نظام الشعب الكونفدرالية الديمقراطية

روزا اليوسف

هناك حقيقة متفق عليها الجميع، وهي إن العالم يعيش أزمة وفوضوية فظيعة نتيجة السياسات الموجودة، وذلك إن كانت السياسات المسيرة من قبل الرأسمالية التي تأخذ الليبرالية الجديدة كمخرج لها وتقوم بتطوير العولمة، أو من قبل الحركات التي تسمي نفسها باليسارية، والتي اتخذت من الاستيلاء على كل صلاحيات الدولة وبعدها القيام بالتغيير المطلوب في المجتمع كمفهوم أساسي في نضالها، ولأن الاستراتيجيات كانت خاطئة بالرغم من انتصارها لم تحقق للشعوب ما أدعت به من الحرية والمساواة والعدالة، لأن جميعها تعتمد على التحكم ومفهوم الدولة والذي يوجد في خميرته الطبقية واللامساواة.

إن مؤسسة الدولة التي ظهرت منذ ألاف السنين والتي غيرت من نماذجها على مر التاريخ، باتت في مرحلة يتجاوزها العصر وأصبحت بلاء على البشرية ويعتبر تصغيرها واضمحلالها مع الزمن من المهام الأساسية  للحركات المناهضة الثورية، وإلا فإن العمل في إطار الدولة والتمحور حولها لن تكسب إلا هزيمة أخرى، وهذا يعني إن هناك حاجة ماسة لتغيير السياسات الموجودة على الساحة السياسية وتحقيق التطور في الذهنية والنظرة الدوغمائية للمسائل، هذا بالإضافة إلى الحاجة الماسة إلى نظام جديد في العلاقات سواء داخل الحركات أم في المجتمع، بحيث تكون بعيدة عن الهرمية والتحكم في إرادة الإنسان، ويسود فيها العدمية المركزية، وبقدر ما تقوم الحركات الإكولوجية بالتوقف على الناحية الأخلاقية يجب أن تمارس السياسة الديمقراطية، وأن تبني نظام مناهض للنظام الموجود  خارج عن  نطاق الدولة والسلطة.

وهنا تطرح الكونفدرالية الديمقراطية نفسها كبديل للأنظمة السائدة سواء الإمبراطورية التي يتم تطويرها من قبل الغرب أم الدول القزمة التي تريد أن تتطور في منطقتنا في الوقت الراهن من قبل القوى الرجعية المتزمتة والحكومات الديكتاتورية التي تحكم البلاد، الكونفدرالية سيكون المحور الذي يجمع قوى الشعب وإيصاله إلى درجة يدير نفسه  بنفسه،لأنه مختلف تماماً عن الأنظمة الأخرى سواء من ناحية المبادئ أو القوى التي تعتمد عليه، ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة للفيدرالية أيضاً، في الوقت الذي تعتبر الفيدرالية إصلاح الدولة وإضعاف المركزية، والإتحاد الأوروبي هو مثال عن النظام الفيدرالي حيث بدأ بتجاوز الدولة الوطنية رويداً رويداً ولأنه يعتمد على الدولة ويشملها، يعني إن المركزية مازالت موجودة والأولوية تكون لمصلحة الدولة وليس لمنفعة الشعب، أما الكونفدرالية الديمقراطية فلا يوجد أي ارتباط عضوي  بينه وبين الدولة، وهو خارج عنها، فهو لا ينكر الدولة ولا ينضم إليها، إنه يتضمن مصالح المجتمع والحياة المشتركة المختارة بشكل طوعي وبارتباط متكامل وموحد في البنية الاجتماعية، وله ارتباط وثيق بالديمقراطية وهما صنوان لا يفترقان، كارتباط الظفر باللحم، ولأن الديمقراطية هي الإدارة المباشرة للشعب وأسلوب للحياة، والروح التي طالما عملت الشعوب على حمايتها على مر العصور، فإن العلاقة بينهما أيكولوجية متممة بعضها للبعض، وإلا فإن الخطر سيكون بمر صادها، وهو الانزلاق والتحول إلى نظام مشابه للأنظمة المستبدة السائدة، وذلك سواء بدفع من قبل القوى الداخلية أم الخارجية.

