|
آفرين أحمد فؤاد
الفن
والثقافة هما العنصران الأكثر أهمية لمحافظة
الشعوب على ثقافاتها وأعرافها وتقاليدها العريقة
منذ بدايات التاريخ إلى يومنا الراهن، وهما
المجالان اللذان لن يتعكر صفوهما مهما مورست بحق
الشعوب والإنسانية برمتها سياسات الإنكار والإمحاء،
لأنهما العنصران اللذان يحافظان على ثقافات
المجتمعات من الضياع والتشويه والفناء، ولأنهما من
القوة ما يكسبهما قوة على الثبات تجاه كافة
الممارسات التعسفية والعنجهية، لأن سلاح القيم
والمبادئ والجمال تظل خالدة رغماً عن كافة الأسلحة
الفتاكة للقوى الحاكمة التي تنهش الشعوب في صميمها،
فالفن والثقافة هما الجانبان المبدعان للجمال في
الحياة ومن خلالهما تستطيع الإنسانية التعبير عن
ماهية فكرها وشعورها الخفي، وبها يستطيع المرء
التعبير عن مدى نضجه في الإحساس بمكنونات مشاعر
الإنسانية والطبيعة بصورة أخاذة وجميلة ورائعة
تلفت السمع والبصر لسماعها والإبصار فيها، وهكذا
نستطيع فهم الطبيعة ومكنوناتها الحية منها والميتة،
الجميلة منها والقبيحة من خلال الفن والثقافة.
فمنذ
بدايات تاريخ الإنسانية، كان الإنسان يمارس الفن
والثقافة في تجميل وتزيين كافة مجالات الحياة،
وكان يشعر براحة وسرور عند ممارسته لها، لذلك كان
يهب كل قواه الفكرية والروحية والمشاعرية على
إضفاء الجمال عليها، وهكذا بدأت الحياة الفنية
للإنسان، فقد كانت بداياته ترتكز على صبغ الجسد
بأصباغ صناعية وكانت المرأة حينذاك تتصبغ بتلك
الأصباغ وترتدي الثياب ضرباً للزينة والتجمل، من
ثم جاء الخزف الذي تحول فيما بعد إلى فن النحت
والتصوير الراهن، وكان الرقص يمارس كوسيلة للتعبير
عن الترحيب بالرئيس لنصره، ونشأت الموسيقى والآلات
والأشعار والمسرحيات وإلى ما هنالك من جوانب فنية
وجمالية للحياة، وكان الأدب آنذاك يمارس على شكل
ترانيم وطلاسم سحرية تواجدت على الأنغام الشعرية
ليضفي تأثيراً ووقعاً مدهشاً على المستمعين
المشاهدين.
هذا
بصراحة كان ملخصاً عن تاريخ الفن والثقافة العريق
والذي لم أشئ الخوض في غمار تاريخهما الطويل
والعريق، و للتوكيد على أهمية ممارسة الفن
والثقافة وجب الاستنتاج أنه من السذاجة والسخافة
أن نتصور أننا قادرون أو قادرات على التعريف
بهوياتنا كبشر أو كشعوب من دون التعريف بفننا
وثقافاتنا لأن تاريخ الشعوب والفن مترابطان منذ
الظهور الأول للفن كما بينا في السابق، فقد نبغ
التاريخ على هذه الأرض بالآلاف من الفنانين
والفنانات الذين مازالت صدى ألحانهم وآثار فنونهم
خالدة إلى يومنا الحالي. لذلك وجب الوقوف لحظة
تفكير ملي حول مفهومنا تجاه الفن والثقافة، ذاك
المفهوم الذي تجذر نتيجة لوضعية الحرب والثورة
الدائرة في منطقتنا الشرق الأوسطية، والتي كانت
تعتبر أن الفن والثقافة هما المجالان اللذان يجب
أن يبقيا رهن التخلفً، وهما المجالان اللذان يجب
أن يحتلا المكانة الدونية لاهتماماتنا، رغم أن
القائد عبد الله أوجلان يؤكد مراراً وتكراراً في
مرافعته حول أهمية الفن والثقافة ويعتبره مطلباً
من المطالب الحياتية التي لا يجب التنازل عنها،
وأكد على بناء المؤسسات الخاصة بها التي تتناسب في
سبيل تدريب هواة الفن والثقافة.
