زوزان علي
إن
التاريخ حافل بالملاحم والتراجيديا اللذان هما
دائماً عنصران ملازمان لبعضهما البعض في كافة
الأزمان ودائماً هما في تغير متزامن مع تطور
العصر، وذلك من أجل كافة القضايا التي تهم البشرية
جمعاء، ولكن توجد قضية أو تراجيدية يمكن القول
أنها بدأت مع عصر التراجيدية... عصر التسلط
والتربع الرجولي الذكوري على الحكم والتي تستمر
إلى هذا الحين ألا وهي تراجيدية الجنس (المرأة)،
هذه التراجيدية التي تحولت اليوم إلى قضية أساسية
وجدية في عصرنا الراهن، بدأت تهدد وجود هذا الجنس
جسدياً أيضاً، فالظاهرة الأكثر بروزاً للعيان
اليوم هي حادثة أوحوادث المجازر المرتكبة بحق
المرأة... نعم قتل المرأة.
حيث
يتم رؤية انتشار هذه الظاهرة بشكل واسع اليوم في
كافة المجتمعات دون سواء عن الغير، وتزداد وتقل
نسبتها حسب طبيعة المجتمع والأنظمة القائمة والأهم
من ذلك أن هذا القتل الذي يحدث، ليس جسدياً وإنما
لها أوجهها المعنوية والروحية والنفسية أيضاً،
وعند الترهل على هذه القضية لا يمكن تناولها بشكل
حقوقي وجنائي فقط، حينها يمكن أن يعتبرهذا اجحافاً
بحق المرأة تاريخياً ولا يمكن تقييم ذلك على أنه
قدر وأمر طبيعي مرتبط فقط بالمرحلة الراهنة،
ولكنها قضية لها جذورها التاريخية ومستمرة لغاية
اليوم فعند الوقوف على الاحصائيات لحوادث القتل
والانتحار اليوم في كافة البلاد، نلاحظ أن نسبة
كثيرة منها هي من نصيب النساء... السؤال الذي يفرض
ذاته هنا لماذا يتم ذلك!؟ ما هو السبب؟ فلا
يمكننا اتخاذ الموضوع على أنه أمر طبيعي وخاصة في
عصر مثل عصرنا الذي هو عصر المدنية والتكنولوجيا
والحضارة، ورغم ذلك نرى أبشع أنواع القتل البشري
للمرأة،لذا لفهم هذه القضية لابد من العودة إلى
التاريخ القديم والغوص في أعماقه وذلك لمعرفة
المسببات الحقيقية لها، سندرك بأن هذا القتل ليست
واقعة اليوم، انما تمتد منذ بداية العصر الذكوري
عندما فقدت المرأة مكانتها الأولى في المجتمعات
البدائية، منذ ذلك الحين كيف بدأت المجازر بحق
المرأة سواء كان معنوياً أو جسدياً.
ففي
العصر النيوليتي كانت المرأة ذات سيادة اجتماعية
وحقوقية وكانت مركز الحياة والحضارة، وكانت
الملهمة لاكتشاف الزراعة وتطور الحياة، ولكن بعد
معركة إينانا وأنكي وانتقال السلطة إلى المجتمع
الذكوري بدأت تراجيدية قتل المرأة، وعلى هذه
الصورة المأساوية التي يندي لها جبين البشرية
الأولى كل هذا يدخل في سياق الفعل التدميري
للمرأة ففي العهد الأشوري والبابلي، الاشوريون
الذين يعتبرون من أقدم الشعوب الدينية التي أجبرت
المرأة على الجمال حيث تؤكد على ذلك الألواح
الطينية التي ترجع إلى القرن الثاني ق.م. التي
تروي القوانين المفروضة ضد النساء والسافرات منهن
وضرورة الحجاب، وفي العهد الاغريقي كانت المرأة
مسلوبة الإرادة في كل شيء وبشكل خاص للمكانة
الاجتماعية والقانون فحرمت من الثقافة والقراءة
والكتابة، وفي القانون اليوناني الذي كان يودبجب
عليها أن تكون خادمة مطيعة لسيدها ورب أسرتها
وكانت نظرتهم للمرأة دونية ويرون لا تملك السوية
من الناحية العقلية ويعاملونها كالعبيد والرق،
وفيلسوفهم الكبير(أرسطو) قال: أن الطبيعة لم تزود
المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به، في المقابل منحت
المرأة بعض الحقوق المدنية في اسبارطة مثل الارث
وأهلية التعامل مع المجتمع الذي نعيش فيه.
