
روناهي أحمد
إن قفزة 15 آب المجيدة التي بدأت
بتاريخ في15 آب عام1984 كان له وقعاً تاريخياً
وأثراً واضحاً على حياة الشعب الكردي ومسير حركة
التحرر الوطنية الكردستانية. فلدى رجوعنا للأعوام
الماضية، وإلقائنا نظرة على الحدث التاريخي
والظروف التي ولدت فيها، ودراستنا لتلك الظروف
والنتائج والتغيرات التي أتت بها هذه القفزة في
حياة الشعب الكردي والمجتمع الكردستاني بأكمله،
نرى أنها تمثل نقطة البداية التي انطلق منها الشعب
الكردي وحزبنا
PKKكي
يعلق قرار المقاومة في مواجهة كافة أشكال الظلم
والاعتداء، وانعدام الحقوق ورفض سياسة الإنكار
والإمحاء المسيّرة من قبل الحكومة التركية في
مواجهة الكيان والوجود الكردي، وهو موقف ايديولوجي
بحت، تحاول الايديولوجية الثورية المعاصرة اكتساب
الحياة، واحتضان الحرية لآخر درجة. فالطلقة الأولى
التي اندفعت من فوهة بندقية الرفيق الشهيد "عكيد"
مزقت الوضع القائم لتلك المرحلة من جهتين الأولى
كانت في مواجهة النظام الحاكم والسياسة التي فرضها
على المجتمع الكردي وحالة الطورائ التي أعلنها في
كردستان، ومنع الكردي من ممارسة حقوقه الوطنية
بحرية، وبالتالي تطبيق سياسة الترهيب والترعيب في
مواجهة كافة المحاولات للانغماس في الأجواء
السياسية والمطالبة بالحقوق المشروعة للفرد
والمجتمع الكردي، هذا إلى جانب تشويق المجتمع
للانخراط وقبول الذوبان والانحلال ضمن البوتقة
التركية والتحول إلى أتراك أكثر من الشعب التركي
ذاته وتبني الثقافة التركية وانكار ورفض الثقافة
والهوية الكردية من الأساس. وهذا يعني إجراء سياسة
الكتم والتعتيم على القضية الكردية داخلياً
وخارجياً. فكافة الاتفاقيات المعادية للاكراد
المعقودة سابقاً كانت قادرة على تمزيق وتجزيئ
كردستان وإنكار وجود وكينونة الشعب الكردي كقضية
في الدول التي قسمت كردستان فيما بينها، وبالتالي
التعتيم على القضية الكردي بشكل كامل، ووصم كل
محاولة للنهوض والإنتفاضة على الظلم بالإنقسام
وتجزيئ أراضي الجمهورية المعنية. ومن الجهة
الثانية على صعيد الشعب والإنسان الكردي ذاته، فقد
أدخلت الشعب الكردي وضع السبات العميق نتيجة
الإنكسارات والمجازر التي تعرض لها، وبالتالي فقد
أصبح قبول حكم الدول المتسلطة قدراً لا مفر منه،
لابد من إبداء الطاعة له والعيش في ظله، وأصبحت
مسألة التراكض نحو الانحلال في بوتقة القوميات
الحاكمة كسباق نحو التطور والتمدن، وبالتالي تم
تجريد المجتمع الكردي من إرادته السياسية وفقدان
الهوية الوطنية وشكلت منه خائناً لا مبالياً
بالقيم والحياة.
والمرأة التي كانت تعيش حياة ذليلة
مستعبدة تحت حكم النظام أولاً، وحكم الرجل ثانياً،
كأكبر القضايا الإنسانية التي ارتكبت الجرائم
الشنيعة بحقها. فهي لم تكن محرومة من حقوقها
السياسية والاجتماعية فحسب، إنما حرمت من حق ملكية
ذاتها في الحياة والدفاع عن ذاتها في مواجهة
الاعتداءات والعنف الذي كانت تتعرض له.
لذلك بإمكاننا القول أن كافة
الأسباب هذه كانت بحاجة لانطلاقة ثورية قادرة
لتحطيم كافة القيود المفروضة على الشعب الكردي
والمرأة من قبل الكرد لإظهار ردود فعله على شكل
تنظيم سياسي عسكري قائم على أساس إيديولوجي يتمحور
حول ثورتين متلازمتين مكملتين بعضها للبعض، ألا
وهي الثورة الوطنية والثورة الإجتماعية الجنسية.
