مستوى حياةِ النساء في مجتمعٍ ما معيارٌ أوليٌّ في معرفةِ ذاك المجتمع

هفيدار رابرين

 

تعتبر قضية المرأة من أهم القضايا الاجتماعية التي يجب الوقوف عندها، لأنها تشكل العنصر الهام والأساسي في تكوين بينة مجتمع الإنساني. فإذ لم نقوم بتحليل حقيقة المرأة، لا نستطيع حينها التحدث عن حرية المرأة ولا نستطيع القيام بالتحدث عن حرية المجتمع الذي نعيش فيه. إذ لم تتحرر المرأة وإن لم تبذل الجهود الكافية لأجل حريتها، عندئذ سيكون التحدث عن المجتمع الحر أمراً صعب بالنسبة لنا. بما إننا نسعى إلى خلق مجتمع يسوده الحرية والحياة؛ فيجب علينا النضال من أجل ذلك وخلق أرضية مناسبة في سبيل وصول المرأة إلى أهدافها وتحقيق كافة رغباتها في العدالة والمساواة لأجل المجتمع. انطلاقاً من هذه الرؤية، نستطيع القول أن حرية المرأة هي ضرورية أساسية في جميع الحالات، ليس من أجل بناء مجتمع للإنسانية فحسب؛ بل من أجل بناء مجتمع متماسك فكرياً، أخلاقياً واجتماعياً، تقوم فيه المرأة بدور الطليعة وتعمل على إدارة شؤون المجتمع. فترك الإنسانية للإنصاف المرأة سيكون فرصة كبيرة من أجل تنظيمه وتحقيق تطورات وتغيرات جذرية في البنية الذهنية للمجتمع الذي سيطر عليه الرجل منذ ألاف السنين. بالتالي فـأن التخلص من الذهنية الرجولية المزيفة التي تعمل على إفساد المبادئ والمفاهيم الأخلاقية والثقافية لدى الإنسان، وترسيخ نظام ديمقراطي أخلاقي في مكانه لتنوير أفاق جميع أفراد المجتمع وخاصة النساء لإنشاء وتكوين بيئة أكولوجية ديمقراطية تحمل في فحواه الأخلاق، العدالة و المساواة.
نضال تحرير المرأة جزء لا يتجزأ من نضالنا التحريري الكردستاني ويعد من أهم النشاطات التي ستؤدي بالمجتمع إلى حريته واستقلاله. فإذا غاب دور المرأة كإحدى عناصر المجتمع أو أزيحت عن وظائفها الاجتماعية وعدم الاعتراف بحقوقها الشخصية سيؤدي إلى اختلال في التوازن الاجتماعي. لأن المرأة تشكل تلك الحقيقة الاجتماعية التي كانت لها دور كبير في ولادة المجتمع الإنساني، واستطاعت أن تلعب دور الإلهة الأم في كافة مجالات الحياة، فهي التي قامت بجمع الثمار وتربية الحيوانات وزراعة النباتات، وهي التي أوجدت الطاحونة اليدوية، وعملت على رعاية الأطفال وتأمين شروط الحياة للجماعات التي كانت تعيش ضمنها. كانت هي المسئولة عنها ولكن بعد أن أستلب الرجل الإدارة من المرأة، استعبدها، لتنتهي عصر المرأة الإلهة وبدأ عصر سلطة الرجل، ومنذ ذلك الوقت دفعت المرأة للفحوش وأغلق عليها باب البيت وبيوت الدعارة العامة ليستمر هذا الوضع إلى يومنا الراهن.
لذا يتطلب من جميع النساء معرفة تاريخهن والتركيز على كل المراحل التي مرت بها، بالإضافة للوقوف عند كل المراحل التي مرت بها، فإن لم تقم المرأة بتحليل شتى المراحل التي مرت عليها، كالمرحلة العبودية، الإقطاعية والرأسمالية لن تستطيع القيام بتحليل السلطة الرجولية الراهنة وعندئذ لن تستطيع تحليل الأوضاع التي تعيش فيها، ولن تتخلص من الحالة التي هي الآن فيها.
