|
جان مطر
ارفعي
البرقع عن ناظريكِ وانظري حولكِ... الكل يذهب
ويغادر ويتركنا مع ذكرياتهم الحلوة... الكل يرحل
دون وداع ولكن لا أحد يأتي، لا أحد! ونبقى بحسرة
لرؤية الكثيرين وكأنهم سيأتون من الأفق مع الفجر...
نبقى نحدّج في الطرقات والدروب والشعاب الجبلية.
نبقى ننتظرهم ولكنهم لا يأتون...
أنظري
حولكِ سترين بأن البسمة قد رحلت عن الشفاه وأصبحت
رماداً تذريه الرياح العاتيات وتبدده العواصف
الهوجاء في الأودية والسهول... والضحكة لا تعرف
مملكتنا بتاتاً. بتنا نقضم ذكرياتنا ونلوك عواطفنا
الجميلة الماضية. أنظري فقد رحلت عرائس البسمة
وحلّت سحب الشجون ضيفاً ثقيلاً علينا... ما أكثر
الشجون لدينا.
انظري،
سترين الحزن يمطر على حقولنا كل لحظة وقد ألفناها!
انظري
إلى الأيام الماضيات. إلى الربيع الضاحك والأنفاس
المعطّرة بعبق الأمل والشتاء العزيز المتقلد سيف
الرهبة الجليدي... انظري إلى الخريف الذي مضى شاباً
حنوناً. تذكّري رقصات الوريقات الخريفية الصفر في
حفلات قلوبنا. تذكري بياض الثلج المتشح ثوب السكون
الشبيه بطهارة أفئدتنا ونقاء عواطفنا... لكنها
باردة جداً!
تذكري
الوردة النيسانية في التلة المثلجة، كيف كانت
تخترق طبقات الثلج الجهنمي كي تلقي بتحية الصباح
على محبّيها.
أنظري
جيداً هل بقي شيء من كل ذلك؟ لم يبقى أبداً سوى
صورٍ صارخة تأمل عودتها لحدائق نفوسنا...
هل نحن
قد تغيرنا؟ لا والله! فالزمن قد غدر بنا والحرب قد
نفتنا من ديارنا وأفسدت علينا ألعابنا الحمقاء.
هل
كبرنا؟ هل ماتت الطفولة في فؤادنا وهل شبنا عن
طوره ولم يعد للماضي أي معنى لنا؟ هل أنعدم الأثير
كي ينقل نجاوينا ولوعات قلوبنا الفتية؟ لا والله!
فالأثير ما زال بمحله، لكن الأشرار نفثوا فيها
أدران أرواحهم المريضة!
هل ماتت
الملائكة؟ لا والله! فهي طيبة لكن أجواقها منهكة
من خدمة إلهٍ ظالم. وقد تعبت أجنحتها من ضجيج
اللجّة والعوم ضد التيار! الملائكة حزينة وهائمة
لحال دنيانا
أتنهد
وأهدل كالحمائم في سكينة الليل وتنهرق من ثغريّ
الآهات فأنا لم أتغيّر عزيزتي! الحرب هي التي
نفتني من داري وأضلتني في القفار والصخب وسراب
الصحارى. الشيطان لم يغويني. فما حاجته لذلك؟! بل
الأولياء المراؤون حدوني عن الدرب القويم.
الشوك
لم يدمي جسدي ولم يأخذ منيّ مقتلاً، بل الورد من
سلب لبيّ وعوّج كل صحيحٍ وقويمٍ فيّ! وها أنا ذا
أتقعد الصخر الناطح في الرابية الأسطورية، أتعقب
بناظريّ طوابير الراحلين.
منتظرٌ القادم الذي لا أعرف من هو/ هي؟ ومن أين
سيأتي ومتى؟
فخيالي
هذا ليس بدخانٍ انفثه فيبقى في الهواء برهة وبعدها
يختفي... وليس سراباً مرّاءاً خادعاً يقتلني ضجراً
وحنقاً...
منتظرٌ
وسأبقى أترنم وأغوص في بحر الإنتظارات. أنتظر قدوم
الغائب مع عرائس الفجر أو طرحة العروس الغاربة
وراء الأفق. القادم الذي سيوافينا مع أسراب
الكراكي والغيوم والنسائم أو مع قوافل تجار الشرق
ضمن الحرير والتوابل والبهارات السندية... و قد
يأتي ليلاً سالكاً درب التبّان أو راكباً خيولاً
مطهمة بالأمل السرمدي وليالي الشوق!
وسيبقى
البدرُ الكامل أملي المتبقي اليتيم في سكينة الليل.
فسيأتي
مع القمر لا محال
فالقمر نذير الخير
بشير الأملِ
أنيس الوحدة والمتوحدِ
جليس المغتمِ
طبيبُ الولعِ
قبّار الضجرِ
إلهام الشاعر المهيّمِ
رثاء الثكلى
وبلسم
الجرحى
ودواء العليل
ستأتي/ سيأتي مع القمر
ستأتين مع القمر
|