أما
العهد الروماني: كان العصر المناسب للمرأة، ففي
تللك الحقبة اكتسبت بعض حقوقها في القانون بالرغم
من خضوعها لسلطة الأب إذا كانت عذراء وكانت المرأة
العبدة تحت وصاية ورعاية سيدها.
أما
بالنسبة للحضارة الصينية: ظلمت المرأة، فقد كان
للزوج الحق في سلب كل الحقوق الزوجية وبيعها
كجارية، وكانت الأرملة محرمة من الزواج بعد وفاة
زوجها.
أما
الحضارة الكردية: ففي كردستان أدخل زرادشت تغييراً
هاماً على نظرة المجتمع الكردي للمرأة، فتمتعت
المرأة ببعض الحقوق كاختيار الزوج، وحق الطلاق
وملك العقار وإدارة الشؤون المالية لزوجها. لكنها
ما لبثن أن فقدت هذه الحقوق بعد وفاة زرادشت. هذا
وإن برز في التاريخ الكردي نساء تمتعن
بالاستقلالية الكاملة في الحكمة وإدارة البلاد
مثل خنسة داوود باشا زوجة إبراهيم باشا المللي
وحازت رتبة الباشاوية من السلطان عبد الحميد،
وعادلة خاتون التي حكمت حلبجة وعشيرة الجاف في
كردستان العراق، إلا أن المجتمع الكردي ما يزال
يعيش في مرحلة المجتمع الذكوري.
أن
هذه الوقائع التي حاولنا التغلغل فيه إلى أعماق
التاريخ، قد اتخذ أثاره وخصائصه الحالية من واقع
وطبع الأديان السماوية التي أصبحت معتقدات أساسية
للبشرية، وهنا لابد من التوقف عليها والقيام بسرد
سريع لواقع ومكانة المرأة ضمن تلك الأديان.
ففي
اليهودية لم تنل المرأة ميزة أو حق... بل كان
يصفها بعض فلاسفة اليهود على أنها لعنة، وكان يحق
للأب أن يبيع ابنته وكانت إذا أنجبت فتاة تظل
نجسة80 يوماً و40 يوم إذا أنجبت ولداً. فحقوق
المرأة اليهودية مهضومة كلياً، وأن شهادة 100
امرأة يهوديه تعادل رجل يهودي، وليس لها حق الطلب
الطلاق، ومالها ملك للزوج. والمرأة في التلمود
(الكتاب الثاني بعد التوراة)، كما يقول: أن المرأة
من غير بني اسرائيل ليست إلا بهيمة، لذلك فالزنا
بها لا يعتبر جريمة لأنها تعتبر من نسل الحيوانات.
وينطلق منطق الفكر اليهودي بأن المرأة هي التي
جلبت المتاعب للجنس البشري.
أما
في الديانة المسيحية فقد تم منح المرأة بعض
الحقوق، بعد أن كانت مضطهدة حتى أوصى عيسى بإحسان
معاملة النساء وبالرغم من ذلك كان بولس يعتبر
النساء أقل منزلة من الرجال فهو القائل: "لتصمت
نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذون لهن في الكلام،
بل أمرن بأن يخضعن للطاعة، هكذا تأمر الشريعة، فان
أردن أن يتعلمن شيئاً ليسألن رجالهن في المنزل".
