جيان أزاد
في البداية
أريد أن أخوض الغمار في المسيرة التاريخية التي
قامت على أسسها تحديد هذا اليوم كيوم المرأة
العالمي، فقد جاء تحديد الثامن من أذار ليكون
يوماً عالمياً للمرأة بعد تحديد الأول من أيار
يوماً عالمياً للعمال، حيث عقد بمدينة كوبنهاجن
بالدنمارك أول مؤتمر دولي للمؤسسات الأشتراكية عام
1910 وذلك بحضور أكثر من 100 سيدة بينهن ثلاث
سيدات كن قد أنتخبن كعضوات بالبرلمان الفنلندي
وأقترحت سيدة ألمانية تُدعى "كلارا زيتكن" بأن
يكون هناك يوماً عالمياً للمرأة، تخليداً لذكرى
انتفاضة عاملات النسيج في أمريكا في 8 أذار 1875
حيث نزلت عاملات النسيج والحياكة إلى شوارع لورير
ايسب مايد في مدينة نيويورك في تظاهرة احتجاج على
تدني أجورهن وطول ساعات العمل وتردي ظروفه. ووفق
على الأقتراح بالإجماع، ومثلت هذه الخطوة نقلة
نوعية في إسماع وإيصال صوت المرأة للبرلمانات
العالم وأصبحت الجسر لجميع المقاومات النسائية
فيما بعد.
بحيث واصلت النساء التظاهر إلى مستوى أصبح تقليداً
إذ تم في 19 مارس 1911، الأحتفال للمرة الأولى
بيوم المرأة العالمي في كل من النمسا، ألمانيا،
سويسرا، والدنمارك وذلك في أكبر تظاهرة شعبية حيث
تظاهر أكثر من مليون رجل وامرأة مطالبين بـ:
•
حق التصويت.
•
حق التعيين في المناصب العامة.
•
حق العمل.
•
وقف التمييز بين الرجال والنساء.
وبعد أقل من
أسبوع، في 25 مارس قتلت أكثر من 140 سيدة وطفلة
حرقاً بأحد مصانع نيويورك نتيجة عدم توفر نظم
الأمن والسلامة بمكان العمل وتوالت الأحداث
وبالتحديد عام 1913 عند مطالبة النساء الروسيات
بكامل حقوقهن بالعمل بما يساعد على إعالة أسرهن في
ظل غياب الأزواج الذين غيبهم الموت في الحروب،
ووسط بحر من الأحتجاجات وافق قيصر روسيا وسمح
للنساء بالعمل والتصويت وقد صادف ذلك الثامن من
آذار، أحتفلت النساء بالقرار واعتبرن ذلك اليوم
يوم عيدهن الذي يرمز إلى نضال المرأة من أجل وضع
حد للأنتهاكات المستمرة لحقوقها في التعبير ووضعها
في مكانها اللائق في المجتمع الإنساني على النطاق
العالمي.
إلا أن
الانتصار الأكبر للمرأة كان في عام 1945 حين
اعتمدت عصبة الأمم عدداً من الجمعيات التي تدعم
موقف المرأة عبر بحوث ودراسات وإحصائيات حول أوضاع
المرأة في كافة أنحاء العالم وتوفير المساعدة لهن
في شتى مجالات الحياة. ومن جهة أخرى عُقد مؤتمر
عالمي بمدينة مكسيكو
سيتي عام 1975 للفت أنظار العالم للقضايا التي تهم
المرأة من خلال
تنظيم عام للمرأة يبحث القضايا التي تهم المرأة
وفي العام 1977 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة
قراراً يختص بحقوق المرأة في السلام العالمي
ومشاركتها في النواحي الأقتصادية والسياسية وفي
العام 1985 عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً في نيروبي
لمتابعة ما تم إنجازه، وفي العام 1995 احتضنت بكين
المؤتمر الرابع للمرأة بحضور ممثلين عن 189 دولة
اتفقوا فيه على:
-
عدم المساواة بين الرجل والمرأة يؤدي إلى تبعات
سيئة للبشرية جمعاء.
-
أن التقدم والإنجاز الذي تحقق هو من أُسس حقوق
الإنسان وهو نوع من العدالة الإجتماعية ولا يمكن
رؤيته على أساس قضية نسوية فقط.