المرأة؛ مسجونة بين أربع جدران ويغلق عليها باب المنزل ويحكم عليها بالعيش في الظلام، تقضي جميع أوقاتها من الصباح حتى المساء في المطبخ، ورعاية الأطفال. ليست لها أية علاقة مع العالم الخارجي. ماذا يجري؟ ماذا يحدث؟ ماذا يجب عليها أن تعمل؟ لا تعرف و لا يوجد هناك من يقول لها يجب أن تخرجي من عالم البيت والمطبخ والأطفال. يجب أن تنظري من حولكِ ماذا يجري في هذا الكون الواسع؟ وماذا تفهم هذه المرأة الضعيفة من الكون؛ فالكون أصبح بالنسبة لها حجرة صغيرة لا غير. لقد قام النظام الرأسمالي الذي بات ينتقم من المرأة ويقوم بمحاصرتها من جميع الجهات بتحويلها إلى خرقة بالية خلال أربع وعشرين ساعة. فهي الآن؛ وجهاً لوجه أمام ثقافة الاعتداء والاغتصاب في الكثير من الدول الشرق الأوسطية والغربية. ومن هنا يمكن القول أن جذور الثقافة اللأخلاقية قديمة بقدم تاريخ استلاب الرجل لقداسة المرأة منذ خمسة ألاف سنة قبل الآن. في كل يوم يتعرض عدد كبير من الأطفال النساء لهذه الممارسات البشعة وتزداد معدل النساء اللواتي يتعرضن لهذه الثقافة اللاقانونية والتي تعمل على رج دور المرأة من الحياة. وإبعادها عن جميع مجالات النضال والكفاح المتصاعد من أجل الحرية، وعدم إفساح المجال لها للقيام بإدارة الاقتصاد في المجتمع أو إدارة شؤون شركة، معمل أو جمعية ما.
الواقع الذي نعيش فيه؛ هو الذي جعل المرأة في هذه الحالة، لأن الذهنية الرجولية الحاكمة التي تعيش ذروة الأزمة في عالمنا تسعى بكثافة من أجل خلق تخلف عام في سلوك ووعي الإنسان وخاصة المرأة. هذا التخلف الذي يجعل من المرأة هزيلة و في وضع لا حول ولا قوة لها، أسيرة مقيدة الأيدي والأرجل. لتغدو المرأة العنصر المستخدم في كل فراغات المجتمع الرجولي، كأنها آلة بيد الرجل أينما يريد أن شاء يقوم باستخدامها، يعاملها الرجل معاملة إنسانة بسيطة لا تعرف رأسها من قدميها. هي الأسيرة في يد الرجل، فمتى يريد أن يفرج عنها، متى يريد يتركها ويتزوج من غيرها، ومتى يريد يعاملها معاملة سيئة، ومتى يريد يعاملها معاملة حسنة وهو الذي يقرر بحقها. هو المسئول الأول والأخير عنها وعن كل شيء تقوم بها وهو المسئول عن كل حركة منها. فإذا أراد قام ببيعها أو قام باستعراضها في كل دقيقة على شاشة التلفزيونات في كافة الإعلانات والمسلسلات! ليجعل منها سلعة تجارية بيده. يتصرف بها كما يشاء هو لا كما تشاء المرأة.
لنتصور معاً كيف تستطيع هذه المرأة التي تعيش كل هذه الألأم أن تقول بأنني أعيش أو إنني أحيا من أجل الحرية؟. هذه المرأة التي ماتت في مستنقع المجتمع المحكوم بسلطة الرجل، هي التي تواجه الموت، العذاب، الألم، والحزن في كل ثانية وكل دقيقة من حياتها. إنها وجهاً لوجه أمام معركة ساخنة وفي ساحة الحرب، لا تحمل السلاح في يديها لهذا لا تستطيع الخروج منها ولا تستطيع أن تقاوم، تتحدى أو حتى تتصدى لهذه المعركة الحامية، فهي المحاربة المكبلة بالقيود الحديدية ومعقودة اللسان، إذ شد الرجل عليها بكت في حجرة صغيرة من بيتها، و إن قام بضربها، تبقى سجينة في زاوية من زوايا هذا البيت وإن اتهموها بتهمة ما، قتلوها تحت اسم الشرف والناموس أو رجمها بالحجارة يعني سيكون مصيرها الموت. لكي تتخلص هذه الفتاة من العذاب والعقاب المكتوب على جبينها، أو ما يسمى في المجتمع بقدرها. تراجع هذه الفتاة أبشع الأساليب وطرق الخلاص من العبودية والظلم التي تفرض عليها بحيث ترتكب أكبر ذنب بحق نفسها، فتقوم بالإنتحار أو حرق في لهيب النيران التي تحررها من عبودية أبوها أو أخوها أو زوجها.
