|
زلال جيكر
عندما نقارن ما بين نظام الدولة والنظام
الديمقراطي نرى بشكل جلي أن مستوى النظام
الديمقراطي هو أقل بكثير من مستوى نظام الدولة
الذي يعني نظام السلطة الهرمي. لأننا نرى في
المرحلة الراهنة بأن كافة ذمام الأمور هي بيد
الفئة التي تمثل هذه الذهنية المتحكمة، التي تمارس
الظلم والقمع على الشعوب المناضلة لأجل حريتها
وخاصة الشعب الكردي إذ نرى بأن كافة القوانين
والدساتير تعمل في خدمة مصالح الدولة، وكما نرى
بأن جميع القوانين والدساتير هي في خدمة مصالح
الدولة وأن كل هذه الأسباب تؤدي إلى الانقسامات
الطبقية والاجتماعية التي تعدم فيها المساواة
والحريات.
وبالتالي إذا ألقينا نظرة على النظام السوري
سيبرهن لنا ماهية الدولة وكيف شكلت أو على أي أساس
كبرت أو حتى ما هي الحقوق التي يتحلى بها ذاك
المجتمع، وعلى هذا الأساس سوف نعطي لمحة تاريخية
على كافة الظواهر والأحداث التي ظهرت ضمن تلك
النظام.
أننا نعرف بأن جغرافية سوريا تقع في بلاد الشام
والقسم الآخر في ميزوبوتاميا، هذه القطعة
الجغرافية الغنية بالثروات الباطنية والزراعية،
لكن تم مواجهتها واحتلالها من قبل الدول المتسلطة
والأمبراطوريات التي ظهرت في التاريخ، وهناك
الكثير من الأقليات والقوميات والأثنيات مثل
(الأكراد، العرب، الأرمن والأشور ).
هذه الأقليات الذين واجهوا وجهاً لوجه لكافة
الهجمات والغزوات الأجنبية التي مورست بحقهم،
وجابهوا وتصدوا لغزوات الأمبراطورية العثمانية
وحاربوا ضد الفرنسيين في سبيل استقلالهم.
ومع مرور الزمن وبعد تاريخ مليء بالغزوات والهجمات
التي عاشتها تلك الشعوب، حيث تم استقلال سوريا في
عام 1946 من الانتداب الفرنسي وتم إدارتها من قبل
رؤساء سوريين، ونستطيع القول بان تلك الفترة كانت
محفوفة بالإنقلابات التي اندلعت ولم تنتهي حتى
أعوام الستينات، ومن ثم دخلت بعض الوجوه الجديدة
لهذه الساحة كالرئيس المصري جمال عبد الناصر والتي
هدف أستهدف القيام بالوحدة بين الدول العربية،
لذلك أسس حكومة تابعة لحكومة مصر، هذه الحكومة
التي كان عليها القيام بواجباتها الملقاة على
عاتقها تجاه الشعب تحولت على العكس تماماً ككابوس
حل على أنفاس الشعب.
ومع شديد الأسف بات الشعب الكردي ضحية كل سلطاتهم
وسياسياتهم القذرة الممارسة بحق الشعوب. ومن ثم
ظهر إلى الساحة الحزب البعث السوري الذي نظم نفسه
على أسس ومفهوم المشاعر القومية العربية البحتة
وجابهت المفهوم الاقطاعية وبالتالي انفصلت العلاقة
فيما بينها وبين الحكومة المصرية.
ولم تنتهي أوتار الحرب في هذا النظام أيضاً، بل
ازدادت الهجمات والمصارعات السلطوية بين الأحزاب
في سبيل تصعيد قوتهم وتقوية سلطتهم مثل الاخوان
المسلمين، والناصريين، وحزب البعث السوري، هذه
الصراعات التي لم تجلب معها غير القتل والدمار،
هذا التاريخ الذي يكرر نفسه حتى يومنا الراهن حيث
نشاهد بأن الجماهير التي تتمثل في الطبقات
السفلى(الفقيرة) حسب مفهوم المنطق الدولتي، هي
الطبقات التي تبقى ضحية لتلك السياسات التعسفية
ويبقى المتسلطون هم الذين يتربعون على مستنقع
الدماء المسكينة، ومن بعدها بدأت سياسة التعريب من
خلال (المشروع الحزام العربي).
وفي تلك المرحلة بدأت حملات الانتفاضات بشكل موسع،
حيث قامت في القسم الجنوبي انتفاضة محمود
البرزنجي، وتأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني من
قبل المرحوم ملا مصطفى البرازاني، وتم تأسيس
جمهورية مهاباد في قسم شرق كردستان، والانتفاضة
الشعبية التي ترأسها المرحوم قاسملوا.
