العودة للصفحة الرئيسية

PKK  في ميلاده الجديد

روناهي أحمد

يولد الطفل من أحشاء أمه ليطلق أولى صرخات الحرية ومن ثم يدخل في مهمات الصراع من أجل الحياة الأفضل والعيش الكريم، لكنه يقترب من الموت كلما كبر سناً ويغدو على مقربة من هاوية حفرة الموت، وعندما يلتقط أنفاسه الأخيرة يتحسر لأيام عمره الماضية، وما لم يكن قادراً على تحقيق والأمال التي سعى إليها طوال حياته لذلك تكون وصيته الأخيرة لأحفاده ليحققوها بعد مماته، لكن كيف يستذكره الأحفاد بخصاله الحميدة؟ أم بأعماله الفريدة؟ أم أنه لن يترك لأحفاده سوى المآسي أو ذكريات يتحدثون بها في ليالي الشتاء الطويلة؟

إذا لماذا ليس من المهم أن يموت الإنسان أو لا يموت..؟ بعض الشخصيات المميزة تترك بصماتها على جدار الزمن وتكتب أعمالها على صفحات التاريخ، منها الثوريين مثلاً والأدباء والفنانين والرؤوساء... إلخ. إلى ما هنالك من شخصيات تسعى لتحقيق وحدتها مع نجمتها المعلقة في قبة السماء. عندها تصبح شخصية توحدت مع ذاتها الجوهرية وحققت أناها بأسمى آياتها.

هكذا هي الحركات التحررية أيضاً، PKK حفيدة كافة الانتفاضات والمقاومات الكردية التي قامت في التاريخ الكردي بدءً من مقاومات العشائر في ما قبل ميديا وما بعدها أيضاً وحتى تاريخ ميلاده، مثلما يقول القائد آبو:" إن منطقة الشرق الأوسط تشبه الشجرة التي خانت التربة التي ربتها وغذتها لقرون عديدة ونستها بعدما هرمت".

فإن الإنتفاضات الكردية أيضاً خانت جذورها وتركت الشجرة بدون أوراق كالأغصان اليابسة المنبثقة من جذع شجرة هرمة قوية، لكن أحياناً نرى ظهور أوراق وغصن طري على جذع الشجرة اليابسة أو الغصن المكسور ومستمدة نفسها من بعض عروق الحياة التي يحتفظ بها جذع الشجرة في أعماقها.

وPKK  هو ذاك الغصن الطري الفتي المنبثق من جذع تلك الشجرة اليابسة فهي التي أوهمت للجميع بأنها شاخت ودخلت طور الممات، اسم كردستان أزيل من كتب التاريخ والجغرافيا وأصبحت أراضيها تابعة للدول المستعمرة وأنكر شعبها أنه اقتنع بأنه عربي وتركي وفارسي الجبال... لماذا؟ هكذا علموا الجيل الصاعد في المدارس ومراكز الدولة.

وأصبح الهواء الذي يتنفسونه غريب عن الكردياتية ويقولون لها المجزرة البيضاء بعد تنفيذ الحمراء. إلا أن ظهور PKK حزب العمال الكردستاني في تلك الظروف يشبه انبثاق الغصن الطري من الجذع اليابس ليثبت للجميع أنه لا مستحيل على وجه البسيطة، وكل شيء وارد ومحتمل إذا ما جاهدنا في خط سير خلق الجديد ونحو تحقيق الآمال. هذا هو الكردي الذي قالوا عنه (إنسان له ذنب). بعيد عن معرفة ما هو الأمل، وما هي الحرية على أرض الوطن الحر. بظهور PKK كردة فعل راديكالية في مواجهة هذا الوضع المتردي مثل الثورة الوطنية والاجتماعية بقفزة واحدة، التشكل والتمحور حول فكر الاشتراكية مثل قفزة عظيمة بالنسبة للشعب الكردي في أعوام السبعينات والشعار الذي نادى به دولة كردستان المستقلة رغم تقسمها بين أربع دول كان بمثابة حفر البئر برأس الدبوس وإخراج الماء من البئر.