إلى جانب كل هذه الممارسات التي تمارس بحق المرأة، تبقى المرأة جاهلة ضعيفة عاطلة عن العمل في المجتمع الرأسمالي الحداثي على الأغلب وتحرم من الدراسة ولا تنضم إلى أي نشاط يعمل على تطوير فكرها وذهنها، لهذا لن تستطيع التخلص من الذهنية العبودية والإقطاعية المفروضة عليها وهي ما تزال في المهد ومن ثم تفرض عليها كافة قوانين المجتمع التي تبعد المرأة عن جوهرها الطبيعي؛ مثال مسألة وضع الحجاب على رأسها وهي مازالت صغيرة السن في الكثير من الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، إلى جانب حرمانها من النشاطات الاجتماعية التي تعمل على انفتاح أفاق المرأة والتعرف على ما يجري من حولها، والخروج من طوق العائلة والبيت التي هو سجن المرأة، بالإضافة لعدم التعرف على حقيقة العشق الذي يجب أن يحدث بين المرأة والرجل، ماذا يفهم الرجل من العشق؟ وكيف يتقرب من العشق؟ ونسبة تعمق المرأة على كل هذه الأمور المهمة بالنسبة لها قليلة. فالمرأة لا تملك المعلومات بصدد الرجل الذي يفهم العشق على أنه العلاقة الجنسية بينه وبين زوجته فحسب. بذلك يغطي على الحقيقة التي تحتوي على إن العشق بمعناه الحقيقي يعني الابتعاد عن اللذة الجنسية التي تحدث بين الرجل والمرأة. لأن العشق يعني تصعيد مستوى الحرية المتبادلة والموجودة في أخلاق الإنسان، وممارسة الجنس مع المرأة لا يعني عشق الرجل أو محبته للمرأة بل هو إنكار لعشقهما، وهذا ما يشير لنا على أن هذا الرجل لا يفهم أي شيء من العشق، بل نستطيع القول أن هذا الرجل هو عدو العشق ولم يصل إلى مستوى يستطيع فيه فهم الحرية التي يجب أن تصل إليها المرأة وليس لديه أية مشاريع من أجل فهم جوهر الحرية المتمحورة حول المرأة. بالتالي وفي هذا الوضع يترتب على المرأة التصرف كإلهة من أجل تحقيق حريتها، وأن تجعل من حريتها عقيدة وديناً لها، والإيمان بذلك والعمل من أجله.
رغم إن المرأة كانت تحترم وتبجل وتتمتع بكامل حقوقها في الكثير من الحقب الزمنية مثال النيولتية والحقبة الزردشتية، أما الآن وبسبب العادات الوافدة والدخيلة إلى بنية المجتمعات فقدت المرأة معظم هذه الحقوق التي كانت ملكاً لها وفرض عليها الاضطهاد والظلم وباتت في وضع صعب الآن.
من هنا أريد أن أدلي ببعض أرائي من أجل المرأة، لأن العوامل التي يجب على جميع النساء القيام بها في المجتمع؛ هي أولاً أن تقوم بتطوير ذاتها من خلال التعليم والعمل، لأنه للعلم والعمل أهمية كبيرة وأساسية في عملية تحرير المرأة، فالمرأة من خلال تحررها من التبعية الاقتصادية للرجل تستطيع أن تساهم بفعالية أكبر في القضايا الاقتصادية، العلمية والسياسية، أي أنها ستمارس دورها الطبيعي في المجتمع وستساهم في مختلف جوانب التنمية. بالتالي فأن تحرير المرأة هنا يكتسب أهمية وضرورة اجتماعية وأخلاقية، أقول أخلاقية لأن الظلم يبقى ظلماً والاضطهاد يبقى اضطهادا أينما وجد ولا يمكن تبريرهما بأي حال من الأحوال، فالمرأة جزء لا يتجزأ من المجتمع الإنساني وحقوقها جزء لا يتجزأ من حقوق هذا المجتمع وأعتقد بأنه لا يوجد أي مبرر قانوني أو أخلاقي أو شرعي يستبيح اضطهاد المرأة واستلاب حقوقها.
