|
|
|
فداء لأجل الرفاقية
|
|
بقلم أنصاري
بينما
كنت قادماً من تدريب القيادة، اصطحبت معي بعض
الرفاق من سيواس إلى ديرسم، لأتابع بعدها طريقي
إلى إيران. كانت بعض قوات الكيريللا الخاصة بولاية
ديرسم البالغ عددهم قرابة ثلاث مائة كيريللا،
متمركزين في مضيق علي خلال شتاء عام 1997.
بعد خروج بعض السريات؛ قبل ذوبان الثلوج، تمكن
العدو من تحديد منطقة تواجدهم. قامت قوات العدو
بمداهمة المنطقة، بتمشيط محكم وفجائي في الواحد
والعشرين من شهر آذار، على أساس الاستيلاء على كل
المضيق في نفس اليوم.
أخذوا مواقعهم على وجه السرعة في المراصد المحيطة
بنا بينما بقيت قواتنا متجمعة في منطقة الشلال
الضيقة بين قوات العدو وعندما رأينا جدية الوضع،
قال لي الرفيق عيسى، آمر الولاية:
ـ يا رفيق برور، يرغب العدو في إنهائنا هنا، خذ
مجموعة من الرفاق واضربوهم من الأمام، يجب أن نعيق
تقدمهم. أخذت معي مجموعة من الرفاق. تمكنا من ضرب
قوات الجيش ضربات موجعة من ثلاث أماكن، سقط منهم
القتلى والجرحى.
قدرت إدارة القوات المعادية؛ بأنهم لو هجموا علينا
ستكون خسائرهم كبيرة فأعطوا التعليمات لقواتهم
بالتراجع قليلاً، وبذلك تمكنا من كسب بعض الوقت.
بدأنا المناورة ليلاً في جو ممطر بعد أن فقدنا بعض
رفاقنا شهداء. اختصرنا الطريق بعبور مياه النهر
واتخذنا من نقطتين واقعتين بين قوات العدو مخابئ
لنا؛ كل نقطة فيها ما بين الأربعين أو الخمسين
فرد.
أمضينا أسبوع كامل في حصار العدو دون أن يكون معنا
أي شيء من التموين حيث ساءت أوضاعنا من الجوع
والبرد. قامت إحدى رفيقاتنا بجمع بعض جذور الأشجار
التي رغبت أن تعمل لنا حساءً حاراً ربما تعطي
أجسادنا الباردة بعض الشحنات الحرارية إلا أنه بعد
أن شربنا الحساء، ساءت حالتنا، حتى إن أغلب رفاقنا
لم يهضموها، فسقطوا مرضى.
رأينا رفاقنا يسقطون من الجوع ومن الظروف الجوية
القاسية. ذهبت مجموعة ممن كانوا يعرفون مخزناً
صغيراً فيه بعض الحمص في الطرف الأخر لمياه تاغر.
بحثوا عنه كثيراً في حلكة سواد الليل، لكنهم لم
يتمكنوا من العثور عليه.
أخبرني الرفيق عيسى وطلب مني الذهاب مع بعض الرفاق
للقيام بالمهمة، تداخلت برودة العواصف، والمطر،
والثلج... عبرنا النهر، خرجنا مبللين. سرنا وسط
الثلوج وبعد لحظات من السير، تجمدت علينا ألبستنا
التي أصبحت متجمدة ومثل قيود تثقل على أجسادنا
المنهكة، وتصعب علينا المشي.
بحثنا عن المخزن عبر الظلام، ولكن كل الأماكن
متشابهة تحت الغطاء الثلجي الذي وحد ما بين تضاريس
الطبيعة، حتى صارت لوحة بيضاء، لم نستطع التمييز
بينها، كدنا نفقد الأمل في العثور على حبات الحمص
التي عقدنا عليها آمالنا وكنا نمد أيدينا المتحولة
إلى شبه كتلة من الجماد ونتلمس الغطاء الثلجي،
نمررها هنا وهناك، نعود لنبحث في مكان أخر.