المبادئ الأساسية للكونفدرالية الديمقراطية هو الاعتماد على العدمية المركزية، أي إن البنية تكون مرنة، ومن أجل عدم فتح المجال أمام المركزية، والسير وفق آلية الأمر والتعليمات الفردية من قبل الإداريين، يكون الانضمام في الكونفدرالية الديمقراطية، مباشر وديمقراطي من قبل الأفراد، وإرادية عفوية، والعملية والانضباط تكون ذاتية، أي يعتمد على الفرد الحر الذي يكون بنفس الوقت مواطناً فعالاً يكون علاقته عضوية مع المؤسسات الديمقراطية، مدرب نفسه أخلاقياً، وذو علاقة واعية مع الطبيعة، القوة الذاتية يعتبر من المبادئ الأساسية للكونفدرالية، كذلك المشاعيات المحلية  تشكل الأساس في النظام الكونفدرالي وذلك لأن المركزية التي بدأت في المدن وتم بعدها تحويلها إلى نظام الدولة، حيث قضت على البنية الكونفدرالية التي كانت موجودة في المجتمع الطبيعي، لذلك فإن أخذ الصلاحيات من يد النخبة وإعطاءها للمجالس المحلية والبلديات هو الطريق للتخلص من البيروقراطية، والمبدأ الأخر هو التبعية المتبادلة، إنه نظام يعتمد على الارتباط المتبادل بين الفرد والمجتمع، والريف والمدينة، الاكتفاء الذاتي يعتبر مبدأ مهم جداً بالنسبة للقوى التي تأخذ مكانها في الكونفدرالية الديمقراطية، هذا بالإضافة إلى إن الكونفدرالية تضع الأسس الصحيحة بين الإنسان والآلات الأيكولوجية، ويقوم في سياسته الاقتصادية على التوزيع حسب الحاجات.

تستهل الكونفدرالية الديمقراطية قوتها من عدة منابع، وهي في البداية التنظيمات الاجتماعية الديمقراطية والتي ترسخ المبادئ المذكورة في الأعلى في بنيتها وتكون بعيدة عن المنفعية وعن الهرمية وتأخذ إرادة الفرد أساساً، والمكونة من الأفراد المتطوعون والأحرار، والذين يحققون أول عملية تغيير في أنفسهم، المنبع الآخرهو البنية الاقتصادية المشاعية، وذلك عبر استخدام المنابع الاقتصادية بشكل أيكولوجي، القضاء على البطالة، وذلك بتطوير مشاريع مخططة ومدروسة من قبل المجالس المحلية، وإنقاذ الاقتصاد من أيدي بعض أصحاب الشركات الذين باتوا الآن يعيشون مرحلة ( الدفلاسيون ) أي الاضطرار على تخفيض السلع بسبب الهبوط الموجود في الشراء عدم التمكن من تطوير المشاريع ومشكلة البطالة، التنظيمات الثقافية والسياسية المشاعية، المتجاوزة لذهنية الدولة والتي تأخذ من الفوراق الاجتماعية الموجودة غنى، وتأسس نفسها عليها تشكل من المنابع الأساسية للكونفدرالية، الإعلام المتحرر والذي يعمل على تنوير المجتمع هو أيضاً من المنابع الذي يعتمد عليها النظام الكونفدرالي، والذي يقاوم التسلع بوعي الجماهير، ولأن التفكير بشكل براق وعلمي هو مفتاح كل المشاكل التي يعاني منها المجتمع، فإن تقديم المعلومة الصحيحة الاتصال السليم البعيد عن التجارة في مرحلة تجتاح فيه وسائل الاتصال عقول الناس وتسممها يومياً يعتبر من المهام الضرورية، هذا ومن المنابع المهمة هو مناهضة العولمة المنتشرة في العالم من قبل الشركات الرأسمالية والليبرالية الجديدة وذلك بتوحيد الحركات البعيدة عن الهرمية فيما بينها ووضع استراتيجيات مشتركة على نطاق العالم.

