عراق ومأزق الهوية

هيفي جودي

عندما نلتفت إلى الوراء ونلقي نظرة فاحصة وموضوعية على التاريخ سوف نصل لا محالة إلى نتيجة مهمة للغاية وهي أن التاريخ عبارة عن صراع مستمر وأن من ينادي بنهاية الصراع، فإنه ينادي في الواقع بنهاية التاريخ. وأن عمر الشعوب والمناطق والدول والمدن والأجناس وحتى الأعراق تمر في مراحل أشبه بمراحل عمر الإنسان في بوتقة هذا الصراع المستمر، كمرحلة الطفولة والمراهقة والنضوج والشيخوخة والأهم من هذا وذاك فانه وكما لمرحلة طفولة الإنسان أثر بليغ على مراحل عمره المتعاقبة فأن لمرحلة طفولة تلك المصطحات التي نوهنا إليها أثراُ كبيراً على المراحل التي تعقبها عبر التاريخ. فالشروط الجغرافية والبيئية والحرفية والدينية والعقائد والمعتقدات البدائية والأدوار التاريخية المميزة التي لعبتها ودخلت بها أبواب التاريخ لأول مرة، تجعلها تكتسب طابعاً مميزاً يميزها عن باقي الشعوب والأقوام والمناطق و...إلخ لتصبح ومع مرور الزمن أشبه بهوية إيدولوجية ينتمي اليها الأفراد والأقوام والمجتمعات فيعتزون بها ويتبنونها ويعيدون احيائها كتراث قومي وقبلي بأشكال وأساليب جديدة في المراحل الزمنية المتعاقبة وبأختلاف مفهوم الزمان والظروف المادية، فيتغلغل هذا التكوين الذهني والوجداني في كل خلايا وأنسجة المجتمع (بقيمه وأعرافه ومعاييره) وينعكس على أوجه الحياة المختلفة كالسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية.

الصراع التاريخي بجميع مستوياته أصبح بعد تقدم العهد سمة إنسانية سرمدية تغذي نفسها بنفسها كضرورة جدلية، ولكن استمرار صراع تقليدي بعيد عن سمات العصر وحاجياته وهويته الإيدولوجية تجعله صراعاً مخيفاً ورجعياً يؤدي إلى هدر طاقات هائلة من البشر ومن مواردهم المادية والمعنوية. فالصراع بحد ذاته أمر ضروري ولكن المهم في الصراع هو أهدافه وأسبابه. لذا فالمجتمعات والبنى الاجتماعية في مكان وزمان ما إذا لم تمر بعمليات بناء جديدة تتجاوز فيها طابعها التقليدي على أساس صراع داخلي عنيف سوف يتحول فيها ذلك الطابع المتجذر إلى موروثة اجتماعية خطيرة تجري في نخاعها رغم أنف متطلبات العصر، لتسيره وتقرر مصيره ومواقفه المستقبلية. كما يحدث اليوم في المجتمعات الشرق أوسطية حيث أدى عدم تكيفها مع شروط العصر وسماته إلى تقوقعها على نفسها ودورانها في دوامة العجز والعنف والضعف والجهل لتصبح حسب القوانين الجدلية قوة معرقلة لآليات تطورها الذاتي من الداخل وعقبة في طريق التطور العام والشامل، ومن هنا يأتي الوصف الذي أطلقه السيد عبد الله أوجلان على منطقة شرق الأوسط كونها شخصية تاريخية بحد ذاتها، فتحليل دقيق كهذا يجعلنا نصل إلى نتائج واضحة وبينة بالنسبة للعراق الذي هو غاية دراستنا هذه. فاذا كانت منطقة شرق الأوسط شخصية تاريخية بحد ذاتها فأن العراق يمثل أقوى وأضعف نقاط تلك الشخصية التاريخية، من حيث أنها كانت قلب التطورات والمنجزات الحضارية في فجر التاريخ البشري وهو اليوم يمثل أكثر العقد الايديولوجية جموداً واستعصاءً عن الحل، بحيث أصبح أشبه بمستنقع موحل يعرقل عودة مياه الحضارة والرقي إلى مجاريها القديمة والأساسية ويصر على هويته التقليدية التي تعود على التعامل معها وكأنه اسم أطلق عليه منذ ولادته ويصعب بالتالي تغيره وتبديله باسم آخر يختاره بمحض إرادته ووعيه التاريخي والعصري على السواء.

