ألعوبة كركوك

إعداد: غيفارا آزاد

كركوك قضية شائكة وبعيدة الأبعاد ويتطلب من قارئه التمحيص والتدقيق في جوانبه العديدة للوصول إلى مفادي ما تم الصياغة له على مر العهود السابقة. و قضية كركوك هي قضية تابعت سيرها في المجرى المعين له لتصل اليوم إلى مرحلة الحصاد من ما تم الزرع فيه من بذور.

تعيش المنطقة اليوم بدولها وشعوبها وبجميع أقلياته الأثنية والدينية حالة من الصراع يتخللها أحياناً ترسانة من الدماء وأحياناً العمل خلف الكواليس والقيام بالاستعدادات اللازمة فيما سيتوجه إليه المنطقة وأن الصراع تحمل بين طياته مخاوف من اندلاع حروب بين الشعوب والطوائف إلى درجة لن يكون فيه لأحد القدرة على امتلاك زمام الأمور أو الحسم فيما سيخاض إليه من نتائج جراء الصراع الواشك على الاندلاع.              

تعتبر كركوك في يومنا الحالي بمثابة صمام الأمان فيما سينجم عنه من دخوله في مخاضي سياسات القوى العالمية والقوى المحلية في صراعهم الحاد على كركوك. وكركوك في وقتنا الراهن هي بمثابة نقطة الحصر والانحصار في الصراع الدولي لما يتمتع به من أهمية اقتصادية عظيمة لكل من يستولي عليها أو يترك زمام أمورها بين يديه وأن كافة التقلبات السياسة والديبلوماسية هي رادعات فيما سينجم عنه من صراع إقليمي وعالمي.   

حاولت القوى الغربية منذ تاريخها الامبريالي والاستعماري دائماً السيطرة على المنابع الاقتصادية الحيوية في المنطقة وكرست جميع قواها وسياساتها للحصول عليه من دون أن يتردد ولو بخطوة واحدة عن تأجيج نار الفتنة والفساد بين شعوبها. والتاريخ الامبريالي حافلة بهذه التطبيقات في المنطقة وفي كل أرجاء العالم التي حاولت الاستيلاء عليه سواء في منطقة الشرق الأوسط  أو في المناطق الآسيوية الأخرى.

القوى الرأسمالية العالمية مستمرة في تداعياته الرامية بالسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتعمل في تكريس قواها الكبرى بعد الفشل الذي تعرض له في العراق. والسياسة الغربية في المنطقة يبغي اليوم إلى قطف وجني  ثمارها في ما بذلته من جهود مضنية منذ تاريخ طويل وأن ما هو اليوم على حافة الاندلاع من صراعات دينية وأثنية وإقليمية بين أبناء المجتمعات الشرق الأوسطية هي نتيجة الاحتقانات التي تذرعت به القوى الرأسمالية العالمية منذ تخرطهم في الحرب العالمية الأولى. وهي نتيجة ما تبلورت من خطط سياسية إستراتيجية تعمدت إليه الغرب في علاقاتها الخارجية من سياسة "فرق، تسد".                         

وتعود أسباب الصراع الحاد في وقتنا الراهن على كركوك إلى ما يتمتع به كركوك من أهمية اقتصادية كبيرة نسبة إلى ما يتمتع به من عائدات البترول.

ازدادت الاهتمام العالمي وخاصة القوى الرأسمالية بكركوك بعد أن تم اكتشاف النفط فيه في عام 1927 و الذي بدء العمل على استخراجه بعد عشرة أعوام من اكتشافه أي في عام 1937 وأصبحت كركوك من الحين ذاته عرضة للسياسات والمنافسات الدولية، مما كان السبب في تعرض سكانها الأصليين إلى آفات الانهيارات من جوانب عديدة سواء الاقتصادي،الاجتماعي،أو بنيتها السكنية جراء الإحصائيات التي تقدمت عليه كل من السلطات التي أخضعت كركوك تحت مد نفوذها قبيل وبعيد الحرب العالمية الأولى.                  