وما كان على الشعب الكردي سوى الالتفاف حول هذا الشعار والالتحام بالتنظيم بكل ما يملك بعد ا ستشهاد الرفيق حقي قرار وتأسيس الحزب عام ۱۹۷۸ومقاومة الرفاق الشهداء المبجلين في سجون الفاشية التركية. فقد  كان الإعلان عن الحزب يعني بمثابة إعلان مرحلة التصدي لمواجهة كافة أساليب الاستعمار والقهر والاضطهاد الممارسة من قبل مؤسسات الدولة في كردستان وكان يعني الخروج عن طور الحكومة المتسلطة والانتفاض والتقاليد البالية التي تدعو المجتمع إلى طي الرأس والقبول بما قدّر له من قبل حكم الله والدولة. قام PKK بنسف دستور القضاء والقدر والانغلاق في جهالة المنزل وتقاليد العائلة خوفاً من العنف والفناء. فالكردي الذي يستطيع قانون الدين ويتزوج من أربع نساء وينجب من كل زوجة اثنا عشر طفلاً سيعتقد بأنه أصبح رئيس دولة ولن يكون الحاجة إلى تأسيس وطن آخر شامل. ويستمر الخيانة حتى أنه لن يكون بمقدروه إعالة أطفاله الذين ترك رزقهم على الله عندما فكرّ بالإنجاب. فقد حقق PKK ثورة نوعية في المجال الاجتماعي ووضع متفجراً في مركز الذهنية العشائرية وشتتها وأثر الانفجار ذاك الذي كان بمستوى إزالة تلك الروابط وجعلها وطنية تشمل أربع أجزاء الوطن.

بقدر ما يمكننا القول أن PKK وقف في مواجهة مؤسسات الدولة إلا أنه سعى لتحقيق مؤسسات الدولة الكردية بدلاً عنها بذلك فإن الدولة التي سعى PKK لتحقيقها أيضاً كانت بتأثير من فكر الإشتراكية المشيدة التي سعت وأعطت للشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهي لم تكن متطورة أكثر من مؤسسات الدولة القديمة، بالنتيجة فالمؤسسات تغلق الباب أمام تمثيل إرادة المجتمع بشكل كامل وشمولي فعندما نأخذ طراز الدول التي تشكلت في الشرق الأوسط وبتأثير من فكر الإشتراكية نراها تغلق البات أما حرية شعوبها فحكومة صدام والأسد والسعودية وتركيا وغيرها من الدول الأخرى لا تترك المجال أمام تطور الفكر في المجتمع العربي والتركي والفارسي لأن بنية الدولة المركزية تحصر كافة الحقوق في مراكز الأساسية وبالنهاية تمركزها في شخص رئيس الدولة.

والدولة التي نادى بها PKK أيضاً ما كانت بقدر ما كانت ستختلف عن نوع الدول هذه إلا أن القائد الفذ لهذه الحركة طرح أطروحة جديدة على الدولة تبقى دولة رغم اختلافها، وبذلك طرح فكره على أن الحلول وصلت لحد الإفلاس مع نهاية القرن العشرين وتم إثبات أن القوى الساعية لتحقيق هذا النوع من نظام الدولة لابد وأن تتعرض للتشتت نتيجة ذلك إذا لم يتغير من استراتيجتها، لذلك باشر PKK والذي كان من أول السباقين إلى تغيير هذه الإستراتيجية ليبقى محافظاً على وجوده وديمومته وبالتالي لانقاذ المجتمع من التعرض لإنكسار جديد يؤدي إلى فقدان كافة آمال الشعب الكردي بالتحرر من ناحية ولكي يكون قادراً على التلائم مع التغيرات العالمية الطارئة في المجتمعات البشرية والحضارة المعاصرة كبديل للنظام الرأسمالي والإمبريالي الذي يعمل على إطالة عمر أنظمتها لوضع العالم تحت تصرفها وكبديل للأنظمة التي تعلن نفسها أبدية.

على هذا فإن مؤسسات الدولة التي تتطور وتتحول إلى مركز القوة على حساب وعي المجتمع وإنكار إرادته ما هي إلا مؤسسات مستبدة ومتسلطة على رقاب الشعب وتنهل من جهده وكدحه دون أن تعطيه المقابل، وباعتبار أن PKK قد عمل على تقرير مصير الشعب الكردي عن طريق تحقيق ثورة الصراع الطبقي وانتصار دولة طبقة العمال والكادحين هذا يعني أن تسير الصراع عل شكل جبهات وإطفاء اللون الأسود أو الأبيض على شكل الصراع وهذا ما لا يتوافق مع شكل صراع القرن الواحد والعشرين لأن أهل الحق ليس هو الإنسان لوحده أو طبقة أو جنس واحد، إنما للطبيعة أيضاً حقوق والحيوان أيضاً وكافة فئات المجتمع من قوميات وأديان وأجناس. بذلك فإن ذهنية الجبهة ما كانت قادرة على لمّ شمل كافة الحقوق هذه، وكان لابد من إجراء ثورة ذهنية واجدنية وهذا ما سيتحقق عن طريق تحرير الفرد من براثن الثقافة الغربية المنكرة للمجتمع والشرقية المنكرة للفرد والمجتمع معاً وإعطائها الحرية المطلقة للدولة ورئيسها.