العراق من حيث جذوره التاريخية يمثل البلد الأول الذي ظهرت فيه المجتمعات الطبقية بمؤسساته كالمعابد والأسواق والمخازن (لجمع الإنتاج الزائد) وبيوت الدعارة. وهو البلد الأول الذي تعرف على المصطلحات الطبقية الذكورية المهيمنة كالعملة النقدية، الملكية الخاصة والإنتاج الزائد ومصطلح الإله والعبد والذي تحول إلى صيغة حكم تسلطية مستعبدة، هي صيغة (الملك ـ الإله) و(ظل الله على الأرض) فيما بعد والتي تعود جميع الألقاب والأسماء والأوصاف السلطوية فيما بعد وفي المجتمعات البشرية الأخرى إلى هذه الصيغة البدائية والتي مازالت مهيمنة بأشكال جديدة على ذهنية المجتمع العراقي كموروثة اجتماعية تعكس مضمونها على جميع مجالات الحياة، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأدبية و..إلخ. السمة التاريخية الأخرى للمجتمعات الطبقية الأولى التي ظهرت في جنوب وادي الرافدين وتجذر مثل النزعة القبلية تعود إلى المرحلة الإنتقالية بين آفول المجتمعات النيولوتية وظهور المجتمعات الطبقية ـ الأبوية. فكل الدراسات الميثولوجية والدواوين التاريخية تؤكد أن التحول من المجتمعات النيولوتية إلى المجتمعات الطبقية الهراركية في هذه المنطقة لم تحدث بأشكال وأساليب عنيفة ودامية إلا أن نفس الدراسات تؤكد وتبرهن على أن المجتمع الطبقي البدائي برهبانه وأربابه وملوكه لم يصعدوا دفة الحكم ولم يتربعوا على عرش السلطة إلا عن طريق المؤامرات والدسائس والمكائد حتى سلبوا الإلهة الأم حقوقها ومكتسباتها وحرفوا من بعدها التاريخ وتبنوا كل مساهماتها النيولوتية والصراع الذي أستمر بين الإله أنكي وتيامت ليس إلا دليل ميثولوجي على تلك الأحداث التاريخية. هذه الميزات التي أشرنا إليها أصبحت طابعاً سياسياً للأنظمة الحاكمة في العراق وامتدت إلى يومنا الراهن. فالطابع الأوتوقراطي والمونارشي والأساليب الملتوية في الوصول إلى السلطة لم تكن إلا نتيجة لتلك المراحل التاريخية السحيقة، فرغم ضخامة التغيرات والتحولات التي طرأت على البشرية فأن الأوضاع الأساسية لأنظمة الحكم السياسية في هذه المنطقة لم تتغير كثيراً وبالأخص في ثلاثة ألاف السنة الأخيرة والتي تجسدت أكثر في الأحداث التي تزامنت مع القرن العشرين. هذا الطراز الذي أثر سلباً على جميع الفعاليات الحياتية للمجتمع العراقي وجعله بلداً شاحباً منغمساً حتى الرأس في فضاء رمادي عقيم والثمن كان خسارة حضارية كبيرة، كان في يوم من الأيام قبلته ومركزه المتألق. فالإصرار والمبالغة في الدفاع عن مواقفه القبلية البدائية وجموده العقائدي وطراز حكمه الرجعي والسلفي جعله معرضاُ دائماً للغزوات الخارجية ومطامع القوى الإستعمارية في موارده النفطية والطبيعية الأخرى من الخارج، ويعيش حالة الركود والخمود الذهني والوجداني وحاله من اللأستقرار السياسي والعسكري من الداخل.

الأحداث والتطورات التي شهدها العراق في قرن العشرين يضع هذه الحقيقة الدرامية أمام أبصارنا بوضوح وجلاء. ولنستطيع فهم واستيعاب تلك الحقيقة أكثر وعن قرب سوف نعيد نبذة مختصرة عن تاريخ العراق الحديث على مسامع قرائنا الأعزاء:

بقي العراق جزءاً من الإمبراطورية العثمانية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وبالأخص عندما دخلت الجيوش البريطانية أرض العراق في عام 1917 وهزمت الجيوش العثمانية وقد أسهم العراقيون في الحرب ضد الأتراك العثمانين أملاً في الحصول على حريتهم واستقلالهم الوطني ولكن الإنجليز لم ينفذوا وعودهم بل حكموا العراق حكماً عسكرياً قاسياً، مستغلاً مواردها النفطية والطبيعية الأخرى، فقرر العراقيون اللجوء إلى السلاح ليثوروا على الإحتلال الإنجليزي، فحدثت الثورة العراقية في 30 حزيران (يونيو1920) وقد كلفت هذه الثورة بريطانيا الغالي من الأنفس والأموال لذا يضطر (ونستون تشرشل) الذي كان وزيراً للمستعمرات الإنجليزية حينها على الاجتماع مع الشخصيات العراقية المعروفة ليصلوا حينها إلى قرار نصب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً دستورياً على العراق في 11 تموز1921 وتتألف حينذاك أول وزارة عراقية إلا أنه يبقى استفتاءً شكلياً لنوع الحكم بسبب خضوع الملك فيصل التام للسياسات الإنجليزية في المنطقة تحت غطاء الإنفتاح والحداثة ويبدو هذا واضحاً في حادثة تتويج الملك حيث  يبين في خطاب التتويج بأن السلطة العليا في العراق ستكون للمندوب السامي البريطاني دون الملك العربي..! من الطرف الآخر يعقد الإنجليز وحلفائهم معاهدة سيفر مع الدولة العثمانية وبمقتضى هذه المعاهدة وموافقة عصبة الامم وضع العراق تحت الإنتداب البريطاني إلا أن بريطانيا اضطرت أن تمنح العراق حكماً ذاتياً (وأن كان شكلياً ) وبالتالي منح العراق بريطانيا حينها إمتيازات ببناء قواعدها العسكرية في العراق وأعطائها حصة من نفط ولاية موصل أنذاك. في عام 1932 قبل العراق عضواً في عصبة الأمم وانتهى عهد الإنتداب ومات الملك في إحدى المستشفيات السويسرية مخلفاً ورائه ابنه الملك غازي الذي كان على علاقات وثيقة ببريطانيا وحامياً لمصالحها في العراق، وفي أواخر 1936 حدث انقلاباً عسكرياً بقيادة بكر صدقي، حيث كان مناوئاًَ للإنجليز ولم يدم حكمه إلا أقل من سنة واحدة حتى أغتيل. وفي عام 1939 قتل الملك غازي بحادث سيارة ملفق فخلفه ابنه فيصل الثاني الذي كان صغيراً فعين خاله عبد الإله وصياً على العرش من قبل السلطات البريطانية فدامت علاقاته بالإنجليز حتى قامت الحركة الوطنية بثورة ضد الإنجليز حينما كان رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء. ومن ثم  تم طرد الأمير عبد الإله وتم تعين غيره من العائلة الحاكمة وتم اعلان الحرب من جديد على الإنجليز في أيار واستطاعت الجيوش البريطانية احتلال مدينة بغداد وعاد معها الوصي على الحكم. إلا أن العراقيون أعلنوا الحرب على دول المحور وأنظم العراق إلى الجامعة العربية 1945 ولكن نشوء الدولة الإسرائيلية جعلت كفة بريطانيا تقوى في المنطقة وعاد الملك فيصل الثاني إلى سلطاته الدستورية ولكنه وبعد فترة قصيرة أغتيل مع خاله ورئيس وزرائه نوري سعيد؛ وعلى أثر ثورة 14 تموز 1985 أنتهى الحكم الملكي وأعقبها في عام 1961 ثورة 14 رمضان حيث قتل على أثرها عبد الكريم قاسم ثم قام بعده عبد السلام عارف بانقلاب 18 تشرين ضد حزب البعث وقاد ثورة رمضان وأستاثر بالحكم إلا أنه الآخر أغتيل في حادث عام 1966 فخلفه شقيقه عبد الرحمن عارف الذي قتل هو الآخر وأطاحت به ثورة 17 تموز عام 1968، حتى جاء صدام حسين إلى الحكم والذي كان بدوره مواطناًَ بسيطاً صعد إلى دفة الحكم عن طريق إحاكة المؤامرات والدسائس السياسية، حيث أعتقل قبلها بتهمة اغتيال عبد الكريم قاسم وعاش نصف حياته مشرداً ومنفياً ومعتقلاً. هو الوحيد الذي أمضى أطول فترة حكم