"حسن كيف" بحاجة للكشف عنها وليس لدفنها تحت المياه

هيلين مراد

ترجمة: نودم سيبان

حسن كيف... هي من أكثر المدن التي نوقشت عليها في هذه السنوات الأخيرة... حيث عُمرت هذه المدينة على حوافي مياه الدجلة، وهي من إحدى المدن التي تمتد تاريخها إلى مئات السنين... وفسيفساء الثقافات... أنها المدينة التي حملت بين أحضانها معرفة كافة مراحل التاريخ... وتمثل جسر العبور بين الماضي والمستقبل... وهي أعجوبة طبيعية مدهشة... كم تستحق هذه المدينة أن يكتب عنها أشياء أخرى كثيرة؟. ولكن من المخزي أن نرى بأنها أصبحت عرضة للضمور والدفن تحت المياه... في يومنا الراهن نرى الغيوم الداكنة تجول حول حسن كيف التي شهدت عدد كبير من الحضارات الإنسانية العريقة...

حسن كيف، هي من أهم المدن التابعة لمزوبوتاميا العليا. وعند إلقاء النظر إلى البقايا والنثريات التاريخية نرى بأن ماضيها وتاريخها يمتد إلى حوالي عشرة ألاف سنة قبل الميلاد. كما أن احتوائها على عدد كبير من المغارات يدل على عراقة التاريخ في هذا المكان. وهناك دلائل وبَينِات كثيرة تشهد على أن الإنسان القديم قد آوى في هذه المغارات وأستعملها كملاجئ أساسية بالنسبة لهم. وبلا شك فقد مرت أحداث كثيرة على مدينة كهذه المدينة التي تتميز بالعراقة والقدم. لهذا فيقال بأن مدينة حسن كيف قد تعرضت لغزوٍ كبير في زمنٍ ما، ويتم تسليم مفاتيح المدينة من قبل ملك حسن كيف لأعدائه في سبيل أن لا تقع المدينة ولا تتعرض للفناء والزوال. طبقا كمدينة " كامالوت" الفرنسية والقدس الفلسطينية. لهذا فإذا تم فحص التاريخ بشكلٍ جيد سنرى أمثلة مشابه عدة. وسيتجلى بأن الشعوب قد طوروا آلاف الأنماط والأساليب المتنوعة لإحياء وإبقاء مدنهم في الوجود. ولكننا اليوم ندفن هذه الديار تحت المياه علماً بعلم.

كما خاضت الشعوب الإنسانية نضالات سامية ونبيلة في سبيل مدنهم وقراهم. وأعدوا أكثر المراثي والمحاسن المؤلمة أثناء تقوض وانهيار مدنهم.

كما من الممكن أن نستوعب من الكتب التاريخية والنثريات والبقايا التي اكتشفت في يومنا الراهن بأن حسن كيف قد تعرضت لهجمات كثيرة من الحضارات والشعوب المجاورة لها لكونها من المستوطنات البشرية الأولى، وبين زمنٍ وآخر حلت على المدينة ثمة تغيرات ثقافية مغايرة. وبنفس الوقت فقد كانت مدينة حسن كيف بمثابة ملاجئ وموانئ أمانة للشعوب الأخرى أيضاَ، والمغارات العائدة للمسيحين هي خير دليل على هذه الحقيقة.

حسن كيف... موطن الأسرار والألغاز. فهي المدينة التي تخفي في ترابها وبين أحجارها كماً كبير من ذكريات الإنسانية. حيث كانت من أكثر المدن المزدحمة والبراقة في شباب وبداية عصرها، ويقال بأنها تحتوي على أنفاقٍ باطنية طويلة تمتد إلى حوافي نهر الدجلة. واليوم نرى بأن الألاف من المغارات الطبيعية والمنحوتة بجهد اليد تستعمل الأن كمحلات وأماكن العمل أو بيوتاً للسكن فيها.

ومن يعلم مدى الصعوبات التي نحتت بها هذه المغارات؟ وعند وضع إمكانيات المراحل الماضية بعين الاعتبار، تتضح تلك الصعوبات والمتاعب التي عانتها سكان هذه المدينة أثناء تنحيت الصخور الصلبة لتعمير وتصميم هذه المدينة بأجمل الأشكال المعمارية. وهكذا نستطيع أن نستوعب مدى الصبر والتعب والجهد الذي بذل في سبيل تطوير هذه المدنية التاريخية.