على جميع النساء في العالم وخاصة في الشرق الأوسط، القيام بنضال الحرية والديمقراطية من أجل حريتها وحرية جميع الشعوب التي تناضل في سبيل الديمقراطية والسلام. كذلك عليها التصعيد من نضالها الإيديولوجي، التنظيمي والثقافي من أجل تطوير جميع شرائح المجتمع الأخرى والقيام بالعمليات الديمقراطية في العديد من ساحات النضال المختلفة. بذلك ستحقق المرأة باندفاعها وغبطها التي ستستمدها من كفاحها النصر والسلام لجميع الإنسانية. من جانب أخر عليها القيام بتأسيس الأكاديميات الخاصة للمرأة من أجل تطوير قوتها وحماية وتطوير ذاتها من الناحية الذهنية والروحية. لكي تتمكن المرأة من تجاوز ثقافة الاغتصاب والاعتداء عليها؛ يترتب عليها تقوية مستواها من الناحية النظرية والإيديولوجية، وتأسيس مجموعات وتنظيمات خاصة لها. لأن المرأة بدون تنظيم لا يمكنها تحقيق أي شيء، كما يجب أن يكون شعارها التفكير الحر والتنظيم بشكل كبير في كل مكان من العالم. إلى جانب العمل كثيراً على شتى المواضيع المتعلقة بحرية المرأة وإرادتها وكيف تستطيع الوصول إلى الحلول المناسبة لجميع القضايا والمسائل الاجتماعية الخاصة بها؛ كمسائلة الأطفال، البطالة، ثقافة الاغتصاب والاعتداء على النساء من قبل الرجل والكثير من المسائل الاجتماعية الأخرى.
تناول جميع هذه الأمور مهمة بالنسبة للمرأة الساعية للنضال من أجل الحياة الحرة. وكل النضال الذي ستقوم به ستضيف مزيد من الجمال على ذاتها وستقوم بعملها على نحو أفضل، وستصبح صاحبة مهنة، عندئذ ستقوم بإدارة الاقتصاد بشكل أفضل، وترعى الأطفال بشكل أحسن. يعني تحرر المرأة هو تحرير المجتمع، فإن تحررت المرأة المستعبدة فكل هؤلاء ستحررون ويتطورون. على المرأة حماية روحها ووعيها لتحقيق الأفضل للإنسانية المتقدمة. حينها نستطيع القول بأنه بالنضال والكفاح ستحرر المرأة من مستنقع الرأسمالية التي تستعبد جنس المرأة وتتركها في بئر الموت. إنطلاقاً من هذه العبارة سيكون شعار كل النساء في العالم، الحرية لنا ولقائد جميع الإنسانية القائد آبو الذي فتح لنا طريق نضال الحرية وسنح لنا فرصة الكفاح والتنظيم في جميع الأماكن وأعطى الجواب المناسب لسياسة النظام الرأسمالي العالمي الذي دخل مرحلة بات ينتقم فيها من المرأة. ومن هنا يمكن الإشارة على أن المرأة المناهضة للنضال هي التي ستحقق النصر والنجاح والتي ستأتي بالديمقراطية والسلام لجميع الشعوب المغتصبة.







 

 

 

الصفحة الرئيسية

قائمة المحتويات
محراب الحرية
همسات قلوبنا
أخبار وبيانات
مقالات
حوارات
أداب وفنون
أشعار
ألبوم الصور
كتب
للإتصال
وثائق
تجمع النساء الساميات
حزب حرية المرأة الكردستانية
إتحاد المرأة الحرة
ارتباطات

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2011