|
|
|
قوة الام
|
|
هاجر خليل
إسبلي خصلات شعركِ يا أمي وأُتركيها تتمايل مع
رياح الخريف. ألا ترين كيف أسقطت رياح الخريف
أوراق الشجر. كما تتساقط وتنهمر دموعكِ ودموعي
.عيشي الخريف لتحسي بمعنى إنبعاث الربيع من جديد.
فأنا أُحس بألام احزان قلبكِ العطوف وأنثرها فوق
وجه الماء الصافي . إعذريني أُماه عن البوح
بعواطفي التير ربما تثقل كاهل كل الامهات ، ولكن
قلمي يوجهني دون ارادة مني صوب تدفق زخم من
العواطف.في الحقيقة انه موضوع تتجمد الكلمات فيه
عند ملامستها الشفاه . ولكن السبب الذي يدفعني
للتعبير عن حياة الامهات عبر الأبناء هو! لأنني
رأيت آلام الأمهات تتمثل في الابناء .
عندما لم تكن الاخت نعام تتواجد أمام ناظري كنتُ
أتضايق الى درجة الاختناق ،لأنني كنتُ أروي ظمئي
من الشوق للام عبرها واستنشق عبير انفاس امي من
خلالها . الحزن البادي في عينا نعام يترك أثره
الكبير داخل اعماقي في كل مرة كنتُ ألتقي بها.
المرأة المُسماة بنعام أم لطفلتين ، وقد شهدت
حادثة قتل أبيها على يد الدولة الإيرانية أمام
ناظريها وهي مازالت في الخامسة من عُمرها. بعد
الحادثة وكما تجري العادة في معظم المجتمعات
الشرقية يقوم العم بوضع كل الأولاد والمال تحت
تصرفه . تبقى أم نعام مكتوفة الأيدي امام هذا
الواقع فقد فقدت كل شيئ وأعز ما لديها وفقدت فِلذة
كبدها ، اذ ا نام نعام حاولت دون جدوى الالتجاء
الى كل الجهات المختصة من محاكم وقضاء وشرعية ولكن
دون أية فائدة تُذكر ناسيتا مصيبها في فقدان زوجها
العزيز على قلبها فهي تبحث الان لحماية مستقبل
فلذات كبها ، لم يكن بمقدور أي جهة حكومية كانت أو
اجتماعية مساعدتها لتحتمي بها هي وابنائها ،للحول
دون ان يتم الفصل بين الروح والجسد كل ما تطلبه ان
تبقى من اولادها ؟.بقيت أم نعام عطشة كتلك الحقول
التي تنقطع عنها المياه. فبات الحزن رفيقاً لها لا
يبرحها. الحزن البادي في عينيها لم يكن بسبب قتل
زوجها فقط. بل لأنهم لم يشفى غليلهم فإستولوا على
صبر حياتها. وأنضبوا الحليب في جسدها. لم يبقى
للحياة أي معنى بين راحتي يديها.
ارادت الام المغلوبة على أمرها ان تعطي ابناؤها
حياة ذات معنى ، حياة مزركشة بألوان الطبيعة .
وكما لايمكن للطبيعة البقاء من دون ماء. كذلك لا
يمكن للطفل ان يحيا بعيدا عن حضن أمه ولا من دون
ان يستنشق عبق أمه. فالام تشعر بجمال وطيبة عرق
كدحها وشقاؤها عندما يستنشق عبقها أطفالها .
قبل ان تجف دموع الحزن على فراق الاب انفتح باب
حياة جديدة أمام نعام وأختها ، كانتا مرغمتين على
العبور منه ربما كأمل اخير . ولكن نعام إختنقت بين
اسئلة من قبيل من انا؟ وماذا أكون؟ زوجوا نعام
العزيزة على قلب أُمها وأُختها. زوجوا الطفلة
الصغيرة ولم يمضي سوى حولين لتصبح فيهما أُماً
لطفلتين .الحياة الجديد كانت تبعد مكانيا مسافة لا
تتجاوز الساعة ، ساعة تفصلها عن حياتها مع امها .
إلا ان هذه الساعة كانت السبب في عدم لقاء نعام
بأمها لمسافة زمنية تعادل عشر سنين . يحرم فيها ان
تلتقي بأمها أو اختها فإن إلتقت بهما حتى ولو
بالصدفة لكان قتلهما مُباحاً. لذا حمت الأم إبنتها
وفضلت عدم لقياها والابنة حمت أُمها ورجحت عدم
الإلتقاء بأمها .