هذه الانتفاضات التي كانت ذات تأثير كبير على
الشعب الكردي في سوريا، لأن أغلبية الشعب الكردي
المتواجد في سوريا كانوا قد هربوا أو طردوا من قبل
العثمانين، الذين حرموا الشعب الكردي من أبسط
الحقوق الحياتية وقاموا بممارسة شتى أنواع العنف
اللإنساني بحق شعبنا، وعلى الرغم من كل هذه
السياسات والحروف التعسفية والهمجية التي مورست
بحق شعبنا لم تتأثر وحدة شعبنا على كافة الأصعد بل
صعدت من ارتباطهم وتعاطفهم في الأجزاء الأربع
لكردستان.
كافة هذه التطورات الحاصلة في جميع أجزاء كردستان
أثرت بشكل كبير على المنطقة بأجمعها. والتي تطورت
خلالها الروح الوطنية للشعب الكردي هذه الروح
الوطنية التي عكست بالتالي على كيفية التعايش
الأخوى مع الأقليات المتواجدة في المنطقة وتعايشوا
معهم بسلامة وأمان، لأن الشعب الكردي ضحى بالألاف
من أبنائه في سبيل حريته واستقلاليته.
وعلى الرغم عن ذلك لم يتوقف الطغاة والحاكم
القوميين المتعصبين بتمهيد المكائد بحق الشعب
الكردي، هذا المثال البارز في مقولة (محمد طيب
الهلال) لأحد قواده برتبة عقيد في الجزيرة
(المنطقة الكردية في سوريا)، على أن الشعب الكردي
يشكل خطراً كبيراً على القومية العربية لذا يتطلب
اتخاذ التدابير اللازمة.
وهكذا تم تناسي كافة التضحيات المبذولة من قبل
الشعب الكردي في أعوام الستينات وناهيك عن ذلك تم
انكار الثقافة واللغة الكردية من خلال تطبيق مشروع
الحزام العربي لأجل انصهار الشعب في بوتقة عربية
بحتة، وقامت بتسيير سياسية الدمار والقتل وسياسة
الجوع والفقر وبالتالي بناء المخافر على الحدود
لقطع علاقات الكرد واتصالاتهم مع اخوانهم في
الأجزاء الأخرى.
هذه السياسة التي ظهرت بشكل جلي في الاحصائيات
التي تمت في محافظة الحسكة والتي أستمرت ليوم واحد
فقط، هذه الاحصائية التي هدف منها الشعب الكردي
أخذ مكانة مواطن كردي عربي سوري، لكن باءت هذه
المحاولات هباءاً حيث عمدت الحكومة السورية على
اعتبار هؤلاء أجانب محرومين من الهوية والاسم،
وبالتالي لقبوا بالأجانب وعوملوا خارج نطاق
الأخلاق الإنسانية وتركوا ضحايا للسفالة والمجاعة.
وعلاوة على ذلك تم تعريب منطقة الجزيرة بذريعة
الاصلاح الزراعي، أي بأخذ الأراضي من الأغاوات
الكرد وتوزيعها للفقراء أي العرب القادمين للمنطقة
بهدف تعريب المنطقة، حيث ظهر بجلاء بأن هذه
الأراضي قد وزعت على العرب القادمين من الرقة
والمناطق الأخرى لا على الفقراء، حيث فضحت الحقيقة
بأن الشعب الكردي بقى محروماً من هذه الأراضي، هذه
الأراضي التي اخذت من الكرد ليتملكها العرب لا
الكرد ولا الفقراء...
وما أكثر الأمثلة على سياسة التعريب هذه التي ظهرت
بوجه آخر في بلدة عاموا التي حرقت دار السينما
فيها بكل من فيها من حضور الذين كانوا يبلغون
بالمئات من الأطفال والنساء والشباب، هذه السياسة
التي استهدفت على تعريب الثقافة واللغة الكردية،
وبالتالي استهدفوا من هذه الجريمة حرق التراث وكل
ما هو كردي من خلال سياسة التعريب هذه.
أما بعد تولي الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد
بتاريخ 16 تشرين الثاني، كان الشعب الكردي أملاً
بكسب بعض حقوقهم المحرومين منها، لكنهم مرة أخرى
عاشوا خيبة أمل كبيرة، لأن هذه السياسة استمرت لكن
باسلوب وطراز مرن ومغاير وماكر، وبدت كمكمل
للسياسات السلطوية الحاكمة.
حيث تم تسيير سياسة متوازنة بتأجيل القضايا بحجة
مواجهة الخطر الاسرئيلي، بقولهم أننا نمثل قلعة
الصمود والتصدي، وبذلك أصبحت دولة استخباراتية
وأمنية عسكرية وتم الإعلان عن حالة الطوارىء التي
تمثلت باعتقال كل من يخالف رأي الدولة أو يعارضها،
أو يكون صاحب نظرة حرة. لأن الدولة هي الوحيدة
التي يجب أن تقرر وتكون صاحب نظرة حرة فيما تريد
قولها وتطبيقها، وأصبحت تمثل مجتمعاً فكرياً
وفقيراً من الناحية المادية والفكرية ومفتقراً
للحرية وحق إدلاء الرأي، ولازالت هذه الحالة
مستمرة إلى يومنا الراهن، حيث يمكننا تدريب
الشبيبة اليافعة في المدارس على روح القومية
العسكرية.