فلفرد الذي يسعى PKK لخلقه هو الذي يتوجب أن يعيش الحياة متماشياً مع كافة جوانبها الصعبة باعتباره صاحب إرادة ويفهم الحياة ويشعر بكل ما حوله ويحس بها عن أعماق نفسه، بالإضافة أن PKK يسعى لتحقيق حرية المجتمع عن طريق تطبيق النظام الكونفدرالي المنبثق من الكومونة وحتى مجالس الساحات ليعبر كل فرد عن انتسابه بطواعية ووضع كافة إمكاناته في خدمة مجتمعه ويدافع عنه بكل تضحية ويسعى لبناء وتجميل الحياة من كل جوانبها. ويسير كل هذا ضمن إطار تنظيمي واسع.

فالعامل عندما يعمل يشعر بالعرق الذي يتصبب من جبينه ويعي بالهدف الذي يصبو لأجله ويشعر بالسعادة نتيجة ذلك لأنه يعمل بطواعية وإرادته الحرة حرصاً على مصلحة بلاده ومجتمعه.

كما أن الكاتب الذي يتوجب أن يكون هو الكاتب الذي لا يركض وراء كسب المال من سكب كلماته على الورقة بل هو الكاتب الساعي لتوعية مجتمعه بطواعية ومحبة لوطنه وشعبه وهكذا هي كافة المهن وتقربات الفرد الحرص ويحس بالطبيعة ويحمي قوانينها ويراعي حقوقها، أي أن يطير مع الفراشة فرحاً بدلاً من أن ينكرها أو يقتلها ويسقي الورود بالماء كي لا تذبل بدل من قطفها، ويحمي حقوق الحيوانات بحيث لا يقدم إحداها على أخرى، ويفهم الرجل المرأة والمرأة الرجل، ويكونان في توازن ضمن نظام الذهنية الأنثوية للإلهة الربة، ولا يرسم أحدهم حدوداً للآخر لا وجود لواحد مهم دون الآخر هذا هو النظام الذي يسعى PKK لتحقيقه من خلال ثورته الاجتماعية.

يعني أن PKK يسعى لتحقيق قانون الفيزياء في الطبيعة وإصباغ الثورة الكردستانية بهذا الطابع عندها يكون المجتمع قد حقق حريته دون الاعتماد على الدولة أو التأمل منها بإعطاء الحقوق ويكون نظام الدولة قد عايش الإفلاس نتيجة إهماله المجتمع وعدم أخذه مأخذ الجد.

كيف للرجل أن يفكر بذهنية الأنثى..؟ يسعى PKK لتحقيق هذه الثورة، الرجل القادر على الإحساس بمغاصات الأم لدى عملية الولادة ويتفهم أحاسيسها ومشاعرها ويحفظ حقوقها دون أن يقول لها لقد حققت لي عملاً عظيماً وأنجبت لي طفلاً كي أبني عليه نظامي ومن سيورثني من بعدي" وأن يكون قادراً على بناء المجتمعية من حوله يعني تحقيق المساواة في الحقوق والعلاقة مع أفراد المجتمع والطبيعة دون أن يجعل من نفسه المركز الذي لا بديل له. يكون قد وصل لذهنية الأنثى كي يحبها ويستحق محبتها أيضاً. وبهذه الثورة ستحقق الثورة السياسية والاقتصادية والثقافية وهذا هو PKK وبعد تغيّر استراتيجية PKK الدولتية تم الوصول لاستراتيجية مجتمعية كونفدرالية.

PKK بتنظيمه الكادري لابد أن يحقق هذه الثورة ويوصل بكوادرها إلى هذه السوية من الوعي الحر والإرادة الذهبية كي يكون قادراً على تمثيل ولعب هذا الدور التاريخي ضمن المجتمع. إن أردنا سرد ما حققه PKK طوال ۲۷ الأعوام الماضية لا تعد ولا تحصى، وأبرزها هو تشكيل جيش من الشهداء العظماء الذين تتوجوا بثقافة حرية الوطن والمجتمع ووصلوا لمرتبة القدسية بإبدائهم أعظم آيات المقاومة وإيصال المجتمع لدرجة تبني شهدائه ومقاتليه وتنظيمه وحقوقه وسعيه الدؤوب للوصول إليها على الصعيد المجتمع الكردي وعلى المستوى الدولي وهي الحركة التي عرضت نفسها لعملية التجديد بشكل دائم وهذا هو السبب الرئيسي الذي لم يعرضها لِلإنكسار والتي لن تجعلها تصبح طي النسيان بل غدا أسطورة يتحدث بها الشعب الكردي في ليالي الشتاء الطويلة وتحولت إلى حركة مجتمعية تحمي نفسها في طور الصراع إزاء كافة أنواع الظلم وتتعاظم بقدر عظمة ما تحققه للمجتمع.