وفي
عصر الجاهلية الذي سبق الإسلام، كان تعدد الزوجات
يتم بفرض التفاخر والتباهي وكان شيوخ القبيلة
كانوا يتفاخرون بعدد زوجاتهم. وبالطبع انتشرت في
الجاهلية جريمة بشعة جداً بحق الإنسانية والمرأة
على وجه الخصوص (وأد البنات) وهن أحياء، وذلك بحجة
انها تجلب العار للأباء، وإلى جانب ذلك كان يتم
استعبادها واغتصابها مثل الحيوانات في بيوت
الدعارة والعامة. اي يمكننا الإستنتاج بأنه لم يكن
للمرأة أي مكانة أو حتى اعتبار، بل على العكس
كانت صورتها وإرادتها ممسوخة في الواقع من قبل
الرج ، وكانت مجرد جنس نسائي للمتعة تابع للرجل.
وإذا انتقلنا إلى مرحلة العصر الإسلامي، نلاحظ
حدوث تغيرات بوضع المرأة، فمثل ما تم حدوث تغيرات
اجتماعية وسياسية وثقافية هائلة في المجتمع، حيث
تم حدوث تغيرات وتطور في وضع المرأة، وهنا نجد أن
أول من آمن بالرسول بعد نزول الوحي عليه كانت
خديجة بنت خويلد. كما حمل القرأن آيات عديدة توحي
بحسن معاملة النساء. وقد استطاع الإسلام أن يعطي
لحواء بعض الحقوق التي حرمت منها في الحضارات
السابقة (أي منذ المرحلة العبودية)، مثل حق
المساواة في العبادات والتشريعات وحقوق التعليم
والعمل، والأهم هو تحريم وأد البنات الذي كان يتم
في عصر الجاهلية. لكن على الرغم من التطورات
الإيجابية التي حلت بوضع المرأة في الإسلام، لا
يمكننا الإدعاء بأنه تم تحرير هذا الجنس وخاصة
بشكل اجتماعي وسياسي، فالمزايا التي قدمت لها كانت
لدرجة معينة فقط، حيث بقيت راسخة تحت سيطرة الرجل
وكل حق نالته كان يتوجب أن يكون تحت مراقبة
ومبادرة الرجل والزوج والأب.
هذا
بالنسبة لفترة عهد الأديان وهنا يجب الوقوف بشكل
مفصل وأدق على المرحلة الرأسمالية، وكيف تناولت
تلك االقضية، حيث نرى أن هذه القضية هنا تعثرت
وتعقدت أكثر من ذي قبل، واضطهاد وقتل المرأة تحول
إلى أشكال أخرى وبأساليب عديدة، حيث أن النظام جعل
المرأة وسيلة لأهدافه الاقتصادية والسياسية، لذا
قام بتثبيت وتبيان المقاييس الأساسية للمرأة
وطبعاً حسب منفعته الاقتصادية، لذلك فإن الشكل
والجمال والموضة وثقافة المرأة تم تحديدها بناء
على هذا الشكل وجعلها الثقافة الأساسية للعصر،
وهذه المقاييس أصبحت أساسية وهي المرغوبة أكثر من
قبل المجتمع، والمرأة التي لا تكون وفقاً لتلك
المقاييس تكون وكأنها مجردة ومنبوذة وغير مقبولة
من قبل المجتمع والرجل أيضاً. هذا من جانب ومن
جانب أخر ازدادت أنواع العنف المرتكبة ضد المرأة،
فلهذا النظام له مؤسساته وأغلبها ليست حسب الأسس
الإنسانية، والتناقضات الموجودة بين تلك المؤسسات
عل درجة كبيرة، وكون المرأة الأداة الرئيسية
والأساسية فيها، وضحايا تلك المؤسسات وتناقضاتها
تكون المرأة بالمقدمة، وطبعاً ونتيجة لتعثر
وازدياد تعقد تلك القضية وبعد أن قمنا بسرد سريع
لأسباب تلك القضية، برزت كقضية أساسية على المحافل
الدولية وخاصة في القرن العشرين، وتم تناولها في