كذلك ليس للمواطن حق التوظيف داخل الدوائر
الحكومية الرسمية إن لم يكن يملك الهوية البعثية،
وأن كان وظف لاستحواذه على هذه الهوية فأن كل شيء
يباح لهذه الفئات الحزبية البعثية وتحظر الأحزاب
الأخرى من الحق النضالي. فكل النقابات والمؤسسات
تخدم مصالح الدولة، ومن جانب آخر يتم فرض العقوبات
والظلم بحق الذين لا يخدمون مصالح الدولة بذريعة
الحرية الاشتراكية (المزيفة).
وبالتالي سندرك بأن الشعب الكردي المحروم من كافة
حقوقة السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الهوية
هو الضحية الأولى لهذه السياسات والوضع الراهن
واضح للعيان. وعلى الرغم من تضحية الأجداد الكرد
والأحفاد في سبيل التعايش الأخوى، هذا الشعب
المتميز بسماحة القلب رغم بشاعة هذه السياسات،
يناضل اليوم في سبيل بناء الديمقراطية بدل من
المجتمع الدولتي المتعصب والقومي الرجعي.
ويمكننا ملاحظة بأن العرب الشوفينين ذعروا في هذه
السنوات الأخيرة بعد مداخلة أمريكا للعراق واسقاط
حكم صدام حسين وبالتالي باتوا يخافون من توسع كردي
قد يجتاح الكرد السورينين أيضاً، والذي قد يؤثر
سلباً على مصالح العرب الشوفينين، وبرزت ردة فعلهم
في أحداث القامشلي ۳ آذار ۲۰۰۳، والتي برزت في
إثارة روح الفتنة من قبل العرب الدير الزوريين
الذين قد تلقوا تعليمات وتوجهات استخبارتية من
محافظة الحسكة التي قامت بدعمهم بالمخططات
والمساعدات العسكرية، هذه الوقائع التي تمت أثناء
المباراة التي تمت بين فريق الجهاد والفتوة
الرياضية والتي تمت في تلك الساحة على إثارة
الجانب الكردي والتلاعب بالكبرياء الكردي، والتي
أنفذت من الصبر الكردي والذين هلموا بالدفاع عن
كرامتهم بعد سقوط الشهداء والمدافعة في مدينة
القامشلي وانتشرت هذه المقاومة لتعم كافة المناطق
الكردية وسورية كرد فعل شعبي جراء للممارسات
الوحشية التي توسعت وأستمرت على شكل انتفاضة شعبية
شملت كل من كوباني وديريك وحسكة وعامودا ورأس
العين وعفرين وحلب والشام.
هذه الوقائع التي راحت ضحيتها العشرات من أبناء
العشب الكردي واعتقال المئات منهم وزجهم في السجون
والذي لازال أغلبيتهم رهن الحكم العرفي، وعلاوة
على ذلك لم تدخل الحكومة السورية لحل هذه القضية
بل على العكس من ذلك قامت باعلان حالة طورائ بل
عمدت على تمهيد سبل الفاشيين والرجعيين، فتدخل
الحزب الكردي (حزب الاتحاد الديمقراطي) لايقاف هذه
المهزلة التي لم تعد بالنفع إلا على الفئات
الفاشية الرجعية، حيث تدخل الحزب من مضمار حل
القضية بمفهوم ديمقراطي، وبالتالي توقفت هذه
المجزرة لكن مع شديد الأسف مازالت صيرورة الخطر
يحدق على الشعوب المتواجدة في سوريا وبالأخص الشعب
السوري لأن الدولة لم تبدي أية نية لحل هذه القضية
بالسبل الديمقراطية الحضارية المعاصرة.
لذلك ونحن كجانب كردي يمكننا التصريح بأننا شعب قد
استقى من أسس الفكر الأوجلاني على مدى عشرين سنة
وأكثر وبالتالي نطرح البراديغمة التي قام القائد
بطرحها كسبيل لحل القضية الكردية في سوريا والتي
تتمثل في بناء المجتمع الديمقراطي الأيكولوجي
والحر كبديل للدولة القومية الرجعية من خلال بناء
الكونفدرالية وتنوير المجتمع العربي على أساس
مفهوم الصداقة والمساواة والأخوة واحترام جميع
الثقافات واللغات في نظام شامل يمنح كافة الحقوق
الإنسانية لكافة الشرائح والقوميات والأقليات
والأديان. |