النفط "محوراً للصراع الدولي

تمتعت منطقة الشرق الأوسط بأهمية ذات حيوية بالغة إلى كل من الأنجليز والفرنسيين والألمان والروس للسيطرة عليه، فان الشرقين الأوسط والأدنى وبسبب احتلالهما موقعاً استراتيجياً مهما اشتدت عليه المنافسة فيما بينهم للعمل على الاستحواذ عليه ولتثبيت مواطئ قدم لها في هذه البلاد والسيطرة على ثرواتها وربط سوقها بأسواق تلك الدول وكما نعلم فان النفط هو العامل الرئيسي في ذلك الصراع.                     

يعود لفت أنظار الغرب إلى المنطقة قبل انتهاء القرن التاسع عشر حيث بدأ الجيولوجيين الغرب العمل على تحديد كمية النفط والذي قدروا حجم حوض نفط كل من كركوك وخانقين ومناطق أخرى حوالي 300 كم تقريباً .و لم يكن خافياً عن أنظار أي أحد من محاولات الانكليز للسيطرة عليه حيث عبر ونستون ضرضل في أحدى تصريحاته عام 1913 عن توجهاته قائلاً:" يجب ان نقف عند منابع النفط كأصحاب أو مسيطرين على الأقل على جزء من النفط الذي نحن بحاجة إليه".                                       

اتفاقية سايكس بيكو محاولة لتسوية المشاكل

للوصول إلى تسوية في المشاكل القائمة بين القوى العظمى والمتعلقة بتقسيم ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، كان لابد من إجراء اتفاق بينهم وبموجب اتفاق سايكس بيكو أعلنت العراق منطقة سيطرة بريطانية، في حين اعتبرت المناطق الداخلية من ميزوبوتاميا مناطق نفوذ فرنسية، و قد أجبرت بريطانيا فيما بعد الفرنسيين التخلي عن المطالبة بالموصل وتعويضها ب25% من أسهم شركة النفط التركية وفق ما جاء في اتفاقية سان ريمو.    

جرى تطبيق الاتفاقية فيما بعد وفق سيناريوهات أخرى بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا وسيطرة بريطانيا على ولاية الموصل وظهور الحركة الكمالية في تركيا. فقد تقدمت القوات البريطانية باتجاه كركوك واحتلالها في 7 مايس من عام 1918.                                

و منذ أن وطأت أقدامهم المنطقة الكردية بدأ الانجليز ينتهجون سياسة تقطيع أوصال كردستان الجنوبية التي كانت تضم على حد تعبير أحد أعمدة الاستعمار البريطاني في العراق ادموندز كلامن الموصل وكركوك والسليمانية. في حين كانت أربيل وكويسنجق ورواندوز أقضية منفصلة تابعة إلى كركوك وقد فصلت عنها عام 1918 ليؤلف منها لواء رابع مستقل باسم لواء أربيل، أما خانقين ومندلي الواقعتان على الحدود العراقية و الإيرانية واللتان كانتا من أعمال ولاية بغداد وأغلبية سكانها من الكرد فقد ضمتا إلى لواء ديالى الذي تم تشكيله في نفس العام. .(سي.جي.أدموندز، كرد و ترك وعرب- سياسة ورحلات وبحوث عن الشمال الشرقي في العراق1919-1925 ترجمة جرجيس فتح الله بغداد 1971، ص12-13-32 )                         

