|
فخر الدين اسماعيل
تبدأ
الأيام في غزل الزمن،
والوجدان في غزل العواطف، والأفكار في غزل الحياة،
لتنبض الأفئدة بما تحمله من أوجاد، بأفراح تكتمل
زينتها، بآمال تهوى البسمة التي تنبلج على شفاه
تعشش الحرية بين ثناياها، ومن هذا الزمن وهذه
الأرض تسطع على أوراق ذبلت بعد اخضرار، وأشجار
يبست بعد دهر، سيمفونيات تراقص الماضي مع الحاضر،
لترجع لنا البذور من أغوار التاريخ، وننهض في كنف
الواقعية لنجد الأسى والأحزان، الكوميدية
والتراجيدية قد تحابا في واقع وحياة عطوفة أو
حقودة، ووجدناها كما في قصص الكاتب بولات جان. هذا
القاص الذي قضم من التراجيديات والأحزان والأفراح،
واستوح من سردها ما يمكن أن يكون دفعاً للهم
والغم، اللذان أثقلا كاهله بالنداءات الوجدانية،
فنجده بسببها يخرج في بعض قصصه عن قواعد القصة،
ليولج بنداءات قلبية، تندمج فيه ذاته مع شخصيات
قصصه
المستوحية من واقعه، و(آه يا صغيرتي) كانت صرخة في
السماء أم صرخة صوب الأعماق كي نسبر أغوار
الشخصيات التي دارت حولها القصص، أراد الكاتب
إظهارها لتجتمع شذراتها بين القصص ويشيع من القصص
خصائص وطباع تعوم في طياتها أفكاره وعواطفه. يتألم
ويتحول من راوي إلى المروي عليه كما في قصة
(دوغان): هناك نداء وجداني صارخ، وبالقراءة الأولى
يعرف القارئ ان (دوغان) قد مات وانه يرقد في مثواه
في الجملة التي تقول: "أيها الراقد تحت أديم أرضنا
البكماء" واستعماله لكلماتٍ تتجه اغلبها الى
الوجودية وآلام الذات والضمير. ففي هذه القصة وصفٌ
بشكل عام ولم يخرج من منطق الوصف والسرد الوصفي،
فهنا نجد أن الراوي يتألم على الفقيد ونستشف من
الجملة التالية تأنيباً لضمير الراوي: " ألف لعنة
على الأنانية القذرة لماذا رفضت طلبك الصغير ذاك،
لماذا؟" ويرجع الراوي ليلتحم مع صديقه ذاك في
قيامه بعمل زفاف له وبعدها يناديه و يدعوه للنهوض
وعدم الرحيل. فهذه القصة لم تدخل بتكنيكها ضمن
منهجية القصة بمعناها الكامل ولكن لها مقوماتها
التي أعتمد عليها الراوي وأعطانا صورة وجدانية
للصداقة.
وفي قصة (صرخة الماضي) أيضاً
نستمع الى آهات ونداءات من الماضي، فبغوص في مآسيه
لتتلاشى وتتحول إلى أفكار بسردها الراوي في آخر
القصة على رياء وزيف مجتمعه وأناسه ويظهر لنا
التناقض بين ماض بطله(غني) وحاضره المتدني. ففي
سرده بعد دفن المجنون أو الذي جن بكلمات من أفواه
معارفه: "الحمد لله الذي أزال عن كاهلنا حملا
ثقيل... نستطيع ان نشتري بنقود التعزية دواليب
جديدة لسيارتنا الحمراء... ثم ينزلقون في أفرشتهم
الدافئة".
القصة التي يجب أن ندخل
أعماقها ونتألم لها بكل ما فيها من صور للانتظار
وأمل بعد أمل وإصرار بعد إصرار هي قصة (آه يا
صغيرتي) في بدايتها وفي الأسطر الاولى نتعرف على
سيل يجري بلا مبالاة الى مجراه وهو متكبر ولا يهتم
بالعوائق وتجاوزه للسيل والبدء بالسؤال عنها: من
هي هذه التي يتلهف لرؤيتها ومن أجلها يقطع
المسافات والأزمان في دمج الحاضر بالماضي والماضي
بالحاضر وبوصفه للمتكبر وهو نهر الزاب والمكان
الذي سيبدأ فيه الرقص بين سرايا الكريلا والرقص
بمعناه الحقيقي والآخر بمعناه، الرقص مع النار
والحرب، والحرب تتحول الى دبكة وفي هذه الدبكة
تعوم الآلام في جسد نض وإثقال تتحملها (الصغيرة)
ويتحول تلهفه الى ضربات ألم وأمل وتضرع لخلاصها من
الأوجاع. وصفه وسرده الوجداني والأخلاقي لتلك
البرعمة يجعل من القارئ شاهدٌ على الفاجعة ومتضرعٌ
معه لخلاصها و شفائها من الورم الذي ينهش طرفها
الغض. فيترك الأفئدة تنبض بالدموع مع تضرعاته
الأدبية الروحية.
لا حاجة لي في الدخول إلى
تعريف كل قصة وإخراج مغزاها الأخلاقي وبإمكاننا
استخراج من كل قصة أفكار وآراء ومطالب يرغب فيها
بولات جان ان يحارب ما هو خيالي في قصصه ويتمسك
بالواقع والحقيقي والمعاش على مسرح الحياة. وما
استشعره القاص في حياته وتجاربه الذاتية في أكثر
الأوضاع الطارئة في حياة أي محارب ثوري.
هذه كانت لمحة قصيرة في كتابات
جان، ولم نتطرق الى كل ما يحمله من أفكار وآراء
وارتشفنا منها الناحية الوجدانية والوصفية وسيكون
لنا بعدها في تعريف خاص به وباقي كتاباته الأدبية.
فنتاجه ومدرسته الأدبية الصاعدة تستحق وبحق دراسة
متأنية وعميقة كي نتمكن من التعرف عن كثب على
الأدب الثوري الملتزم.
|