بهذا ومع تنفيذ عملية 15 آب المجيدة أسترد الشعب
وعيه، وأستفاق من غفوته وبدء الكفاح المسلح رداً
على سياسة الإمحاء التي طبقت في مواجهة حزبنا
PKK،
وحمل السلاح لم يكن الحل المرغوب منذ البداية في
حل القضايا الداخلية في تركيا إنما حاول
PKKومنذ
أيام تأسيسه عام 1978 وحتى 15 آب
1984تم البحث عن الحل للقضية
بالطرق السلمية والحوار، لكن حملة الإعتقالات
والقتل بحق قواد
PKK
التي حدثت، أجبرت حركتنا على اختيار هذا الطريق،
والممثل بالكفاح المسلح، وكي يتم كسب ثقة الجماهير
بصدق النظرية الآبوجية والإصرار على حل القضية
الكردية بالطرق المناسبة التي تؤدي بالشعب
والمجتمع الكردي إلى التحرر. لذلك بإمكاننا القول
أنه تم وضع حركتنا بين خيارين أثنين وهما إما قبول
الواقع المفروض وبالتالي الإستسلام والتراجع، أو
الإستمرار عن طريق المقاومة والبدء بحرب الدفاع
المشروع عن الذات. بهذا فأن التراجع كان من غير
الممكن بعد عملية استشهاد الرفيق حقي قرار واعتقال
الأعضاء القواد مظلوم دوغان ومحمد خيري دورموش
وكمال بير، وأغلقت كافة طرق النضال السياسي للعمل
ضمن الأجواء السلمية، بقي طريق واحد وهو المقاومة،
بهذا فأن طلقة 15 آب كانت موجهة للذهنية التسلطية
من قبل الحكومة التركية، والذهنية التسلطية للنظام
الرجولي الحاكم في المجتمع الكردي. لقد أيقظت هذه
الطلقة المرأة الكردية من غفوتها ووجهت لها النداء
بالإنضمام إلى صفوف الثورة التحررية لنيل حقوقها
عن طريق ضرب كافة القوانين الرجعية، الممتدة منذ
القرون الوسطى عرض الحائط، والتي تحكم عليها
بالبقاء خارج إطار المجتمع، وتبقيها على هامش
الحياة. وهذا ما كان يلزمها بأن تكتسب الوعي
السياسي والاجتماعي والعسكري كي تنظم نفسها ضمن
هذه المجالات وبشكل خاص كتنظيم نسائي، عن طريق أخذ
مكانها في الصفوف الأمامية للنضال العسكري
والسياسي معاً، وتبنيها لإرادتها السياسية
والتنظيمة الخاصة عن طريق تشكيل تنظيمها الخاص في
ب ك ك، بذلك تكون المرأة قد حاربت في مواجهة
مخلفات القرون الوسطى الحاكمة ضمن المجتمع، وفي
مواجهة خصوصياتها وتشكيلتها البنيوية المتمحورة
حول النظام الرجولي وفي خدمته، وهذا يعني قتل
الرجولة الفظة في المجتمع الكردي. وبهذا تكون
المرأة قد خلقت الملاحم البطولية خلال مسيرتها
التحررية الوطنية والجنسية.
هذا وبإمكاننا القول أن قفزة 15
آب، أكسبت الشعب الكردي الإرادة والوعي السياسي
وبالتالي رسمت نهجاً جديداً للمقاومة بطراز حرب
الأنصار، وخلال 23 أعواماً الماضية فقد حققت
حركتنا التحررية الكثير من المكاسب والقيم الوطنية
بامكاننا تعدادها على الشكل التالي:
أ- أصبحنا أصحاب جيش الألاف من
الشهداء.
ب-
حققت الوحدة الوطنية بين أربع
أجزاء الوطن من خلال الإنضمامات التي حدثت لصفوف
الكريلا.
ج- دخلت القضية الكردية وضع النقاش
على الساحة التركية بشكل أساسي وعلى طاولة نقاش
الدول العالمية كقضية يتطلب حلها.