بريطانيا خلفت فيما وراءها بذور التزعزع وللاستقرار

حاولت بريطانيا منذ دخولها المنطقة وللسيطرة على كركوك، العمل على إثارة العداء بين أثنيات كركوك وخلفوا فيما وراءهم كما هائلاً من التناقضات التي يقتضي مصالحهم بالاستفادة منه متى ما أرادت أو متى ما وجبت مصالحها لعمل وبكل سهولة على إثارتها و تفكيك قواها لتكون هشة وهزيلة للسيطرة عليه. و في هذا الإطار تحدث الخبير في الشؤون العراقية السيد إسماعيل ديريك قائلاً: "أن ما تتعرض له مدينة كركوك في يومنا الراهن هو نتيجة ما  خلفته القوى الرأسمالية العالمية منذ أعوام الحرب العالمية الأولى من بذور التزعزع وللاستقرار. واستمر السيد إسماعيل في حديثه مشيراً إلى أن جمة التناقضات الأثنية في كركوك هو نتاج السياسة البريطانية والعراقية العميلة آنذاك حيث عمل كل من الطرفين والتزاماً منهما على ما توحدت أهدافهم في المنابع النفطية للمدينة على تبني سياسة يقتضي في مجمل مبادئها زرع نواة الفساد والتفرقة والنزاع الدائمي بين أبناء المدينة المسالمين في العيش مع بعضهم. وتابع قائلاً: "تعمدت كلا السلطتين البريطانية والعراقية إلى تطبيق سياسة التهجير بحق الكرد واستيطان العرب فيه من ناحية وزيادة عدد العنصر التركماني من ناحية أخرى".                    

والجدير بالذكر هنا إن السيد إسماعيل أشار إلى نقطة في غاية من الأهمية حيث قال:" أنتهجى البريطانيون سياسة التفرقة والعداء و فكروا ملياً في إستراتيجيتهم المنمطة في أهدافهم على المدى البعيد، فمن المعلوم إن وحدة الشعوب لا تأتي بما يقتضيه مصالح الرأسمالية لكونها تقف عائقاً جدياً أمام تحقيق طموحاتهم ومن ذلك المنطلق كان لا بد لهم من إيجاد صيغة مدروسة تتوافق مع ما يطمحون إليه. فقد انتهجت في سياسة الاستيطان بالانتخاب الذي يحلو له فان العنصر العربي الذي استوطنه في المدينة هو الشيعي. وإن اختيارهم للعنصر الشيعي يعود إلى الخلافات الطائفية والمذهبية في العقيدة التي يؤمن به أفراده مع المذاهب الأخرى من جانب ومن الجانب الأخر هو الاختلاف في الانتماء القومي، و أن هذا النهج سيكون الرادع الأساسي في عدم توحد أبناء المدينة في أي عهد من العهود. لكون الخلافات الدينية والمذهبية والانتماء القومي لا يدع السير والتوجه نحو الوحدة، فإن العرب لن يتوحدوا مع الأكراد، لاختلافهم في الانتماء القومي وسوف لن يكونوا على علاقة متينة وراسخة مع العنصر التركماني لما يحملانه من اختلاف في المذهب والانتماء القومي والأمر ساري المفعول أيضاً نسبة إلى الاكراد والتركمان.                            

وأضاف: إن سبب إصرار البريطانيون في السيطرة على كركوك يعود إلى التنبه والتوقع بأن حرباً عالمية سيبدأ بالنشوب خلال الأعوام الخمسين القادمة والحرب سينجلي في طياته على المخزون النفطي في كركوك. وحسب الدراسات والبحوث التي تمت حول نفط كركوك يقال بأن نفط كركوك ستبقى على حيويته على مدار خمسين عاماً على الأقل و حسب ما أشار منظمة أوبيك الدولية للنفط: إن كركوك يملك مخزوناً احتياطياً من النفط تأتي في المرتبة السادسة على الصعيد العالمي.                              

سياسة تفتيت وتقسيم كردستان هي بهدف إثارة الصراعات الشعبية في المنطقة

بعد أن تحولت أنظار العالم الغربي إلى منطقة الشرق الأوسط، عملت دائماً على تمتين عوامل التفرقة وإثارة الروح القومية في سبيل نشوب حروب طائشة، تكون الرادع الأساسي في عدم الاستقرار والأمان لشعوبها ولتكون بمثابة الركيزة والمبرر الأساسي في تدخلات القوى الرأسمالية إلى المناطق المزعزعة في كياناته. ويعود السبب الرئيسي في تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء وإخضاع كل جزء منه إلى دولة من الدول الأربعة الموجودة في المنطقة، بهدف استخدام الكورد كورقة تهديد ضد كل دولة من دول المنطقة التي لا تستوجب مع السياسات الخارجية للقوى الرأسمالية العالمية. فقد تطرق السيد إسماعيل في حديثه إلى:أن القوى العظمى المشاركة في الحرب العالمية الأولى والذين تقاسموا بالمنطقة فيما بينهم عملوا على تقسيم كردستان وفق دراساتهم المستقبلية، والذي كان بهدف استخدامهم كعامل رئيسي في صراعهم مع دول المنطقة أو الدول المسيطرة على كردستان في الأوقات التي تدعي فيه الحاجة إليه.                                           