منذ فترة طويلة أرغب بكتابة بعض الأشياء حول حسن كيف. رغم أنني لست محظوظة بقدر أن أرى هذه المدينة. ولكنها من أحدى المدن التي أتلهف لرؤيتها في يومٍ من الأيام. فيكف سأتمكن أن أتصور بأن حسن كيف؛ المدينة التاريخية التي بنيت على حوافي نهر الدجلة ستضمر تحت المياه، فدعك من التصور لا أستطيع حتى أن أفكر بأن تتحقق هذه التراجيدية ولو للحظة. لأنها تشكل ميراثاً عظيم بالنسبة للشعب الكردستاني والإنسانية أجمعها على حد السواء. وبأي ذهنية سيدفنون هذه الأماكن المقدسة التي نالت من شعوبها جهوداً حثيثة على مدى ألاف السنين لاستمرار الحياة والعيش فيها؟

وهل حقاً يستحق أن يقتل تاريخاً عريق وأصيل كهذا التاريخ في سبيل تلك المخازن والسدود التي لا تتجاوز أعمارها الخمسين والسبعين عاماً؟

أليس من الأهم أن تعيش مدينة حسن كيف حتى وإن كان بدلها إهداء ثروات وأموال العالم بأجمعه؟

فما ألذ ذوق التأمل إلى مياه نهر الدجلة من فوق الجسر الذي يمر من تحته مياه الدجلة. فإذا عُمر ذاك السد سوف يطر الألاف من سكان المدينة للهجرة من ديارهم. وسيتسبب هذا المشروع في خلق العديد من النتائج السلبية. وسيفتح السبيل أمام أضرارٍ لا تحص على الصعيد التاريخي والثقافي والاجتماعي والبيئي والاقتصادي وما شابه من ذلك. وتحقيق مشروع سد إلسو (ılı su) على أرض الواقع رغماً عن وجود السكان الذين يقطنون هذه المنطقة سيهدد و يعرض الأمن والسلام الذي يعم في المنطقة للخطر وستكون كخير مثال على اللا ديمقراطية التي تمارس بحق شعوب المنطقة. لأن الشعب الذي يفصل عن ترابه ووطنه هو كالسمك الذي يخرج من المياه، ولن يستطيع التنفس بسهولة وستتكدم  أمالهم نحو المستقبل بشكلٍ جدي.

وفي هذه السنوات الأخيرة أكد العلماء والمؤرخين مدى أهمية هذه الأماكن  التي ولدت منها نهري الدجلة والفرات بشكل أفضل. وفي هذه الحالة من الصعب أستوعاب كيفية ضمر ودفن هذا التاريخ تحت المياه ولا تزال البحوث والتنقيبات الأثرية في هذه المدينة ببدايتها. وهل يحق أن يُترك المستقبل يفقد ذاكرته ويتحول إلى عرضة للشكوك والقلق الدائم؟

وهل من الممكن أن يعيش الإنسان حاضره ومستقبله بدون أن يتعرف على ماضيه؟

فمازلنا نتذكر كالأمس كيف دفنوا زاوغما ( zeugma) تحت المياه، واليوم سيدفنون حسن كيف ومن يعلم بأنهم غداً سيدفنون أياً من الأماكن التاريخية. بما أنه لا يوجد أية مبررات أو حجج موضوعية لدفن وضمر الأماكن والأوطان التي سكنت فيها الإنسانية منذ ألاف السنين.

لأول مرة مرت الإنسانية بثورة الزراعة في هذه الأراضي، ونشأت أول قرى الحياة الحضرية على هذه التراب. حيث تم إنتاج عدداً كبير من الاختراعات والإيجادات  البدائية في ذاكرة الدجلة والفرات أو المنطقة التي تسمى بمزبوتامية. كما زرعت أول بذور القمح والشعير في هذه التربة. وهذا يعني بأنه قد تم تذوق طعم الخبز لأول مرة في هذه الأراضي. وتم تأهيل وتربية أول المواشي كـ( الغنم والماعز والبقر) والحيوانات الأهلية الأخرى على هذه التراب أكثر من أي مكانٍ أخر.

فالذين أنجزوا هذه التطورات لم يأتوا من الخارج ، بل حققت هذه النجاحات والانجازات على يد الشعب المحلي الذي يعيش منذ ألاف السنين على هذه الأراضي.