ح- أثبتت بأن المرأة لم تخلق كي
تكون عبدة وخادمة يستهلك جهدها بدون مقابل ويباع
جسدها قطعة قطعة، إنما لها الحق في الحياة الحرة
عن طريق حمل السلاح وأخذ مكانها في الجبهات
الأمامية للحرب، وممارسة السياسة والعمل في كافة
مجالات الحياة، ومنها تعميم فلسفة إيديولوجية
التحرر الجنسوي والثورة الجنسية في كردستان.
خ- رسخت فلسفة المقاومة في مواجهة
الظلم والدفاع عن الحقوق الأساسية للشعب الكردي
لتحقيق العدالة والمساواة وبالتالي جعل الأكراد
طليعة لحل القضايا الوطنية في الشرق الأوسط.
د – خلقت من الشعب الكردي شعباً
محارباً، فقد رد على بالحرب على العلاقات
والايديولوجية الرجعية وقوى القمع الداخلية.
ذ – لأول مرة يسير الشعب الكردي
على الطريق الذي يحدد مصالحه بإرادته الذاتية
الحرة.
و – خلقت الفرد والكادر الحر
القادر على إدارة النضال الوطني والثورة
الاجتماعية المتماشية مع روح العصر، المعبئة بفكر
الاشتراكية الديمقراطية، وبالتالي السمو بالمجتمع
واكسابه الثقافة الديمقراطية. هذا هو الحدث
التاريخي الأول الذي جرى في شهر آب، أما الحدث
الثاني والمعاكس للحرب تماماً وحدث في نفس الشهر
هو وقف إطلاق النار وتغيير استراتيجية الحرب في
سبيل فتح باب الحوار والحل السلمي للقضية الكردية.
2 آب كما سماها القائد آبو " ثورة
الورود" لماذا ثورة الورود، وماذا يعني بذلك؟ كما
نعلم أن اعتقال القائد آبو حدث بتاريخ 15/ شباط/
1999 وكان كل من الحكومة التركية وأمريكا والدول
التي أشتركت في المؤامرة التي حيكت بحق القائد
ينتظرون ويأملون منه إبداء مقاومة فظة في السجن
وحسب الأسلوب والطراز الذي أبداه كل من رفاق
السجون التركية في 14/ تموز/ 1982 وبالتالي سيدخل
الإضراب عن الطعام حتى الموت وينتهي كل شيء معه.
لكن ما ظهر في الواقع العملي هو طرح القائد آبو
لمشروع السلام في إطار الدفاع المشروع عن الذات،
ولكي يبدأ الحوار مع الحكومة التركية تم سحب
القوات العسكرية إلى خارج الحدود التركية والتمركز
في الجغرافية الجنوبية من كردستان، فسحب القوات
العسكرية إلى الجبهة الخلفية يعني طرح مشروع
السلام مع كل من الحكومات المسيطرة على كردستان
سواء كانت الحكومة التركية أو الإيرانية أو
السورية، وحل القضية الكردية بالطرق السلمية ضمن
إطار المشروع الديمقراطي، واعتباراً من هذا
التاريخ تم البدء بسحب القوات وإيقاف العمليات
العسكرية في مواجهة الحكومة التركية. وكان ذلك
بهدف تطوير الحل الديمقراطي للقضية الكردية
والإعتراف بالهوية الكردية، ومنها كانت مبادرة
القائد هذه أعظم صفعة في وجه القوى المتآمرة على
القضية الكردية، مما أدى بالبعض إلى قول أن آبو
استسلم في السجن، ومن غير الممكن أن تكون هذه من
مشاريعه السلمية، كي يجبروا القائد على اختيار
طريق المقاومة الفظة. لكن ما يبدو على أرض الواقع
هو أن المشروع السلمي للقضية الكردية لم يظهر
كمشروع مخالف للاستراتيجية القديمة، انما
التغييرات العالمية أجبرت حركتنا على أحداث هذه
التغييرات تماشياً مع روح العصر، وكي تحافظ لى
وجودها واستمراريتها كطليعة ثورية كان لابد لها من