امتداد تأثيرات التهجير والتطهير العرقي على المجتمعات الأخرى

تعرضت كركوك منذ تاريخها الحديث وإلى يومنا الحاضر لسياسات من نهج التطهير العرقي والتهجير القسري بما فيه التلاعب بالديموغرافية السكانية وتشويه حقيقته الأصلية. وأصبحت العقدة الكأداء في المنطقة وقد تمحورت جميع السياسات الممارسة على المنطقة، حول الاستيلاء على كركوك ونفطه الذي يعد ويعود بالمسيطر عليه قوة اقتصادية فائقة تؤهلها للعب دور مركزي على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

إن سيادة الدولة القومية الموجودة في المنطقة والمتأصلة بالمواقف القومية الضيقة والشوفينة لم تتراجع عن تنفيذ سياسات دخلت بنتائجها في خدمة القوى الرأسمالية العالمية وإن مفهوم الأمة الواحدة والبعيدة عن المقاييس والمعايير الديمقراطية المعاصرة كانت السبب الأساسي وراء التراجيديات التي تعرضت لها أبناء الشعب الكوردي و لم تكن نتائجها محصورة على الكورد فقط، إنما امتدت بتأثيراتها النفسية والاجتماعية إلى المجتمعات والشعوب الأخرى المتواجدة في المنطقة سواء العرب منه أو الأتراك أو الفرس. وخاصة ما تجزر من  روح شوفينة وثقافة غير قابلة على قبول الآخر والعداء لأخيه الإنسان في نفوس وأفئدة شريحة من الناس، وجميع المشاكل تلك منتظرة الحلول الجذرية والواقعية في يومنا الراهن. 

مساهمة النظام البعثي في استئصال الجذور الكوردية

عمل النظام البعثي في فترة سلطتها على تجذير وتعميق المشاكل القائمة واستئصال الجذور الكوردية، دون أن تكون لها رادع في المآسي والتراجيديات التي ستنجلي عن ما اقترفتها أثناء فترة وجودها في السلطة، وأن أكبر عمل شنيع قامت به النظام الصدامي هو حملة الأنفال التي راحت ضحيتها أكثر من 180 ألف إنسان وتهجير الآلاف من سكان الأصليين في كل من كركوك وضواحيه ومناطق أخرى من كردستان. وإن ما تقدم عليه النظام من خلط أياديها في المجازر على الشعب الكردي، كانت مبررة بخوفها من بناء كيان كوردي مستقل في المناطق التابعة لنفوذها. واستهدف النظام البعثي في كل ما قام به إلى تغيير الواقع القومي لسكان كركوك وإلحاق ضربة مبرمة بالحركة الكوردية المتصاعدة آنذاك، حيث قال علي حسن المجيد في اجتماع له مع مسؤولي حزب البعث والجيش والأمن بتاريخ 15 نيسان 1989 (كما جاء في كتاب كركوك- للدكتور جبار قادر.ص 18) (أود أن أتحدث عن نقطتين الأولى التعريب  الثانية المناطق المشتركة بين الأرض العربية ومنطقة الحكم الذاتي، النقطة التي أتحدث عنها هي كركوك.عندما جئت إلى هنا لم يزد عدد العرب والتركمان عن 51% من مجموع سكان كركوك، مع كل ذلك صرفت 60 مليون دينار إلى أن وصلنا إلى الحالة الراهنة، ليكن واضحاً لديكم لم يوصل كل العرب الذين جلبناهم إلى كركوك نسبتهم إلى 60%، عند ذلك أصدرت أوامري ومنعت بموجبها كرد كركوك من العمل في كركوك والمناطق التابعة خارج منطقة الحكم الذاتي. كركوك خليط من القوميات والأديان والمذاهب، كل الناس الذين رحلناهم خلال الفترة من 21مايس وحتى 21 حزيران لم يكونوا من سكان المناطق المحرمة، ولكنهم كانت تحت سيطرة المخربين سواء كانوا من المتعاطفين معهم أو ضدهم )                                 