إن اليوم
العالمي للمرأة جاء في ظل ظروف غاية في الصعوبة
تعاني منها المرأة على مستوى العالم لما تتعرض له
من أنتهاكات تتناقض مع جميع أتفاقيات حقوق الإنسان
وبالأخص كأتفاقية جنيف الصادرة يوم 8 يونيو عام
1977 والتي تشير إلى أنه يجب أن تكون النساء موضع
أحترام خاص، وأن يتمتعن بالحماية، لا سيما ضد
الأغتصاب وضد أي صورة أخرى من صور خدش الحياء
العام خاصة مع أزدياد وتزامن ظاهرة العنف الجنسي
ضد النساء في زمن الحرب، وأتفاقيات جنيف عام 1945
والبروتوكلات الإضافية عام 1977 تعتبر تلك
الانتهاكات جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي
الذي يكفل أيضاً حماية النساء الأسيرات والمعتقلات
خلال النزاعات المسلحة ومعاملتهن معاملة إنسانية.
ومن المعلوم أن
المرأة في الراهن ما تزال في العديد من بلدان
العالم تعاني من مشكلة التمييز بينها وبين الرجل
سواء في ميدان العمل وأمام المحاكم والقضاء وفي
منابر العدالة، مجال التعليم، وفي جميع مجالات
الحياة المختلفة. أن البدايات الأولى للتمييز بين
المرأة والرجل كما يذكر في التاريخ يرتبط بظهور
وتبلور الملكية الخاصة على وسائل الإنتاج وإنقسام
المجتمع إلى طبقات متناحرة.
وإذا كانت
الملكية الخاصة على وسائل الإنتاج التي يصفها
الكثير من الرواد والفلاسفة بأنها أساس البلاء
الذي عم العلاقات البشرية وأنها نقطة البدء لكل
المظالم والقهر الذي ساد المجتمع الإنساني ويسوده
حتى الآن في المجنمعات المتناحرة إلا أن المسألة
الجنسوية ( التمييز الجنسي) برأي هو السبب الأساسي
لبدأ المظالم يعني المرأة هي أول من تم أستعباده،
من قبل النظام الأبوي البطرياركي الماكر الذي عمل
بكل وسائل الحرب العنيفة لإمحاء تأثير النظام
الأمومي المعاش النظام الذي عم فيه السلام
والمساواة والوئام بين البشرية أجمعها،
والذي أصبح الآن كأمل وخيال للأنسانية بعدما حكم
النظام الرجولي.
ولهذا فأن حصة
المرأة من هذا الظلم الاجتماعي والقهر الجنسي
والطبقي الذي سببه التمييز والغدر الرجولي وإيضاً
الملكية الخاصة على وسائل الإنتاج كان مضاعفاً
ومزدوجاً لاسيما بالنسبة للنساء الكادحات في ذلك
الوقت. أن جماهير النساء هذه التي كانت تقتسم مع
العائلة أثار الظلم الاجتماعي والقهر الطبقي
والإستغلال كن في الوقت نفسه وعلى مدى عصور طويلة
تمتد لآلاف السنين كما ذكرته أنفاً يتعرضن فوق ذلك
كله إلى الإضطهاد وإلى التمييز الذي فرضه الرجل
عليهن ضمن الأسرة. فقد كان دور المرأة في العهود
القديمة ينحصر في إطار الأسرة أكتسبت بها علاقة
المرأة بالمجتمع مظهر العلاقة المباشرة بين الرجل
والمرأة، يعني الزوج والزوجة التي أصبحت المرأة
فيها كملك للزوج تسير حسب إرادة الرجل ورغباته
وبالتالي حسب إرادة المجتمع المحكوم بذهنية الرجل،
بحيث لم يكن لعمل المرأة أية أهمية اجتماعية تفوق
النطاق المحدود لعملها ضمن الأسرة، والذي بدوره
لم يكن يقدَر بأي قيمة ولم يحسب حتى كعمل رغم
الجهد الكبير المبذول من قبل المرأة والذي يعتبر
بمثابة العمود الفقري للأسرة. لذلك فأن جهد المرأة
تعرض للإنكار والأستغلال دائماً كما في النظام
الرأسمالي الذي بالرغم من لعبه الدور في إدخال
المرأة على نطاق واسع في العملية الأنتاجية في
البداية إلا أنه عرضَ المرأة إلى أستغلال كبير
وذلك من خلال العمل بأجور منخفضة وساعات عمل
طويلة. لأن الرأسمالية كانت تحتاج إلى أعداد كبيرة
من اليد العاملة في ذلك الوقت ولهذا السبب فأن عمل
المرأة كان بالنسبة للرأسمالية أكثر نفعاً تبعاً
لوضعها في المجتمع، أي أن التمييز والأستغلال
الطبقي الأبوي الواقع على المرأة لعب دوراً
أساسياً في التراكم الرأسمالي منذ مراحل الأولى
على حساب جهد وعمل المرأة وماتزال حتى يومنا
الراهن تتابع سياستها في إستغلال المرأة بأساليب
أكثر بشاعة. وما نشهده الآن في عصر العولمة
(الشركات المتعددة الجنسية ) يدلنا على هذه
الحقيقة، فالمرأة في وجهة نظر هذه الشركات أفضل من
الرجال في البلاد الصناعية الغنية وكثير من البلاد
الأخرى للأسباب التي ذكرتها سابقاً.
