ظلمة الوجه العراقي: قدر النساء

دستينا

وبينما أبحث عن المعلومات لتساعدني في أكمال ملفي حول"إنتحار النساء" في منطقة الشرق الأوسط عامة، ومناطق كردستان بشكل خاص.

ففي العراق كان علي أن أنبش في صفحات كتب عراق التاريخية حتى أتوصل إلى أسباب حالات إنتحار النساء المتزايدة ضمن هذه الجغرافية التاريخية العظيمة، فأراضي ميزوبوتاميا تعتبر مهد الحضارة السومرية ونظامها الدولي المتجزر لقرون طويلة، وأرضاً للقوانين والقواعد الأساسية التي ترسخ عليها هذا المجتمع منذ بداية التاريخ وحتى يومنا الراهن  والتي نراها جليا في الواقع العراقي.

يضحى بالفرد في سبيل المجتمع، والذهنية الدينية المتجزرة، وواقع الشعب العراقي الذي يعيش فيه نتيجة الحروب والصراعات التاريخية، وأشكال السلطة المختلفة حكم الأنكليز في عام /1917 /  اتفاقية سايكس بيكو، وحكم الأمبراطورية العتمانية، وحكم صدام حسين، واليوم الحكم الأمريكي أبشع أشكال الإدارات الدولية.

أما بالنسبة للمرأة فالمعابد السومرية هي أولى المعابد التي أستعبدت فيها النساء، كانت المرأة هي الضحية الأولى لهذا النظام الرجولي الذكوري الذي مازال يستمر حتى يومنا هذا.

لاحظتُ المسافة المتلاصقة بين حكم صدام والمداخلة الأمريكية. لا فرق ملحوظ! البارحة كان حكم الديكتاتور "صدام حسين " واليوم حكم الديكتاتور الأمريكي " جورج بوش " في العراق. مختصر الكلام: لا يوجد فرق بين صدام وبين جورج بوش الذي كان يدعي بأنه سيجلب الديمقراطية الى هذه الديار، وإنه سيخلص الشعب العراقي من حكم الفاشية صدام.

أستطيع القول: بأن المداخلة التي كرستها أمريكة على العراق هي نقدها الذاتي للشعب العراقي لأنها كانت السبب في تزاخم ممارسات صدام الوحشية بتأيدها له، ولكنها عندما رأت بأنها لن تتحكم بصدام فأعلنت المداخلة بذرائع عديدة ومن بينها أنقاذ الشعب العراقي من حكم صدام. كما يقال "عذر أقبح من ذنب" العذر الذي تتزرع بها أمريكا أقبح من ذنبها المرتكب بحق العراق وشعبها.

كان قد وضع صدام حسين القوانين لكل شىء في العراق، على رأس كل حي أو شارع  كان يوجد شرطي، كان الكبت والقمع أسلوب صدام في تربية وتأديب الشعب. لذا فكان الهدوء سائداً في جميع أرجاء العرق خوفاً من الطاغية  صدام حسين.

العلاقة الدارجة بين الرئيس والشعب العراقي هي علاقة الظالم المتعلم على التسلط والظلم، والشعب المظلوم المتعلم على الخنوع والخضوع لسلطة الظالم، أي علاقة العبد والمالك. إن ما يعاش في المجتمع العراقي لا يمكننا القول عنها بأنها مشكلة فهي تراكمات من المشاكل، أزمة إجتماعية تعاش في العراق. هذه الأزمات متمخضة عن الكبت والظلم  والتربية التي ترعرع عليها شعبنا العراقي، كان صدام يربي الإنسان كما تربى الحيوانات، بني آدام لا يربي بالقمع والضرب والقتل. فالمجتمع العراقي لم يصادف يوماً ما كلمة قيمة الإنسان فهو مجتمع شرقي يضحى بالفرد وبحرياته وبحقوقه في سبيل مصلحة المجتمع وتطوره وسمعته وأسمه.

عند النظر الى عائلتنا الشرقية الكبرى، أمنا الشرقية  أنجبت توأم أخوة، كلهم متشابهين. فالعراق بمثابة الأخ  الصغير لإيران إلى جانب الأخوة سوريا وفلسطين والمغرب وغيرها،  فلا فرق بينهم فكلهم أبناء عائلة واحدة مجتمعات ذكورية.