لهذا فيقال بأن حسن كيف  تمثل مهد تطور الحضارة الإنسانية وجنة من جنان العالم، ولكن مع ذلك نجد بأن الذين يوافقون على هذه الحقيقة يستطيعون أن يغمضوا أعينهم في مواجهة هذا المشروع الذي يهدف إلى إمحاء وزوال هذا المكان التاريخي. ولازلت أتذكر عندما كنت طفلة صغيرة كم شعرت بألمٍ شديد حين جاؤوا بالروافع والحفارات للبدء بفتح ثقبٍ كبير في جبال ديرسيم بهدف ضمر المدينة تحت المياه لتحقيق مشروع بناء السد فيها. فحتى تحريك أو تكسير جزء صغير من أحجار تلك الجبال كان يمدني بحزنٍ كبير. وفتح ذاك الثغر الأول لا يزال حياً في ذاكرتي لحد الآن. واليوم بنفس الشكل بالنسبة لحسن كيف ولا يهم أن يكون أي مكاناً أخر، لأنني حقاً لا أستطيع أن أتحمل رؤية دفن هذه الأماكن التاريخية تحت المياه بل أن قلبي يحترق على هذه التراجيدية الإنسانية. ففي هذه المرحلة التي توضح لنا بأننا بأمس الحاجة إلى تنوير التاريخ، نرى بأن الشعب يتعرض للانفصال عن جذوره وتاريخه وقيمه المعنوية.

لهذا أكرر مرة أخرى بأن حسين كيف بحاجة للكشف عنها وليس لدفنها تحت المياه. وفي هذه الجغرافية التي لم تنقص منها الغزوات والحروب في أي وقت، قد تم دفن وطمر عدد لا يحصى من المستوطنات المشابهة لحسن كيف تحت التراب. وبدلاً من حفر أكوام و تلل التراب المتراكمة على تلك المستوطنات والآثار التاريخية، وبدلاً من حماية هذه المدينة التي نجحت بالاحتفاظ على وجودها إلى يومنا الراهن رغم كل الصعوبات والمشقات التي تعرضت لها نرى بأنها تبقى مع هذه التقربات اللا مبالية وجهاً لوجه. وترك المناطق الكردستانية تحت مياه السدود والمخازن رويداً رويداً  يدل على معاني كثيرة. أهل يرغب إمحاء شعبٍ ما؟ وهل هناك من يرغبون في الكشف عن هذا التاريخ؟

منذ عام 1981  أعلن عن مدينة حسن كيف كساحة أستوطان رئيسية لكونها تملك أثار تاريخية غنية. ولكن ما كل هذا التردد واللأستقرار رغم كل هذا؟ فإن كان من المفروض أن ترتقي وتتقدم المنطقة بهذه المشاريع فلا توجد أية حاجة لارتقاءٍ كهذا.  حيث من الأفضل ترجيح أنماط بديلة عملية ورخيصة لإنتاج الطاقة وبشرط أن لا تضر بجغرافية الأماكن المستوطنة بدلاً من إنتاج الطاقة بواسطة السدود والمخازن التي تهدد وجود الشعب من كافة النواحي. فلماذا لا نحث على تحقيق هذه الأنماط البديلة في حسن كيف أو أي مكانٍ أخر؟

لهذا فأبتداءاً من أهالي حسن كيف وحتى كافة الفئات الموجودة في المجتمع أن ينفروا ويجاهدوا في سبيل إيقاف هذه المجزرة ووضع حدٍ لهذه التراجيديات التي تمارس بحق الشعوب والتاريخ. فإحياء حسن كيف وتراثها العظيم شيء لا بد منه وتحقيق هذا الشيء لن يكون مستحيلاً بل سيكون بأيدينا. أي أنني أؤمن بأنه من المؤكد بإمكان كل فرد من أفراد المجتمع القيام بشيء ما في هذا المضمار. ويكفي أن نتقرب ولو قليلاً ببعض من روح المسؤولية نحو هذه المسألة. ويجب أن لا ندع أو نسمح باختناق وضمر حسن كيف تحت مياه الدجلة التي عاشت بجنب حسن كيف كل هذه السنين. تعالوا، كي نعارض ونمنع بأن يستخدم الدجلة في سبيل تحقيق هذه الفعلة السيئة. ولنسمح باستمرار صحبة وصداقة الدجلة وحسن كيف التاريخية إلى الأبد... ولنمد يدنا لحسن كيف... قبل فوات الأوان... 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006