هيمنة ضعيفة على كركوك أفضل من هيمنة قوية 

عملت القوات الأمريكية على قطع بعض من النواحي التابعة لكركوك عنها كخانقين ومندلي وغيرها من الضواحي، بعد تمكنها من فرض حصار دولي على العراق بعيد حرب الخليج في التسعينيات وفضلت آنذاك إبقاء المدينة تحت نفوذ العراق تماشياً مع متطلبات حساباته الإستراتيجية. وقد عبر السيد إسماعيل في حديثه حول هذه النقطة بالتالي:إن الهدف منه تقليص عدد الأكراد المتواجدين في المدينة والعمل على أن تكون عدد الشعوب والأقليات الموجودة في المدينة متساوية وأشار إلى أن عدم ربط مدينة كركوك بمناطق الحكم الذاتي يعود إلى تخوفاتها من ردة الفعل العربي في المناطق الخليجية من ناحية والأتراك من الجانب الآخر. وأضاف في حديثه أيضاً أن أمريكا ووفقاً لمتطلبات حساباته في المنطقة كانت تفضل بقاء مدينة كركوك في ظل هيمنة ضعيفة، أكثر من أن تكون في ظل هيمنة قوية.

فأن ما افترضته الولايات المتحدة في سياسته من حسابات دقيقة وشاملة ستتجاوب مع ما يهدف إليه والتلاعب به كيفما أرادت والواقع الراهن في كركوك من زيادة تأججات و صراعات على حافة الاندلاع لهو دليل على ما ستجني الأمريكان من حصاد في غاية الأهمية وخاصة إن جميع دول المنطقة ووفقاً لحساباته ومخاوفه المشتركة من القضية الكردية والتي بات لهم بالكابوس الأليم، يعملون على التدخل في الصراع الموجود على كركوك و يعملون بكافة جهودهم الحثيثة لإبقائها خارج النفوذ الكوردي. 

تركيا تتورط في تأزم الهاوية  

تزداد قلق الدولة التركية يوماً وراء يوم فيما يحققونه الكورد في إقليم كردستان العراق من تقدم ملحوظ وتصاعدهم المتدرج في بناء كيانهم المستقل. وبدخول مسألة استفتاء كركوك في حديث الساعة والذي من المقرر إجراءه قبيل انتهاء عام 2007 حسب ما نصت عليه الدستور العراقي، تكاثف التوغل التركي في المنطقة أكثر من السابق لسببين مهمين الأول: خوفه من ما سيحققه الحكومة الكوردية في الإقليم من ازدهار وقوة جراء دخول عائدات النفط في المخزون الكوردي. والثاني:تحسباً منه عن ما سيترتب في نتائجها من امتداد لنفوذ السلطة الكوردية إلى داخل الأراضي التركية، لوجود الأكراد على بقاع أراضيه والمقدر بنسبة أكثر من عشرون مليوناً كوردياً.