بعد مضي حوالي أربعين دقيقة من البحث تمكنا من
العثور على كنزنا الدفين، فتحنا المخزن فوجدنا
حبات الحمص مبللة. أخذنا منها بعض الحفنات وصرنا
نقضمها وملأنا حقائبنا منها وعدنا أدراجنا إلى حيث
ينتظرنا رفاقنا.
صارت حبات الحمص تلك معيناً لنا في تلافي الجوع
لبعض الأيام وكل رفيق يأخذ منها حفنة، يقضمها
واحدة واحدة على مهل، ربما يأخذ منها بعض الطاقة.
تشابهت أيامنا التالية في مراقبة العدو والتهيؤ
لأي ظرف طارئ، فليس هناك ما يمكن القيام به أكثر
من التخفي والانتظار في مثل تلك الظروف.
بقينا في الحصار الموسع المفروض علينا؛ إن خرجنا
من المضيق، فلا بد أن نقع في كمينهم، وليس أمامنا
حل سوى الخروج من بين الحصار مهما كلفنا الثمن.
كان هناك مرصد يقال له؛ بوزون، تتمركز فيه قوات
العدو الخاصة بالمراقبة، توصلنا إلى القرار في
العبور من بينهم. سرنا بين الثلوج، كنا حوالي
سبعين شخص، وبينما نتقدم في سيرنا منهكين من التعب
والجوع، وبقائنا دون ملح وجدنا أنفسنا قرب قرية
على طريق يقال له آكري.
كنت أسير في المقدمة عندما لفت بالي هدير ووشوشة
بعض الأصوات! عرفت إنها من جهة العدو، قلت للرفيق
عيسى:
ـ هناك كمين دبابات...
في تلك الأثناء كانت المجموعة الثانية منقطعة عنا،
رد الرفيق:
ـ تأكدوا من حقيقة الأمر...
تقدمت للأمام في حذر على ضوء القمر... بعد عدة
خطوات، ضعت بين نيرات الطلقات! أتحد دوي نيران
أسلحة كثيرة في أذني...
ضاعت الرفيقة شيلان التي كانت تسير خلفي بين النار
والدخان، تمكنت من التخلص من الكمين دون أن يصيبني
مكروه. حاولت الالتفاف من خلف القرية للحاق
بالرفاق، سمعت صوت الرفيقة شيلان تتأوه فعرفت إنها
مصابة، عدت إليها. كانت ما تزال تنادي:
ـ" هفال، هفال".
عندما وصلت إليها أطلقوا علينا النار ثانية، أصبت
بطلقات في يدي وبطني، طار سلاحي بعيداً ولم أعد
أسمع أصوات الرفاق، من استشهد، فقد استشهد،
والآخرين قاموا بمناورة...
رأيت بدران ملاطيا، يبتعد عنا في جهة القوات
المعادية ويرفع يداه استسلاماً، لم يعد في بالي
شيء سوى التفكير في كيفية إخبار الرفاق الذين
خلفناهم ورائنا في المكان الذي انطلقنا منه. إن لم
أخبرهم على عجل؛ لا بد أن يخبر هذا الخائن عنهم،
بقيت في حيرة من أمري، وأنا جريح لا أقوى على
الحركة، ولا أعرف أين ذهب بقية رفاقنا، أخذت
سلاحي، وعدت أدراجي من بين مجموعات قوات العدو
التي تقوم بالرصد، مشيت محملاً بجراحي وآلامي حتى
الصباح، وأنا أشجع نفسي، ألعن الخيانة، وأقول:
ـ سأخبر الرفاق بالخروج من ذلك المكان وليحدث ما
يحدث بعد ذلك. مهما كان الثمن يجب أن أخبرهم، لم
تعد قدماي تحملاني، سقطت في القمة.
في الصباح وجدت الكلاب البوليسية قادمة نحوي ومن
بعدها الجنود. كنت في حالة مرثية؛ يداي وقدماي
متورمة، والبرد يخذ في جسدي، وليس في استطاعتي
الضغط على الزناد وإطلاق النار وانقطعت أربطة
حقيبتي الظهرية. لم يعد أمامي خيار، فإما أن
يقبضوا علي حياً، وإما أن أرمي بنفسي في الوادي.