االتشريعات وفي الدساتير القانونية وتبين أن
المساواة بين الجنسين هي مساواة في الحقوق، إضافة
إلى أن التشريع المتقدم المنزه عن التمييز ضد
المرأة، يؤثر تأثيراً بالغاً عبر تنظيمه في انماء
الوعي وتغيير العقليات والسلوكيات وتنزيهها عن
التمييز ضد المرأة أيضاً. تموقعت المرأة في
التشريعات الدولية بعد ميثاق الامم المتحدة الذي
أعتمد في سان فرانسيسكو عام 1945 أول وثيقة دولية
تضع مساواة المرأة بالرجل. أما الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان نصت المادة الأولى فيه على المساواة
بين الجنسين وتوالت القرارات الدولية لتحسين أوضاع
المرأة والدفاع عن حقوقها وأصبحت قضية المرأة موضع
اهتمام الرأي العام العالمي. وبحلول عام 2000
اتجهت كثير من الحكومات أحداث تعديل في دساتيرها
لإلغاء العنف والتمييز ضد المرأة. ومنذ تلك
المرحلة ما من منظمة دولية أو أي تنظيم أو حزب أو
حركة أو مؤسسة إلا ويتم رؤية ادعائها وبضرورة
المساواة للمرأة وضمان حريتها. وخاصة بالنظر إلى
الأنظمة الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني نرى أن
الغاء التمييز والعنف ضد المرأة يعتبر من أولى
قضاياها. ولكن وإلى جانب كل ذلك وأن تم إحداث بعض
من التغييرات على وضع المرأة وتم خطي بعض من
الخطوات من أجل تحررها، لكننا نرى أن سلطة الأنظمة
الذكورية وعرف وعادات المجتمع التقليدية لازالت
تفرض سيطرتها على المرأة، أي تبقى القرارات
والشعارات المدونة في الأعلى حبراً على الورق، حيث
لا يتم تغيير اجتماعي قانوني جذري لصالح المرأة،
بل على العكس بحلول القرن الواحد والعشرين يتم
رؤية ازدياد تطبيق أنواع العنف بحق المرأة، ونرى
بأنه يتم ممارسته على نطاق العالم، والمرأة تتعرض
للعنف داخل وخارج الأسرة من قبل المجتمع أيضاً.
فالعنف المنزلي ظاهرة عالمية واليوم اعترف المجتمع
الدولي صراحة أن قضية المرأة قضية من قضايا حقوق
الإنسان. وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي
فان ما لا يقل عن 20% من النساء في مختلف أنحاء
العالم تعرضن للإساءة الجسدية وتقول التقارير
الرسمية في أمريكا أن كل 15 ثانية تمر تشهد تعرض
إمرأة للضرب المبرح وأن 700 ألف امرأة تتعرض
للاغتصاب كل عام و30 % من النساء الأمريكيات
تتعرضن للعنف وتشكل النساء نسبة 95 % من ضحايا
العنف في فرنسا و51% من ضحايا عنف الزوج، في الهند
40 % من النساء المتزوجات يتعرضن للضرب والعنف من
قبل أزواجهن ولنفس الأمر 35 % في مصر ولبنان
أيضاً.
وأيضاً يتم ازدياد تطبيق العنف المعنوي النفسي
الذي تعاني منه المرأة داخل الأسرة الذي يرتكبه
بحقها رجال العائلة ومن ضمنها الاهانات والاهمال
والاحتقار وعدم الحرية في التحرك وهذا العنف منتشر
بسبب القيم الثقافية التقليدية التي تكرس تنشئة
المرأة اجتماعياً وجعلها منذ طفولتها المبكرة
خاضعة لسيطرة الأعراف الثقافية لسلوك الذكور
المقبول فللرجل حق السيطرة على المرأة.