لذلك
وجب علينا التوصل لنتيجة" أننا ربما قمنا بتصعيد
وتطوير الفن والثقافة إلا أننا بقينا نمارسها
بأسلوب وطراز واحد، وهو بحد ذاته يعتبر بعداً
وتخلفاُ عن ماهية الفن والثقافة الحقيقية لأن الفن
والثقافة الحقيقيان هما المجالان اللذان ينضبان
بالأفكار والألحان الجديدة"، فالفن الحقيقي هو
متابعة ودوام لحصيلة السنين لاستخراج وابتداع
الأفضل والأكثر وقعاً في النفوس، فالفن الحقيقي لا
يكتفي بممارسة العزف والرقص والكتابة أو الغناء أو
الرسم فحسب، بل يكمن جماله وسحره وعبقريته في
كيفية التحام هذه المواهب والقدرات مع خصوصيات
الإنسان الجميلة. عندما يلتحم الفنان مع فنه عندها
يشكل معها كلا متكاملاًً لا يتفككان، ويغدو
الفنان فناناً حقيقياً يتحسس مشاهديه ومستمعيه
ليضفي على الإحساس الإنساني أثراً يخلد على مر
عصور مديدة.
لذلك
أني شخصياً أؤمن بإ نطلاقة جديدة وعصرية لمفهوم
الفن والثقافة لممارستهما على أوجهها السليمة
والذي لن يتحقق ما لم يتم الرجوع والعودة للتاريخ
الفني والثقافي ودراسة فلسفته الحقيقية لإيجاد
طراز ومفهوم عصري، لأنه من خلال هذا المفهوم
الجديد والعصري سيلعب هذان العنصران والمجالان
دورهما في التأثير على ذهن الأجيال القادمة، ومن
خلالهما نستطيع التعبير عن آرائنا الإنسانية
وإبداع الجمال الكامن فيهما.
وعلى
الرغم من علمنا بالعقبات والعوائق التي تقف
بالمرصاد لممارسة هذين المجالين، لكن كلنا أمل على
رؤية ومشاهدة الفن الحقيقي والمبدع والثقافة
الحقيقية، لا تلك التي كانت محصورة حسب المفهوم
والمنطق الذكوري المتسلط، ومن جانب آخر كلي أمل
من كافة الفنانات والفنانين في مجال الفن والثقافة
إبداء المراجعة الذاتية للعمل والنضال وفق المنهج
الحقيقي والجدير بأهمية الفن والثقافة.
عزيزتي
القارئة وعزيزي القارئ! أني كلي أمل في مستقبل فني
وثقافي على هذا النحو، "أنت بثقافتك وأنا بثقافتي،
أنت بفنك وأنا بفني، وكل منا أخت وصديقة للأخرى،
وأخ وصديق للآخر لنحقق معاً موازيكاً فنياً
وثقافياً لا اعتداء فيه ولا تمادي"، مستقبل ترسخ
فيه مفهوم الفن والثقافة بالالتحام مع طابع المرأة،
لأن تلاحم الفن والمرأة شبه تلاحم اللحم والظفر لا
يفترقان عن بعضهما البعض في التعريف، فالفن هي
إمرأة والمرأة هي فن متنوع يشمل كافة الجوانب
الحياتية، ومازال التاريخ يبرهن لنا هذه الحقيقة
الساطعة على مر عصور مديدة، وكوننا من المشجعات
وعاشقات لفن وثقافة الأمومة كلنا أمل لتنمية مفهوم
وتطبيق الفن والثقافة على أوجهها الجميلة والسليمة
والمبدعة لتتمكن كافة فنون وثقافات الشعوب في
المحافظة على أصالتها وعراقتها.
|