في صباح يوم من الايام إستجمعت الابنة نعام كل
شجاعتها وقررت ان تلتقي بامها . ذاك لانها كانت قد
عرفت ماذا يعني الانقطاع عن الام فلم تكن ترغب ان
يذوقوا أبنائها العذاب ذاته ، فارادت ان تعلم
ابنتيها معاني قدسية صلة الرحم بين الابناء والام
. كانت هذه الام الصغيرة مدركة تماما بانه قد يكون
في ذهابها هذا ربما موتها بذاته ، إلا أنها عملت
على ان تتجاوز حسراتها وشوقها لأمها الراكد في
قلبها منذ عشرة أعوام . إنطلقت نعام صوب بيت أمها
ولكنها وقبل أن تصل الى اطراف البيت الذي يخفي عبق
امها بين جدرانه ،وقبل أن تملؤ بريق عيناها برؤية
امها ولو للحظة ، كان امرها قد انكشف فلحقوا بها
كسرعة البرق ، وهي على مقربة من تحقيق حلمها الذي
طال عشر سنين ، وانهالوا عليها ضرباً مُبرحاً أمام
أنظار طفلتييها ، فانسوها حلمها الجميل حيث انقلب
حلمها بلقاء الهتها الام الى لقاء بحراس جهنم .
لم تكن الام المسكينة على دراية بأي شيء ، إلا
أنها سمعت ضوضاء على مقربة منها ناتجة عن عملية
ضرب قاسي واليم يجعل كل المجتمعين والمتفرجين
يتأوهون من شدة الضرب . فما كان منها إلا أن توجهت
صوب مكان الحادثة ، وكان كلما اقترب اكثر من ذاك
المكان يتوضح لها المشهد فالذي يتعرض للضرب فتاة ،
فاقترب اكثر لتعشر وكأنها تعرف هذا الصوت ، نعم
انه صوت امرأة ولنها صغيرة يافعة ، ان الصراخ الذي
يصعد الى السماء ويملئ الفضاء والفراغ الكوني يشبه
صوت فرخ عصفور هائم للحاق بأمه ، ولما امعنت السمع
به علمت انه صوت ملاك انه صوت ملاك صغيرة ، نعم
انه صوت صغيرتها نعام ، عندها تجمد كل شيئ في هذا
الجسد الطاهر ، لا حركة ولا حس ولا سمع ولا بصر
،فقط كان مسموح لدموعها ان تنهمر بغزارة كإشارة
تدل على عدم مفارقتها للحياة بعد ،ان ابنتها تضرب
ضربا مميتا امام ناظريها ، وهي التي حمتها عشر
سنين وتحملت ثقل ومشقة عذاب الفراق والبعد عنها .
حاولت مستجمعتا كل قواها مساعدة ملاكها ولكن كل
قوتها لم تمكنها من فعل أي شيئ سوى النطق بكلمتين
"انهم يقتلوا ابنتي ، ماذنبها"؟ . لم يكن هناك من
يقول للأم المكسورة القلب بأن ذنبها كان شوقها
ابنتها للقاء أمها .
انتهى مشهد العذاب بقُص شعر الاثنتين الأم والإبنة.
الشعر الذي كانتا تُحباه كثيراً وتعتنيا به. كان
هو ما تبقى لدى المرأة الشرقية لتتذكر به هويتها
الجنسية المقدسة .لذا كانت الأم والإبنة قد
تعاهدتا على الاعتناء بشعريهما إلى يوم الابد .
ولكن بقيت تلك الرغبة مجرد رغبة لدى الاثنتين ،
لايمكن أن تتحقق في المجتمع جائر الحكم متمكن ، لا
يعترف بأية عواطف أو قيم نبيلة مقدسة فما بالكَ
بالامر ان تعلق ب المرأة . لقد وقعتا بين أيدي من
يظنون بأنهم واعيين للحياة بينما هم غارقين إلى
أخمص أقدامهم في الجهالة العمياء ، وما يزيد الطين
بلة الخداع الذي تمارسه أعراف الحماية الدينية
والاخلاق . وبمقولة الأم فإنها حُرمت من رؤية
إبنتها حتى وهي مشوهة من الضرب . بعد كل هذا الألم
والعذاب تزوجت الأم من دون أن تلتقي بإبنتاها. فقد
صدر الحُكم البشري بعدم إلتقائهما مادامتا حيتان
ترزقان على وجه الارض .
ومذ ذاك الحين ونعام دائمة الشرود تتخيل أمها التي
لا حول لها ولا قوة ، تمد يديها علها أن تلتقي
بيدا أمها. ولكن من دون جدوى ايضا. جفت الدموع من
عينيها، ولم يبقى منذ ذلك اليوم أي أمل يبشر بفجر
يوم جديد. عتمة الليالي السرمدية تحولت الى زنزانة
من دون نهاية لها. هكذا هي الأم التي كانت في يوم
من الأيام مُغدقة البشرية بحبها وعطاءاتها من دون
أن يرف لها جفن يدل على ندمها على مشاقها في خلقها
الحياة تلو الاخرى ، التي أحبت الحياة فأعطت
محيطها كل ما لديها من دون أن تُفرق بين الاجناس
أو الأديان .
|
|
|