والدولة التركية لا تكتفي بترقب الأحداث والتطورات في ساحة إقليم كردستان إنما تعمل باذلة جميع قواها في سبيل تعثر التطورات وتشكيل العوائق أمام ما يصوبون إليه الكورد في كيانهم المستقل. حيث تعمل الدولة التركية في الآونة الأخيرة على تحريك وتحريض المشاعر القومية والعرقية في كركوك بتذبذباتها ومساعداتها التي يقدمها للأقلية التركمانية المتواجدة في المدينة. وتسعى العمل بكل ما يملكها في سبيل تأجيج نار التناقضات بين الشعبين الكوردي والتركماني. ويعود سبب توغل الدولة التركية في كركوك إضافة إلى السببين المذكورين إلى رغبة الدولة التركية في الاستيلاء على عائدات النفط المستخرج بالأطنان في اليوم الواحد وإلى تحقيق الحلم الطوراني الواعد ببناء الدولة التركية العظمة.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور الحركة الكمالية التي تمكنت وبعقلانية إعلان الجمهورية التركية وقعت في موقف اضطر فيه إلى التخلي نهائياً في عام 1925 عن كلتا الولايتين (الموصل وكركوك) الواقعتان تحت نفوذ الامبراطورية العثمانية قبيل الحرب العالمية مقابل اعتراف عصبة الأمم بمشروعية الجمهورية. ومنذ ذلك التاريخ انسحبت تركيا إلى داخلها لتنشغل مع صراعاتها الداخلية نتيجة الانتفاضات الكوردية المندلعة والعمل على تخميده وإنهاء تمردهم. إلا أن الحلم التركي لم يصاب في أية آونة من الأوان بالخمود أو النسيان وما زال الحلم راكناً في الذهن التركي والتي تقول: إن دولتهم يمتدد إلى كل مكان يتواجد فيه كل من يتكلم بإحدى اللهجات التركية.

والدولة التركية كسائر دول المجاورة له لم يتخلص من شباك مصيدة الغرب والتي تستخدمه ضده كل ما أتاحت للغرب الفرصة أو كل ما استدعت الحاجة إليه، لإبقائه ضعيفة و تابعة لها. (عبد لله أوج آلان في مقابلته مع محاميه بتاريخ 10-1-2007)

وليس من الغريب أن تكون تركيا طرفاً في تكوين الحزازيات والتناقضات لما تحمله من مخاوف نتيجة الذهنية القومية المتشددة، وإصراره في مفهوم الدولة القومية التي لم تعد بإمكانها الصمود أمام العولمة العالمية. فما تفعله الدولة التركية في تمديد ضلوعها إلى الدول المجاورة لن يكون إلا سبباً في تأزم الأوضاع أكثر و توجيه شعوب ومجتمعات المنطقة إلى صراعات دموية لا هوادة فيه، وبالتالي تقديم المنطقة برمته كطبق من ذهب إلى إنصاف الرأسمالية العالمية والتي لا تهمها سوى مصالحها. الدولة التركية ونتيجة لحساباته على كركوك وحسب ما أفاد عنه السيد إسماعيل فقد قامت على التلاعب بديموغرافية كركوك عن طريق منظمة الهلال الأحمر التركي حيث قال: بعد فرض الحصار في التسعينيات على العراق، وتفشي الجوع والفقر بين الأوساط الشعبية الراكنة في المدينة، عملت الدولة التركية مستفيداً من الوضع المتفشي عن طريق الهلال الأحمر على إحراز زيادة في نسبة التركمان القاطنين في محلات وضواحي المدينة، حيث كان يقدم الغذاء والمساعدات لكل عائلة أو لكل فرد مقابل تسجيل أنفسهم كتركماني في السجلات العائدة لمدينة كركوك.

لا بد من الابتعاد عن مفهوم الدولة القومية

ومن الجدير بالذكر ولإيجاد صياغة مناسبة لقضية كركوك بما يتلاءم مع مصالح شعوب المنطقة، لابد من الابتعاد عن مفاهيم الدولة القومية والتطرف الديني والعرقي والتحرك بما يتناسب طرداً مع المفاهيم الديمقراطية المعاصرة والمبنية على قبول الآخر ومبدأ الحوار حول جميع القضايا المعلقة الذي سيكون بمثابة التفادي لمصيدة الولايات المتحدة وشركائه من القوى الرأسمالية العالمية بما خططته من نشوب حروب إقليمية بين شعوب المنطقة في الشرق الأوسط.

إن الإصرار في مفهوم الدولة القومية والقومية البدائية لن يكون بالمؤهل ولن تكون لها قابلية في نشر الاستقرار و الأمان بين سائر شعوب المنطقة إذ بدلا منه سيكون الزاجر في رمي أبناء المنطقة في شباك المصيدة الذي طال الصبر بالأمريكان و حلفائه الانتظار لساعة وقوع شعوب المنطقة فيه.