لهذا وبمناسبة السنوية لإستشهاد الرفيقة الشهيدة شيلان التي تعتبر من إحدى النجوم اللواتي حققن عملية التوحد مع ذاتها وانطلقت إلى أعالي السماء لتتحول إلى الإلهة الربة التي خلقت ثقافة المقاومة والاستمرار في مواجهة أشد المصاعب والارتباط بنهج الحرية.

فمن يقرأ كتابات الرفيقة شيلان سوف يسرع بالقول أين كنت مخبئة تلك الجوهرة هفال؟ بالفعل أن صديقتنا شيلان هي عظيمة بكل معنى الكلمة، واعية، رزينة لكسب الحياة رونقاً وجمالاً، ذهبت دون أن تودع، قالت كلمتها الأخيرة كلغز لم يفهم منها أحد، "هذه مهمتي الأخيرة كي أرجع".

نعم بحثت شيلان عن الصدق في أوكار الذئاب، طلبت من الجهلاء العلم، ركضت وراء الأمان في وسط بحر تتلاطم أمواجه العاتية، أقسمت أن تعمل كي تدوم إبتسامة الطفل البريء. وأن تعشق المرأة بحرية بكامل وعيها وإرادتها وأن تيقظ الرجل من غفوته وتنزله من برجه العاجي الذي لا تبرحه ذبابة. وقالت للفتاة انطلقي فلتكن الحياة لك عيشيها بكل أحاسيسك ومشاعرك، واخلقي الجمال من حولك وعلمي من حولك معنى الحياة، لا تعترفي بالحدود المرسومة ولا تقولي أنها خطوط حمراء، تجاوزي الخطوط الحمراء للوصول إلى تلذذ طعم الحرية.

هذه هي شيلان هي التي أمانت بحمل السلاح، الخروج للجبال، التعلم، التفكير، طلاقة اللسان، المقاومة، التحديق في القمر، الإنطلاق نحو النور، العشق الحر، والتي تعتبر جميعها خطوط حمراء بالنسبة للمرأة، لكن شيلان تجاوزت كافة هذه الخطوط ووصلت للقمة بعملية استشهادها تلك، فيد الغدر المدسوسة في الداخل والممتدة من عمق التاريخ الكردي والمتمثل في شخصية أنكيدو واتفاقها مع السلطة الحاكمة كي تقتل الروح الكردية والمقاومة، اختاروا شيلان هذه المرة لماذا؟ فالسبب هو أنها كانت القوة الراديكالية الرافضة لِلإستسلام والمعبرة عن ارتباطها وسيرها على نهج القائد بكامل وعيها ومطلق إرادتها، هي التي اختارت المقاومة، لكن يد الخيانة اختارتها كي تغتالها وتطفئ آخر شعلة باقية في روح الكوادر والجماهير الكردية، وكي تخلق التناقضات والشبهات بين غربي  كردستان وPKK ليقولوا أنهم قتلوا شيلان وأربع من رفاقها عمداً، فؤاد الذي كان قد اكتسب هوية غرب كردستان من قبل الجماهير هنالك وكانوا يخافون عليه ويهتمون به أكثر من أبنائهم ويعتبرونه قرة عينهم.

وهكذا هو الرفيق زكريا وجميل وجوان، اختاروهم عن وعي، فالرفيقة شيلان ورفاقها كانوا بمثابة عائق أمام تحقيق مأرب الخونة في غرب كردستان ولهذا السبب استهدفوها بالإتفاق مع الحكومة السورية المتواطئة. لينتقموا بأفظع الأساليب، وليهدفوا من ورائها زرع الخوف في قلوب الجماهير لكن حدث العكس حيث استيقظ كل من كان نائماً وتوضحت الأمور أمام كل من كان لا يؤمن بوجود نهج الخيانة في المسألة.

ولأن الرفيقة شيلان مثلت جوهر PKK بكل تفاصيله ووصلت لمرتبة القدسية وما علينا سوى الركض وراء تحقيق آمالها في الحياة الكريمة. كانت عيوني تترقب عودتها لكن... هيهات، لم يبقي شيء سوى أن أحدئها في خيالي وأناقشها أمور كثيرة... لأبقى بانتظارها.

 

 

 

 

 
 
 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006