ويثبت هذا
الواقع أن النظام الموجود بجميع مظاهره يشكل خطر
كبير يهدد الإنسانية بأجمعها، لذلك فأن الإنسانية
يجب أن تعي وتتفهم هذا الخطر الذي يتهددها وتقوم
بالنضال بشتى السبل لأجل خلاصها، وأن تعمل على
تقوية التضامن والتحالف الاجتماعي الديمقراطي الذي
يحمل الأهمية الكبرى في إيقاف وتحديد نفوذ الأنظمة
الحاكمة التي تسير على أساس السيطرة على الإنسان
والطبيعة والتمييز بين الأجناس. وإن مسؤولية
الحركات والمؤ سسات الداعية للتحرر لهي مهمة لأجل
تطوير التوعية والتنوير بين الشعوب لتجسيد النظام
الديمقراطي وبالأخص فأن نضال المرأة لأجل التحرير
لهو مهم جداً، لأن تحرير المجتمع يتحقق من خلال
تحرر المرأة، فهي المسؤولة عن تحرير ذاتها وتسيير
نضالها لأجل الحرية ضمن محور إيديولوجية تحرير
المرأة، وأننا نعي كحركة حرية المرأة بأن الوصول
إلى مرحلة بناء المجتمع الديمقراطي الأكولوجي يمر
عبر تحقيق (الثورة الديمقراطية، الثورة
الأكولوجية، الثورة الجنسوية) فهذه الثورات هي
المحور الأساسي لمسيرتنا في النضال لأجل التحرر.
ولأجل التخلص
من التمأسسات المتكونة على أساس الذهنية الأبوية
الحاكمة التي مازالت تقاوم وتعمل لخلق دنيا يحكم
فيها الأستغلال والتحكم، يتطلب منا نحن النساء خوض
نضال مرير في سبيل أنبعاث الذهنية البديلة لهذه
الأنظمة، وذلك بتجديد العقد بين كافة الفئات
الاجتماعية بناءاً على أسس الحرية. وفي هذا الخصوص
يعتبر العقد المتبادل بين الجنسين كحلقة رئيسية من
هذه الحقيقة. لأن المرأة وكما ذكرناه أنفاً لم
تتخذ مكانها ضمن المجتمع بأي عقد من العقود
الاجتماعية التاريخية والعصرية بإرادتها الحرة
وهويتها الجنسية. بحيث لم يمنح هذا الحق على مدى
تاريخ البشرية للمرأة وللشعوب الإنسانية التي ظلمت
واستعبدت معها، وعلاوة على ذلك فقد سارت الحياة
استناداً على العقد الأحادي الطرف في كافة ساحات
المجتمع، وتم تجريد إرادة المرأة والشعوب المظلومة
بهذه الوسيلة.
لذلك يجب
أبتداء عقد المرأة الاجتماعي بناءاً على أساس
تحرير المرأة من النظام الذي دحضها من الحياة على
مدى التاريخ، وبنفس الوقت تحرير نظام العلاقة
بينها وبين الرجل، والولوج إلى كافة ساحات الحياة
على أساس طفح ونشر مقاييس وأخلاق الحرية ضمن جميع
فئات المجتمع. وبمناسبة ذكرى يوم المرأة العالمي (
8 أذار) وإجلالاً للنضال الذي بدأته المرأة لا
يسعنا سوى متابعة وتقوية الميراث الذي بنته لنا
النساء في تلك الحقبة بخوض النضال لتحقيق آمال
وأهداف المرأة وجميع الشعوب المضطهدة في الحرية
والمساواة والديمقراطية.
ونعهد للأنضمام
إلى الحياة بطابع المرأة الحرة ونظامها المجتمع
الطبيعي الأمومي ونأخذ أسس الأخلاق الحرة والجميلة
كأساس لنا في الحياة، فنظام المرأة هو الذي سيأتي
بالسلام للإنسانية وهي التي ستبني من جديد
المبادىء التي تسير عليها الإنسانية في أمن وسلام،
كما خلقتها أيضاً في بدء التطور المجتمعي
للإنسانية وسيصبح القرن الواحد والعشرين قرن
المرأة بوحدة وتضامن جميع النساء في العالم من أجل
وئام وخلاص الإنسانية