من
خلال هذا السرد الذي توقفنا عليه بعض من الشيء تين
لنا كيف أن المرأة منذ البداية وخاصة على هذه
الجغرافية ( منطقة الهلال الخصيب ـ مزبوتوميا ) لم
تكن هكذا، أي أنها هي التي خلقت الحضارة
النيوليتية وبعد ذلك بدأت عملية القتل والعنف
والتعذيب للمرأة وهذا لغاية مرحلة اليوم وهذا ما
أدى إلى استفحال هذة المعضلة، ورغم الإعتراف
الدولي بحقوق المرأة ووضع دساتير لذلك أن هذا
أيضاً لم يقدم أية حلول تذكر، حيث أن الأنظمة
القائمة تقوم بتسيير قوانينها ودساتيرها وأعرافها
الخاصة بها وذلك من أجل مصالحها، وطبعا أن هذا
يؤدي إلى وقوع المرأة في حالة من اليأس وفقدان
االثقة بالذات وبالمحيط وهذا ما يدفعها برهة إما
إلى الإستسلام لهذا الواقع وإما أن تقوم
بالانتحار، لذا ومن دون شك أن للسياسة القائمة
النصيب والسبب الأكبر في ذلك حيث السياسات
الامبريالية القائمة عندما تقوم هي بتبيان مقاييس
الجمال للمرأة وكيفية مقاييس الجسد الذي يجب أن
يكون، هذا ما يدفع بقسم كبير من النساء للانجرار
وراء تلك المقاييس ويكرسن ثقل حياتهن من أجل ذلك،
ويوجد نسبة عظمى منهن عندما تفقد هذه المقاييس
بذاتها، أو لا تتوفر لديها يصل بها المطاف في
النهاية إلى الانتحار. وما حوادث الانتحارالنسائية
اليومية تعزى إلى ذلك وأيضاً يوجد قسم من حوادث
الانتحار ترجع أسبابها أمام أنواع العنف التي تطبق
عليها ونتيجة ضغط المجتمع والعائلة وفرض ثقاقته
وعاداته التقليدية الرجعية عليها، هذا ما يدفعها
إلى الأزمة وعدم قبول هذا الوضع ولكن لنتيجة عدم
وجود المخرج والحلول تقوم بالانتحار.
فما
حوادث الانتحار التي تحدث اليوم في العالم أجمع
وخاصة التي تحدث في الشرق الأوسط إلا نتيجة للتسلط
الذكوري الذي لازال يسير ويستمر تحت حماية
القوانين والدساتير والشرائع له، مثالاً على ذلك
عندما يقوم الرجل بقتل المراة تحت إسم الزنا
ومسائل الشرف نرى وبشكل قانوي يتم تبرئته بعد
سجنه لمدة أحياناً لا تصل إلى 6 أشهر حتى، مثال
على ذلك ان الدولة التركية رغم ادعائها بالتطور
الاجتماعي والديمقراطي وحدوث التغيير في دساتيرها
من أجل إلغاء التمييز بين الجنسين مثل ما فعلت في
عام 1999 حيث سحبت جميع التحفظات الموضوعة على
اتفافية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
للتعبير عن الإرادة السياسية للحكومة، وقامت
بتعديل المادة 10 من الدستور في أيار 2004، إلا أن
الواقع الحقيقي والسياسات القائمة والديمقراطية
المزيفة التي تنادي بها التي هي متلبسة بكل أشكال
التسلط الذكوري الأوليغاريشي واقتباسها الثقافة
الامبريالية في ثقافتها وفنها واعلامها وتسيير
السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفقاً لذلك، هذا
ما يدفع قسم كبير من النساء هناك إما اللجوء إلى
الدين الاسلامي كردة فعل من أجل عدم الانحلال
الاجتماعي والأخلاقي والارتباط بالدين بشكل
دوغمائي ومتعصب ومنغلق، وإما أن يتم الامتثال
والانجرار وراء السياسات القائمة وقسم كبير نتيجة
لذلك يقومون بالانتحار، وما الانتحار الذي يحدث في
منطقة باطمان إلا دليل لذلك، فحسب الاحصائيات
المعتمد عليها للإنتحار هناك بأنه سنوياً يتم
انتحار المئات من النساء، أن هذا الواقع مزري
ويحيط خطر جد بالمرأة هناك، وذلك يعود إلى أنه
يوجد ثقافات عديدة يتم تسييرها في باطمان وهي ليست
صاحبة ثقافة محلية لأن طبيعة المجتمع هناك بأغلبها
نازحة من الأماكن المجاورة لطلب العمل، ونتيجة
لوقوع المرأة بين السياسة والثقافة الخارجية
المفروضة عليها وهي التي حسب مقاييس المطامح
الرأسمالية وبين الثقافة الرجعية المحافظة للعائلة
والرجل أمام السياسة المفروضة، وبالتالي يؤدي
إلى ضياع المرأة بين الثقافتين المضادتين لبعضهما
البعض وفي النتيجة يؤدي بها المطاف إلى الإنتحار.