كان هناك جسر ثلجي، من يمشي على طرف قدمه بحذر،
ربما يستطيع السير عليه بصعوبة، وأنا لم يكن في
وسعي السير بطرف قدمي اليمنى الجريح، تتبع الجنود
أثار الدم النازف من جروحي على الثلج الأبيض،
وكأنها تشي بي أينما أذهب وصرت بين خيارين، لابد
أن يقبض العدو علي إن لم أتصرف بحنكة.
إن أنهيت حياتي، فذلك أمر محمود بالنسبة لي؛
سأتخلص من ذل الأسر والتعذيب، ولكن لا بد إن ذلك
الخائن سيدل العدو على مكان رفاقنا الآخرين، فهو
كان معنا عندما خلفناهم ورائنا عند الشلال، أقترب
الجنود مني، والطائرات المروحية تجوب السماء فوقنا
وهناك مستسلم يدعونا للاستسلام، ولا بد أن يشي
بمكان رفاقنا وحتى لو رغبت في الانتحار، فلم يكن
في إمكاني إطلاق النار بيدي المتجمدة.
حسمت الأمر، وضعت سلاحي في رقبتي بصعوبة بالغة،
رميت بنفسي في الوادي. حاول الجندرمة قتلي أطلقوا
النار علي، ولكني نجوت من حمم نيران أسلحتهم ووقعت
بين كومة ثلج مكومة فوق الجليد المتجمد على سطح
الماء.
بسقوطي من ارتفاع خمسين أو ستين متر، لفت قدمي
فتألمت كثيراً من وقوع جسدي على جهة السلاح. خلال
السقوط والارتطام، فقدت حذائي من قدماي
المتورمتان.
لم يبق أمام قوات العدو شيء يمكنهم فعله، فإن
أطلقوا المزيد من الطلقات علي، فلا بد أن يشعر بهم
بقية رفاقنا. لذلك فضلوا انتظار الوليمة الكبيرة
التي وعدهم الخائن بأخذهم إليها. سرت على ركبتاي
بمحاذاة المياه، فلم أعد قادراً على السير على
قدماي، وكلي أمل في أن أوصل الخبر، سأقول لهم:
ـ وقعنا في اشتباك، هناك خيانة، اخرجوا السرية من
هنا.
إن قلت للرفاق هذا الشيء، فذلك كاف، أكون قد أديت
واجبي وأرحت ضميري.
مشيت قرابة ثلاث ساعات على ركبي ويداي بين الثلج،
حتى وصلت إلى مقربة من الرفاق. أعطيتهم إشارة
صوتية، لم يكن لهم العلم بشيء. سمع الرفاق الصوت،
لكنهم يناقشون فيما بينهم، يتساءلون فيما إذا كان
هناك رعيان في المنطقة، وفي النهاية يقررون،
ويقولون:
ـ لننتظر ونرى.
كان الرفيق خبات ليجه خارج الكهف يجمع بعض الأعشاب
النابتة من تحت الثلج، سمع صوتي، جاء لملاقاتي،
وقد تعجب لحالي. أخبرت الرفيق، قلت له:
ـ هذا المكان يعرفه العدو. دخلنا الكمين. استشهد
بعض رفاقنا.
أخذني خبات إلى الكهف. قلت لهم بلهفة وعلى وجه
السرعة:
ـ يا رفاق غيروا مكانكم.
توجهنا إلى مكان آخر خلال الليل وفي اليوم التالي،
وصلت قوات العدو إلى الكهف.
ذهبنا إلى منطقة أخرى كانت ما تزال مغطاة بالثلج،
ولم يكن أمامنا خيار، فلا نستطيع السير أبعد من
ذلك، لأننا لا نستطيع أن نخفي أثار مشينا على
الثلج.
بقينا خمس أيام كاملة جالسين على الثلج دون حراك،
مقابل شبكة التجسس التي تعمل على الأشعة الليزرية.
