|
سلمى البغدادي
تمددت
على الكنبة الصغيرة وحاولت أن تغفو للحظات. كان الضجيج
الصاخب الآتي من الشوارع والأرصفة القريبة
والبعيدة عن شقتها المهملة يجعلها تشعر أكثر
بوحدتها وسكينة حجرتها، لم تتردد البارحة في
اختيار الوحدة والانزواء في قضاء اللحظات الأخيرة
من رحيل قرن بأكمله رغم الدعوة البسيطة التي
جائتها من رفاقها في العمل. كانت ترغب حقاًُ في أن
تتربص باللص وهو يسرق آخر اللحظات من قرن لم
يمنحها سوى الآلام والمشقات، كان قرناً أشبه
بحبيبها الغرير الذي قضى أياماً وليال طويلة يسيل
لعابه، يقبل ويبصق ويلعن ويبكي في أحضانها وعندما
قرر الرحيل كان قد أغلق خلفه أبواب شقتها دون أن
ينبس ببنت شفة ورحل ولم يترك سوى صورة واجمة في
مرآتها لنهران يفيضان بالذكريات، والتجاعيد تغفر
فاها خلف مستحضرات التجميل. دمدمت بدهشة وحزن
وكأنها اكتشفت شيئاً "... يالغرابة التشابه...
أهو حقاً مقدر علينا نحن النساء أن نضاجع
الرجال والزمن وهذه الأنظمة البائسة ما دمنا نعيش؟
وأن نبقى بعد رحيلهم مجرد سلال لنفاياتهم، أمقدرٌ
علينا حقاً..؟
جمعت
خصلات شعرها المنسدل بأطراف أصابعها الطويلة بحركة
عصبية وتمتمت:
أوف...
أوف ليتهم لا يأتوا ولا يرحلوا...
ليتهم..!
أشعلت
سيجارة ووقفت، مشت جيئة وذهاباً ولكن ولضيق المكان
جلست من جديد، نظرت إلى الساعة الجدارية التي بدت
لها وكأنها تمد لها لسانها ساخرة وهي تقول:" أما
زلت واقفة لا تبرحين مكانك، بقيت ربع قرن من عمرك
في جوف هذا الغول وأنت ممددة ومستسلمة للرقاد في
هذا المز راب الأعمى"، أنفعلت وتوقدت عيناها كشفاه
سيجارتها ومشت عدة خطوات، اتكأت على الجدار البارد
ومدت أصابعها الطويلة إلى المذياع وحاولت اصطياد
بعض الكلمات أو بعض الموسيقى التي قد تؤنسها
وتداعب وحدتها. جاءها صوت إحداهن تصرخ" مرحباً
بالألف الثالث... بعصر الحداثة والحريات...مرحباً
بعصر الديمقراطية... بعصر الثقافات والحقوق و..."،
وعادت ترددها بين نفسها ونفسها بتهكم وشهقت تضحك
بصوت عال وبعصبية وتمتمت بضجر"أية ديمقراطية وأية
حرية أيتها الحمقاء، ومازلنا نستجدي أبجدية لغتنا
ونتسول هوية تثبت وجودنا، كذب كذب، متى سينفذ وقود
هذه الأكاذيب...متى..؟
أدارت
المؤشر وعادت تصغي... ليلة مباركة هي ليلة تباركت
بولادة اليسوع عليه السلام، ميلاد الخير والفضيلة
والعدالة، وانقطعت أنفاسها لكثرة الصفات والأوصاف
التي نطقتها دون وقوف، تنهدت وقالت:" يقتلون
القتيل ويمشون في جنازته... آه ليت عودة عيسى ولو
لدقائق معدودة كانت حقيقة! ليته مشط أرصفة العالم
هذه الليلة، ووجد بأم عينه كيف أن ليلة عيد ميلاده
تحول الى كرنفال للسكارى واللصوص والعاهرات ومنبراً
لأكاذيب الساسة والسادة، لأنتحر في ليلة ميلاده!
أي ميلاد هذا . أنهم يقتلونه ويقاسمون صليبه
ودمائه وجسده المثقل بجراح ألفي عام وعام ويرقصون
رقصة همجية على بساط آلامه وأوجاعه، أغرورقت سماء
عيناها وتمتمت... ليتهم أكتفوا بالمسيح وحده، أنهم
يجهزون على مسيح ومسيح ويكذبون على الحمقى، وبصوت
رجولي مصطنع قالت:" حان ميعاد عودة المسيح...غداً
أو بعد غد سيعود...!
أدارت
المؤشر وجاءها صوت فيروز وهي تصدح... يا جبل
البعيد خلفك حبايبنا... بتموج مثل العيد وهمك
متاعبنا...، شعرت بالحزن، بحزن شفاف كالدانتيل،
كالموسيقى يسير في دمائها ويلمس جسدها،يعريها من
ملابسها... من أعوامها ومن أحزانها ويتركها مبللة
كقطرات المطر، جبال وجبال وجبال، بنادق تصمت وأخرى
تصرخ وتصدح بالغناء وهشيم حزن يكبر ويكبر.. من قال
أنه لا حدود لخارطة وطني ؟
الحزن
يكبر ويرسم رغم آلاف الأعوام حدود خارطة أوطاننا
كردستان، فلسطين... المعذرة فحتى الألف الثالث لا
ينوي أن يسمع زفراتكما، وعادت تسخر... ليتهم
يعثرون على الحياة سريعاً على القمر ويرحلوا
ويتركوا لنا ما تبقى من هذا الكوكب المفجوع، من
أحزاننا وترابنا وبترولنا وأنقاضنا.
|