اجراء هذه التطورات، وبالتالي العميق من الجانب
الايديولوجي والفلسفي والتنظيمي للكتلة
الجماهيرية، وكل هذا كان سينتج من اجراء الثورة
الذهنية لدى كوادر الحركة أولاً وبين المجتمع
الكردي ثانياً. لكن ومع الأسف الشديد فقد قابلت
الحكومة التركية المبادرة السلمية هذه، على أن
الحركة شارفت على الانتهاء بهد اعتقال القائد،
واستخدمت كافة الحيل والمؤامرات في سبيل تصفية
حركتنا، لكن مع طرح هذا المشروع ظهر بأنه من غير
الممكن تصفية الحركة وعكس ذلك أصبح ذو تأثير أكبر
وأعظم على الشعب والعالم. فلو استفادت الحكومة
التركية من هذه الخطوة بشكل إيجابي وحل السلام
لأعلن ذاك اليوم بإسم عيد الورود. وفي ترسيخ هذه
الخطوة ألقى المسؤولية على عاتق المرأة، على أنها
ستكون صاحبة الدور الفاعل والإيجابي خاصة وأننا
كنا نشارف على انتهاء القرن العشرين والدخول إلى
قرن الواحد والعشرين، ومع تغيير النظام العالمي
ظهرت بعض التحليلات الواضحة التي تعطي الأهمية
والأولوية للصراع الجنسي في المجتمعات العالمية،
وذلك لأسباب عدة أهمها تطور العلم والتكنيك الذي
يفتح المجال أمام المرأة للإنضمام للعمل والإنتاج،
إلى جانب تطور الحقوق والديمقراطية للمجتمعات،
وبالتالي سيؤثر هذا على المرأة وسيتم حل قضيتها
كإحدى القضايا الأساسية العالقة والتي يتطلب حلها،
وعلى أساسه ستتطور حركة الشعوب الديمقراطية، بهذا
ونسبة لتطور حركة المرأة الكردية ضمن حركة التحرر
الوطنية ووصولها لمستوى التجيش وبالتالي بناء
تنظيمها الخاص بشكل كونفدرالي في يومنا الراهن لهو
نتيجة لخطوة 15 آب المجيدة، وبالتالي ستكون صاحبة
الدور الفعال والطليعي لتطور الديمقراطية في
كردستان وتحرير المجتمع الكردستاني.
عندما نقوم بتقييم شهر آب وكي
نستطيع الوصول إلى النتائج السليمة والصحيحة
لتنظيمنا هذا، يتطلب التعريف شخصية الرفيق عكيد
وتعقب خطاه، كما يقال لكل مرحلة تاريخية شخصيتها
القيادية، والرفيق عكيد هو قائد قفزة 15 آب، فهو
المحلل والمنتقد للوضع القائم آنذاك، وهو المخطط
للعملية العسكرية ومنفذها بنفس الوقت، وهو الذي
سار نحو الهدف باصرار وعزيمة لا تلين، وطبع
المرحلة بميزاته تلك واكتسب صفة بطولة المرحلة.
اليوم وعندما ندخل عام الـ24 من
مرور هذه الذكرى، ونحن على أعقاب الدخول لمرحلة
جديدة من نضالنا الثوري الديمقراطي، والتي تسمى
بمرحلة الدفاع المشروع الفعال. واعطاء الجواب
والرد على الحملات التمشيطية الهادفة إلى تصفيتنا
بعمليات عسكرية في المدن التركية واستهداف المراكز
الاستراتيجية داخل البلاد، هنا تظهر أهمية عملية
الرفيق عكيد في 15 آب وبالتالي إكتساب روح الإصرار
والمقاومة التي أصبحت من عادات حركتنا منذ
الثمانينات و15 آب، وأهمية أخذ الطراز العملياتي
التي أستخدمها من الرفيق عكيد والرفيقة الشهيدة
زيلان، وفي يومنا الراهن نرى دخول عدد من ممثلي
شعبنا إلى البرلمان التركي، وهذا ما يمكن اعتباره
أحد المكاسب العظيمة للقفزة، وبإمكاننا القول بأن
شهر آب له مكانة تاريخية بالنسبة لشعبنا وحركتنا
PKK.
|