وبينما كنت أنقب عن واقع المرأة في بين كل ما أسلفت ذكره، ومشاكلها الإجتماعية وخاصة  أسباب الإنتحارات المتفاقمة في العراق وفي أقليم كردستان العراق. لألبي مستلزمات ملفي، التقيت مع" الأنسة مهابات"  الناشطة في "مكتب شؤون المرأة" في العراق. ناقشنا حول الأوضاع الحالية في العراق بعد المداخلة، وبينما كنا نناقش ذكرت الملف الذي أنا بصدده فساعدتني في كتابة ملفي وأكسابي المعلومات. فمن جملة أقوالها بصدد المجتمع العراقي ومشاكل المرأة فيها:" علينا في البداية معرفة الذهنية التي يعيشها الشعب في العراق الآن، فطراز حياتهم وذهنياتهم مترسخة على أساس النظرة المؤقتة للحياة  المتمخضة عن الحروب الممارسة عليهم. عندما كنت أقُدم على زيارة بعض العائلات، كنت أرى الصور المعلقة على الجدران، يقولون: "إنها صور أبناءنا أستشهدوا في الحروب".  كانوا يرددون على الدوام البارحة كنا نعيش تحت سيطرة الفاشية صدام، وكنا اسيرين لحكمه إلا إنا قبل المداخلة كنا نقول لربما تكون المداخلة الأمريكية أفضل من حكم صدام وننتهي من تسلطه وأمتصاصه لدماء شعبنا العراقي، ولكن لافرق بين اليوم والبارحة". ربط الشعب آماله مرة أخرى، وبفاتح أخر حاملاً سيفهُ، ولكن بعد المداخلة لم تتحقق آمال الشعب العراقي. وكانت مداخلة أمريكا أفظع من حكم صدام، تدفقت الحروب المذهبية والإنفجارات والمجازرالجماعية والرعب والأرهاب.

شعبنا العراقي لم يذق طعم الحياة قط يوماً، فالمنطق الدارج  بين شعبنا في أقليم كردستان العراق هي" الحياة فارغة" لاقيمة لها، فالقرد العراقي بات لا يعرف كيف يعيش في العراق!.

مع المداخلة الأمريكية التي أدعى مكريسيها بإنها ستحقق الديمقراطية الأمريكية (طبعاً)، ولكن بعد المداخلة التي أعلنت أمريكا بوسيلتها نفسها بالمنقذ لحياة الشعب العراقي. ولكن مع الأسف أزدادت نسبة العمليات الأنفجارية التي أسفرت عن قتل المئات من المدنين الأبرياء، والموجة  الإسلامية التي تعالت في طليعة الشيعة الإيرانية في العراق التي تمخضت عنها كارثة حرب المذاهب وأرهاق دماء الشعوب تحت قناع أختلاف المذاهب، والتي باتت ترعب الشعب وتخيفه الى درجة يخاف من الخروج أمام باب منزله. الهجمات التي تطبق في العراق تأخذ أرواح الناس وهم جالسين في بيوتهم, ويذبح المرء كالدجاج  ويرمى بالجثث في أوساط الطرقات لأسباب غير معلومة, فهذه المناظر اللاإنسانية باتت جزءاً من المسرح العراقي وحياته، الى جانب إنعدام الأخلاق، والفقر الأقتصادي الذي بات يدفع بالشعب إلى السرق والنهب.

أما بالنسبة للمرأة التي كنت أفكر دوماً أين هي مكانتها بين هذه الضجة" ياأنسة مهابات إن ماذكرته بصدد واقع  الشعب العراقي هودارج بالنسبة للمرأة أيضاً، فازدادت قيود العبودية على المرأة في العراق، حيث القهر والعذاب والقتل والعنف بشتى أشكاله، والإنتحار بنسب عالية.    فماهي أسباب الإنتحار الدارج بين صفوف المرأة في العراق بشكل عام؟ والمرأة الكردية بشكل خاص؟.

بعد المداخلة الأمريكية أسست أمريكا مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني لكافة شرائح المجتمع، كما أرادت أن تمد يدها الى الشبيبة والمرأة، فأسست رابطات ومراكز ثقافية ودورات للتعليم أن الجهل والتخلف أكثر أندلاعاً بين  صفوف المرأة وبنسبة أكبر.

فالشعب العراقي بات كالذي ينتقل من ذروة لأخرى، فالمرأة التي كانت تمُنع من الخروج من بيتها. كيف لها الذهاب االى هذه الرابطات؟، وكيف ستتعامل مع هذه التطورات؟. المرأة في العراق تتأرجح بين سندان الواقع التاريخي والإجتماعي للعراق والموجة الإسلامية، وبين ما يفُرض عليها من قبل أمريكا.  تتأرجح بين مخالب الثقافتين الشرقية والغربية.

وضع المرأة في العراق يشبه وضع المسجونين الذين ينتقلون من معتقل لأخر من عذابٍ إلى آخر النساء وخاصةً الفتاة الشابة تتعرض للعنف من قبل أباها وأخاها في البيت، وفي بيتها الزوجي تتعرض للعنف من قبل الرجل الذي هو زوجها. تُخطف الفتيات بكثرة في العراق ويقتلن، فالفتاة في العراق لايمكنها المشي لوحدها بدون رجلاً الى جانبها.