أزداد الورم في قدماي ويداي، بعد بقائي حافياً على
الثلج ليلاً نهاراً دون حركة. رأيت زرقة احتراق
الثلج لقدماي وهي تسير من رؤوس الأصابع نحو
الأعلى.
في إحدى الليالي جاءت الرفيقة بنكي وقد أحضرت لي
جوزاً من الجوارب من عندها. أرادت أن تلبسه لقدماي،
بدا الجورب صغيراً أمام قدماي المتورمتان، ولم
تتمكن الرفيقة من فعل شيء. بعد تراجع قوات العدو
قليلاً، خرج الرفاق من المنطقة، عبروا مياه تاغر.
بقيت أنا ورفيقان آخران؛ لم يكن في مقدورهما
السير.
ما عاد في وسعي المشي معهم، لأنني فقدت الشعور في
قدماي، فهما قطعتان صلبتان وليس في وسعهم حملي
معهم، فالجوع والبرد لم يترك في الرفاق قوة، كانوا
سيذهبون وبعد أن يتمكنوا من الحصول على بعض
التموين والملح، ويستعيدوا بعض قوتهم، يرجعونا
لأخذنا.
تركوني مع الرفيقان تحت شجرة، تحولت الزرقة في
قدماي إلى سواد، وبدأت الأصابع بالاهتراء. كانت
الآلام تفوق قوة تحملي ولكن فماذا أستطيع أن أفعل
غير التجلد الصبر والتحمل؟
تفاقمت الآلام في قدماي مع مرور الأيام، بدءً من
الأصابع وإلى الأعلى، كسرت أصابع قدمي الميتة،
والتي كانت تتفتت بمجرد الضغط عليها، والبقية
الباقية منها كسرتها بالحجارة. كنت أضع قدمي
المتورمة والمسودة على حجر، وأضرب الموضع الذي أشك
في أن يتحول إلى كزاز، أتمسك بالشجرة أمامي أعضها
لا شعورياً.
رأيت فيما بعد بأنني قطعت قشرتها بأسناني من الوجع
الذي كان يسبب لي الإغماء في بعض الأحيان، جمعت
أصابعي المقطوعة في قطعة من النايلون، دفنتها بين
جذور الشجرة التي شاركتني وجعي، ومراسم دفني
لأصابعي الميتة، كان الرفيقان المتواجدان معي
يجمعان بعض الأعشاب النابتة في بداية الربيع،
نأكلها دون ملح.
مرت عشرة أيام، وأنا منشغل بقدماي، أما يداي فقد
تحسنت خلال هذه الفترة. كنا قريبين من نبع ماء
طوال الأيام التي قضيناها هناك، وكان يرتاد النبع
كل يوم غزال؛ يشرب منه. يتوقف قرب النبع، ينظر
إلينا، يطيل النظر كأنه يتساءل عن حالتنا، أو ربما
يشفق علينا. بمرور الأيام تحسنت يداي. وبعد مضي
عشرة أيام عاد الرفاق لأخذنا. تمكن الرفاق من
التوقف على عملية علاجي بمساعدة أحد الوطنيين الذي
كان يحضر لي الدواء وما أحتاج إليه إلى المخبأ
الذي عمله لي فوق بيته بين الصخور. أحضر ممرضة في
إحدى المرات حيث قامت بإجراء بعض الإسعافات
الممكنة. وفي المرات التالية كان يحضر لي العلاج
والطعام، وفي الأيام التي لم يكن يحضر فيها، فكنت
أعمل على تضميد جراحي بنفسي. بينما كان يحضر
رفيقنا الدكتور لزيارتي كل خمسة عشر يوم، يحضر لي
العلاج اللازم معه.
بقيت هناك شهران كاملان في حماية ورعاية ذلك
الوطني، تحسنت صحتي خلال تلك الفترة. بعدها تلقى
العدو الاستخبارات بوجود كيريللا جريح في المنطقة.
فكانت قواتهم تأت إلى مثلث ناحية درا، يفتشون
المنطقة، لكنهم يعودون خائبي، خرجت من المخبأ
بعدها، وعدت للالتحاق برفاق المنطقة ثانية.
|
|
|