وقد ناشد السيد عبد الله أوج آلان من معتقله في إمرالي بثلاثة أطروحات إلى الرأي العام في سبيل تفادي الهاوية التي تتوجه إليه سائر شعوب المنطقة:    

الفكرة الأولى: هي كيان ثلاثي في العراق. يفكرون بهذا على شكل الفدراسيون. يجب أن تتخلى تركيا عن السياسات السلبية تجاه الأكراد وكذلك التخلي عن تحريض التركمان هنالك ضد الأكراد، بل عليها صرف الجهود لترسيخ الأخوة الكردية التركمانية. كما قلتُ أعلاه بأن بجانب التركمان يجب أن يعبر الآشوريين والقوميات الأخرى ضمن الاوتونومية الديمقراطية ومرتبطاً بالسلطة الديمقراطية عن أنفسهم. فمصلحة التركمان تكمن في التحرك مع الأكراد. الفكرة الثانية: إن لم يتحقق نقاط الفكرة الأولى، وإن لم تدير تركيا بوجهها صوب الأكراد، حينها سيتقدم التحالف الكردي- الشيعي. هذا التحالف لن يبقى محدداً مع شيعة العراق فحسب، بل سينمي معه العلاقات بين الأكراد والدولة الإيرانية. فـ لطالباني علاقات جيدة جداً مع إيران. الفكرة الثالثة: هي من أفكارنا، أي قيام تركيا بعقد تحالفٍ استراتيجي مع الأكراد. أي عقد العلاقة ضمن إطار الاوتونومية الديمقراطية مع الأكراد الذين كانوا ضمن حدود (الميثاق المللي) أثناء حرب الاستقلال وبقوا خارجها اليوم. هؤلاء ليسوا أكراد الموصل و كركوك فحسب، بل أكراد سوريا وباقي المناطق الأخرى أيضاً. أنا لا أقول بأن يقتطعوا هذه الأراضي ويضموها إلي تركيا. فهذا لا يعني الإلحاق. ما أقصده، على تركيا أن تسالم الأكراد الذين ضمن حدودها، والاعتراف بديمقراطيتهم الذاتية. وإن تطلب الأمر، يجب فعلها رغماً عن الولايات المتحدة وانجلترا. يمكن أن يكون للأكراد حكومات خاصة ومجالس محلية. يوجد العديد من الأمثلة على ذلك في العالم. فهنالك اسبانيا وألمانيا وانجلترا وايطاليا والعديد من الأمثلة المماثلة. فإيطاليا تتكون من عشرين منطقة مختلفة. وهنالك مثال اسكتلندا في انجلترا. فحتى في دولة ذو قومية واحدة مثل ألمانيا يطبق فيها نظام ايالات المناطق. لا حاجة إلى التخوف من هذا الأمر. فليس لهذا الأمر أي خطر على الدولة القومية ووحدتها، عكس ذلك، ستقوي الوطن ووحدته أكثر. الغنى النفطي في المنطقة ستقوي الاقتصاد. يمكن استثمار هذا الغنى لأجل رفاهية الشعوب. صدام لم يستثمر الغنى العظيم الناتج عن النفط لأجل الشعوب، بل استثمرها دائماً في التسلح، والنتيجة أمام الأنظار الآن. لأجل ذلك يجب على تركيا عقد التحالف الاستراتيجي مع الأكراد. في حال عدم حدوث ذلك، ستظهر اللوحة التي عملتُ على ذكرها في الطرح أو الفكرة الرابعة. في حال قيام تركيا والدول المعنية الأخرى بالهجوم على الأكراد، و في حال فرض ما تحدثتُ قبل قليل عن ثقافة التهجم والإبادة على الأكراد، فإن الأكراد وكخيار أخير سيتوجهون مضطرين نحو الدولة القومية ويلتفون حولها. هذا ليس طراز الحل الذي نريده. ستفتح الطريق أمام الصدامات والفواجع. أنا لست صاحب مفهوم الدولة القومية، كررتُ هذا مراراً.

 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006