الزواج القسري وبيع الفتيات مقابل المال أمرٌ زائع في العراق بعد المداخلة. أمثلة رأيتها بأم عيني فتاة في الثالثة عشر من عمرها باعها أباها لرجل في التسعين من عمره متزوج وأولاده متزوجون، الفتاة التي سيتزوج الرجل إنها بعمر حفيداته، فأنتحرت الفتاة. وإلى جانب ذلك الضرب يعتبر من إحدى أشكال العنف الجسدي الذي تتعرض له النساء في العراق، سأذكر مثال رأيته  بعيني بينما نحن زوار بيت ما في" مدينة كركوك" كنا جالسين، وإذا بالأب بدأ بضرب أبنته في حضورنا. المجتمع العراقي كمثيلاته من المجتمعات التي سلب منها الأستعمار كل شيء ولم يترك أمامه أي سبيل سوى الجنس، لإشباع غرائزه الجنسية، المرأة هي السبيل الوحيد أمام الرجل في العراق حتى يفرغ طاقته الكامنة في داخله، كل هذه المشاكل الإجتماعية التي باتت ككارثة أنقضت على المجتمع تتمخض عن سياسات الإستعمار والذهنية الإسلامية هي الدوافع الأساسية لإنتحار النساء في العراق. ولكن الملفت للنظر هو تزايد حالات الإنتحار في المناطق الكردية كما شهدت بعيني فتاة أسمها" صبرية "في" قرية أسوس" في الخامسة عشر من عمرها فرض عليها عائلتها الزواج من شخص لا تحبه، ففي يوم زفافها أحرقت نفسها, وصادفت مثال صبرية في قرى أخرى كقرية" برادوست" القريبة من"مدينة ديانا"والعشرات من الأمثلة المتكررة في العراق يومياً.

المجتمع العراقي خاص بالرجال ولامكانة للمرأة فيها، حالات الإنتحار تتمخض عن الكبت والقمع المفروض داخل العائلة على المرأة. بحثت عن أوضاع المرأة في بعض المناطق الكردية كمنطقة" السليمانية " فالعديد من الفتيات اللواتي يعلنَ ويصرخن عدم خضوعهن للعادات والتقاليد والأعراف المميتة المتجذرة من التاريخ، بالإنتحار وحرق أنفسهن للهرب من وطأة ممارسات النظام الحاكم. فقد وصلت إحصائية النساء اللواتي أنتحرن بطريقة الحرق الى /28 / أمرأة، وذلك منذ الأول من كانون الثاني في المدينة، وإن حوالي/ 120/ أمرأة يضرمن النار بأجسادهن في كل سنة في مدينة السليمانية بين النساء الكرديات.

 إن هذه الإنتحارات تعكس مدى القهر والتبعية والظلم  وحرمان المرأة من حقوقها وحرياتها، فاليأس والكآبة والأحباط الذي تتعرض لها النساء في إقليم كردستان العراق. كثيرات هن النساء اللواتي يفكرن في الإنتحار وحرق أنفسهن.  

ظاهرة "المصاحبة" أو الزواج المؤقت الذي يمارس ويتستر عليها, حسبما ذكرت لنا الأنسة مهاباد الناشطة في مكتب شؤون المرأة، في جامعة السليمانية خلال سنة واحدة أقامت /60 / فتاة جامعية علاقة جنسية قبل الزواج أي بقيت حامل. كما تتفاوت ثقافة الشلة بين صفوف الشباب والعلاقات الجنسية تحت أسم الحرية الشخصية، لاأعرف هل هذه العلاقة أحدى أوجه تقليد الحياة الغربية، أم هي التطورحسب وجهة نظر من يمارس هذه العلاقة.

إن هذه العلاقات ناتجة عن الكبت، وحصر هذه العلاقات بين جملة المحظورات التي تفرض على كافة شرائح المجتمع والمرأة بشكل خاص. المجتمع هو المسؤول عن هذه الممارسات التي لم نعتاد على رؤيتها قط في مجتمعنا  الشرقي.

في هذه السنوات الأخيرة بات يطفو على السطح بعد الصمت السائد على مجتمعنا في الشرق الأوسط، كأنتحار النساء والعنف التي باتت تطفوكالخشبة فوق سطح مجتمعنا رغم كل الجهود المبذولة في سبيل طمسها.   

لا أدري مجتمعاتنا الشرق أوسطية بحاجة للتغير، وإلا سنعيش الكوارث في الأيام المستقبلية، إعاقة هذه المهالك هي مهمة المثقفين والواعين في المجتمع العراقي وأقليم كردستان العراق. يتطلب الأسراع من عجلة التطور وإحداث التغيرات من الناحية الإجتماعية، وخاصةً الواقع الذي تعيشه المرأة الكردية والإنتحارالمتفاقم بأعداد هائلة.

 النساء الشرقيات يتحلون بثقافة المقاومة فكما حاربت "تياماد" في وجه "ماردوك" في المجتمع الهرمي المرحلة الأنتقالية من سلطة الأمومة الى سلطة الأبوة ناضلت الألهات بكثرة، فحالات الإنتحار تعني أستمرارتلك الثقافة عند المرأة الشرقية، ولكنه ليس سبيل المقاومة الوحيد أمام المرأة الشرقية والكردي بشكل خاص.

فالنضال والصراع ضد الثقافة الذكورية هي السبيل الأساسي لتأمين إنتصار المرأة، وكما هي مهمة تقع على عاتق جميع النساء الواعيات في المجتمع.

 
 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006