والآن لنتناول الدولة الايرانية التي تدعي الإسلام
والدين ولنتيجة وجود الضغط والانغلاق الكبير في
نظامها وخاصة الحجر والقوانين الرجعية المفروضة
على المرأة هناك، نرى أن حوادث الانتحار هناك هي
ايضا تبلغ المئات سنوياً، ومع العلم أن المرأة
الإيرانية صاحبة تاريخ عريق هناك وكلنا نعلم بأن
نجاح الثورة الإيرانية عام 1997 كان يعود بالسبب
الأكبر وبالدرجة الأولى إلى الدورالطليعي الذي
لعبته المرأة فيها. ولكن اليوم ومع الأسف كيف يتم
هناك حوادث الإعدام والذي هو منافي حتى للقوانين
والشريعة الاسلامية ويوجد عدد كبير من النساء في
السجون ويتم تعذيبهن بشكل وحشي بحجة الانتماءات
السياسية المضادة للجمهورية الإيرانية.
وإذا أردنا الوقوف على الأمثلة الموجودة للانتحار،
فهي كثيرة ولا نهاية لها. لذلك فالجدير بالذكر بأن
هذه القضية أصبحت قضية حتمية وحياتية وقانونية
واجتماعية وسياسية وديمقراطية، يتطلب وضع الحلول
لها، ويجب تناولها أثناء المعالجة ووضع الحلول
بشكل أيدولوجي ويجب محاربة الايديولوجيات المضادة
والمتخلفة والتي هي ضد حرية المرأة، وهناك عن
طريق الديمقراطية وأساليب النضال الديمقراطي في
خلق مجتمع ديمقراطي حر متطور، وهنا أن تقوم المرأة
بذاتها للامتثال لهذه الإيديولوجية أي عبر
مشاركتها في النضالات والصراعات الديمقراطية وأن
تعي الحلول الصحيحة لذلك وأن لا تنجر وراء
السياسات ومقاييس التحرر المفروضة من قبل الانظمة
الرجولية الطامحة لأغراض اقتصادية، وأن تعي بأن
مقاييس الجمال الحقيقية للمرأة تكون عبر وعيها
ونضالها ومحاربتها لتلك المفاهيم والايديولوجيات
المتخلفة.
مثلاً يقول المفكر عبدالله أوجلان في تحليلاته
لمقاييس حرية المرأة: "أن التي تحارب تصبح جميلة،
والتي تصبح جميلة يتم محبتها، والتي يتم محبتها
تصبح حرة".
وعوضا عن القيام بالانتحار وقتل الذات يجب القيام
بقتل تلك المفاهيم والسياسات الرجعية المفروضة
عليها..
فالحركات النسائية والفامينية العالمية التي هي
منذ القرن العشرين ولغاية الآن، ما هي إلا دليل
ساطع على رغبة المرأة من أجل التخلص من هذا الواقع
المزري والوصول لحريتها، وهذا طبعاً بغض النظر عن
مدى صحة وتعمق أساليب نضالهن وإيديولوجيتهن. ومثال
على ذلك أن اتخاذ المرأة الكردية مكانها بعدد هائل
في الحركة التحررية الكردستانية وامتشاقها السلاح
وصعودها إلى الجبال ما هو إلا دليل على معرفتها
ووعيها للأساليب الصحيحة والسليمة لمقاييس الحرية
والجمال الحقيقي من أجل التخلص من عبوديتها
واستغلالها لصالح الغير والأنظمة لقائمة.
وبشكل عام على الرجل أيضاً أن يكون صاحب موقف في
هذة القضية، وإذا كان فعلاً يؤمن بالقانون وحق
الحياة والمساواة والديقراطية، عليه محاربة كل
أفكارالتمييز والعنف الموجهة ضد المرأة وأن يكرس
ويعمق من عملية النضال في سبيل خلق مجتمع
ديمقراطي. حيث إن لم يتم الوصول إلى الديمقراطية
لا يمكن ومن المستحيل أن يتم الوصول لحل هذه
القضية.