يتضمن النظام الكونفدرالي شبكة من المجالس الإدارية، ويتم انتخاب الأعضاء أو المشاركين من المجالس الديمقراطية المعتمدة على العلاقات المتبادلة بين القرى، النواحي والضواحي والمدن، تقوم المجالس الشعبية برسم السياسات، وتكون المنسقية والإدارة بيد هذه المجالس، وتتغير هذه المجالس بسرعة ولا تفتح المجال أمام البيروقراطية، والاحتراف في المجال الإداري، تعتمد على الإنضمام الديمقراطي، وتقوم بتطوير الارتباط بين القرى، النواحي، المدن، هذا وتكون الأتوريتا من الأسفل إلى الأعلى، وصلاحيات المجالس السفلى تكون أكثر من العليا، وبهذا فإن الإنتاج والسياسة يتم تحديدها بشكل مشترك، ويكون هناك تكامل ووحدة بين المناطق وتبعية متبادلة، وهو نظام يحقق الاستقلالية، وذلك لأن الانضمام يكون طوعياً وواعياً وإرادياً، والمساعدة هي التي تكون سائدة، والارتباط المتبادل لا يأسر إرادة الآخر، ويعتبر الفوارق الموجودة هوية للمجتمع الأيكولوجي، بالطبع تعتبر الشبيبة والنساء القوى الطليعية في تحقيق هذا النظام لأنها أكثر الناس اتقاناً من الناحية الذهنية والبنية الاجتماعية من أجل تطبيق متطلبات هذا النظام، كلما تكون الذهنية بعيدة عن السلطة والتحكم والهرمية تكون قريبة من حقيقة النظام الكونفدرالي الديمقراطي، لذلك فإن دور المرأة مهم جداً، كذلك الشبيبة في تهديد الذهنية الهرمية بدءً من العائلة والمدرسة، المؤسستين الأساسيتين في الضغط على الفرد والمجتمع، كذلك المصنع، العمل الروتيني، قدسية الملكية، إنكار حق الفرد، كلها مؤسسات يجب العمل على تجاوزها، وبهذا الشكل لن تخرج الطبقة الرأسمالية فقط أمام محكمة التاريخ وإنما ستيم محاكمة ميراث التحكم والسلطة بدءً من الرهبان السومريين وحتى يومنا الراهن، الذي وضع الفرد ولألاف السنين تحت السلاسل والقيود، لدرجة نقش هذا الميراث القذر في ما تحت شعور الإنسان، لذلك فإن حركة التنوير المطلوبة هي العمل وفي البداية على تغيير ما هو خارج عن وعي الإنسان الفرد.

ولأن النظام الكونفدرالي يرفض الحرب فإن الأنظمة الموجودة يجب أن لا تنهار بالحرب والعنف بل نتيجة تفريغ مؤسساتها من جوهرها، وذلك بإضعافها من الناحية الأخلاقية والمادية من خلال حركة التنوير، ومن أجل تجاوز هذا العالم المجنون يعتبر بناء الأفراد والحركات الأيكولوجية مطلباً حياتياً، لأن الناس كما يقول عالم الاجتماع (بوكين) يحتاجون إلى المنطق بدلاً من الخرافة، والاعتماد على الحرية بدلاً من الخاصية الشخصية، والاعتماد على الإبداع بدلاً من الانطباق، بدلاً من الفوضوية الاستقرار، وبدلاً من الاعتماد على الدولة هناك حاجة للأفكار التي تعتمد على المجتمع ذو الأساس الحر ومجالس الشعب الكونفدرالية، من كل هذا نرى بأن النظام اللائق بالإنسان هو النظام الكونفدرالي، يقول البعض إن الكونفدرالية هو الصفحة الأخيرة من المجتمع، ولكن العكس صحيح إنه يشكل الصفحة الأولى للمجتمع الأيكولوجي، حيث تجد الإنسانية وبعد فترة زمنية طويلة الفرصة في حل مشاكلها بشكل جذري، قديماً كان يتم تبديل نظام متحكم بنظام آخر ولا يتغير أي شيء بالنسبة للشعوب والأناس المضطهدون، وفي الوقت التي تعمل الليبرالية الجديدة على القيام بهجوم على الشعوب  باسم العولمة وتحت شعارات براقة، هدفها ليس القضاء على ذهنية الدولة و التسلطية، وإنما  تهدف على كيفية طحن الإنسان بشكل أكثر في مطحنة الدولة، وما يقوم به من تغيير في الأسماء وإن كان تحت اسم الفيدرالية أو الكونفدرالية فهو الوصول إلى إمبراطورية مركزية بحيث يشمل العالم بأجمعه، لهذا فإن الكونفدرالية الديمقراطية هو قوة الشعب التي ستقوم بالتصدي لهذه المركزية، وبقدر ما تشكل الليبرالية الجديدة تراكم  النظام الطبقي، فإن الكونفدرالية الديمقراطية تمثل ثمرة جهود كل المضطهدين ضد اللمساواة، المركزية، والملكية في تاريخ البشرية وهو انبعاث جديد للمجتمع الأيكولوجي الجنسي التحرري الديمقراطي.

 

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006