية طرازها الإداري كانت متواضعة جداً في
تقرباتها من القاعدة ولم تتقرب في أي لحظة بتقرب
مسيطر ومتحكم, بل كانت تفضل عقد علاقات مبنية على
الثقة والمحبة والتواضع والاحترام المتبادل مع
الجميع. لهذا فقد كانت تناقش وتشارك معنا كل شيء
مع تقدير ظروفنا وأوضاعنا بشكل جيد. وخاصة في
أجواء التدريب لا يستطيع أي شخص أن ينكر جهودها
المبذولة في سبيل تنوير المناقشات والتناقضات التي
كانت تعم في وسطنا، ورغم الصعوبات التي واجهتها من
الناحية الإدارية في
PYD
والضغوطات التي كانت تفرض عليها الكثير من الميول
الرجعية لم تستطع أن تضعف ولو قليلاً من درجة من
وتيرة نضالها بين تلك الظروف الصعبة, ولم تستغني
عن مواقفها التنظيمية والإنسانية, فقد كانت تعقد
علاقاتها الرفاقية حتى مع الذين كانوا ينقموها
ويرفضونها, بقناعتها التي تشير إلى الإلتزام
والتقيد بمبادئها ومهامها الثورية وبنفس الوقت
الاستمرار في محاسبة ومراجعة ذاتها بشكل دائمي
لأجل تحقيق التجديد والتقدم في شخصيتها التي كانت
تسخرها بكل ما فيها من طاقة وقوة ذهنية ومعنوية في
خدمة الوسط الثوري...
لقد تلقيت خبر استشهادها من الرفاق عندما تم إعلان
الحدث بشكل رسمي, وتأثرت بها كثيراً لأنني كنت
مرتبطة بها من الناحية العاطفية والمعنوية بشكل
قوي وبهذا النبأ تركت على كاهلنا ثقلاً كبير, لأن
أفتقاد رفيقة في هذا المستوى يعني أفتقاد الكثير
بالنسبة لنا، صحيح أننا لا نستطيع حمل كل تلك
المسؤولية على عاتقنا ولكن ذاك الحدث المفجع يثبت
لنا مدى ثقل المسؤوليات التي تتطلب منا بعد
استشهادها, وبالأخص في ساحة نضالنا في سورية.
وبصراحة في الوقت الذي سمعت فيه هذا النبأ أول ما
جاء إلى عقلي هو هذا السؤال: "هل نستطيع أن نتجاوب
مع أهدافها وآمالها التي عقدتها على شخصياتنا
وبصدد المرأة أم لا؟".
في الحقيقة لا أستطيع التعبير عن مشاعري وأفكاري
بصدد هذا الحدث لأنه حدث يهز وجدان وضمير الإنسان
من الأعماق ولا يحتمله عقلي ومنطقي. فقد تأثرت بها
كثيراً لأنني حقاً مرتبطة بها من الناحية العاطفية
والفكرية, لأننا قد تقاسمنا الكثير من الأوقات
الصعبة مع بعضنا. وأخيراً سيكون هدفي الأساسي من
الآن وصاعداً هو التجاوب مع آمالها والسير على
دربها والأعتناق بجوهرها وتقوية روابطي بها من
الناحية الفكرية والايديولوجية والوصول إلى درجة
عالية تليق بها... |