في العراق لا لإمكانياته وحذاقته السياسية بل بسبب نظام حكمه الذي أتسم بالتعسف والترهيب والتخويف والإبادة الجماعية، من الجانب الآخر مثل ذروة التعصب القومي ـ القبلي. باختصار كان صدام حسين النموذج الأخير والبين (للملوك ـ الإلهة) ونهاية السلالة الأخيرة لأرباب دولة الرهبان السومرية، فعلى الرغم من مرور العصور السحيقة بينهم إلا أن التشابه مثير للحيرة والاشمئزاز معاً!. حيث تربع ذلك التكريتي المشرد بين ليلة وضحاها على عرش أمة عريقة وقديمة قدم التاريخ نفسه وأصبح هو الآمر والناهي والمالك لزمام الملايين من العبيد الذين تعودوا يخافون حتى من مغازلة زوجاتهم دون الإستئذان من صوره المعلقة جبراً ببيوتهم! والأهم من هذا وذاك فإن فترة حكم صدام حسين أظهر بوضوح التأرجح الذي عاشه العراق بين الموقف القومي البدائي والقبلي من الداخل والتحرك والتوسع ضمن دائرة القوى الاستعمارية المختلفة وبحجج وذرائع مختلفة أدت إلى عدم الإستقرار السياسي والعسكري في فترة حكمه الطويلة والمرعبة. فحرب الخليج الأولى والتي دامت ثمانية أعوام كاملة بينه وبين إيران وبإثارة من أمريكا، ومن ثم أعقبتها حرب الخليج الثانية التي بدأت بغزو عراقي على الكويت وتم هو الآخر بتخطيط مسبق من قبل أمريكا وبريطانيا ومازالت تدور رحاها منذ ثلاثة عشر عام خلفت ورائها أفدح الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية والأخلاقية. وأعادت العراق إلى العصور المظلمة وتركته يترنح ضعفاً ووهناً بين القوة المستعمرة والغازية التي تفرض الخضوع عليه تحت غطاء الحداثة والديمقراطية والانفتاح وبين الهوية التقليدية المتسمة بالقومية الفضة والمحافظة بحيث صار لا يقدر بسببها على اجتياز مخلفات الماضي لذا يضطر كل مرة على  تغير وتبديل رجالاته ورؤسائه عن طريق الإغتيالات والمؤامرات الدنيئة. فتاريخ العراق الحديث الذي أشرنا إليه باختصار يظهر للعيان وبوضوح أن العراق كان دوماً ساحة نزال وصراع دائم ومخلفات العصور الحجرية وبين العمالة والخضوع والإستسلام للقوى الاستعمارية المهيمنة على العالم فحتى القوى والأطراف الوطنية القومية واليسارية المتقدمة التي كسبت تأييد الشعب في المراحل المتعاقبة من عمر الدولة العراقية وحاولت التنديد بالحكومات العميلة وبمواقفها السلفية إلا أنها دون استثناء لم تقدر على أجتياز الهوية التقليدية نفسها ووقعت في شباك الإنتهازية (الإبتعاد عن المشكلات الحقيقية، أو الدوران حولها كما يدور قط حول مرق ساخن كما يقول (لينين) والأهم أن هذه الأطراف حاولت كشف النقاب عن العلاقات الشائبة بين السلطات الحاكمة والقوى المستعمرة إلا أنها أيضاً فتحت مظلاتها عندما كانت تمطر سماء روسيا وألمانيا وإسرائيل و...إلخ لذا بقي الصراع مميتاً وقاتلاً في نفس الوقت وبقي العراق يردد أنفاسه الأخيرة في مأزق لم يخرج منه أبداً.

الحرب الدائرة اليوم ليست مثيرة للعجب، فليس غريباً أن يتصارع اليوم على هذه الأرض المقدسة أكثر الحروب التاريخية ضراوة ووحشية الذي هو أشبه بسلة نفايات تكدست فيه مخلفات العصور المظلمة، ونظام إمبريالي وصل إلى ذروة أنانيته وافتراسه ونهمه. هي حالة من الإنتقام التاريخي لنظام لقيط يشعر بالنقص لافتفاره إلى جذور تاريخية عريقة والمتمثل في أمريكا ونظام تضرب جذوره أعماق التاريخ البشري إلا أنه يتعرى يوماً بعد آخر من جوهره المؤثر والمحفز للتقدم.

حرب الأرباب هذا، دليل ماثل أمامنا على وصول جميع الأنظمة الذكورية المهيمنة على كوكبنا الصغير، بقديمها وحديثها إلى ذروة إفتراسها وتوحشها وبالتالي انسدادها وتآكلها الجوهري. هو مؤشر مهم على قرب الإنسانية من منعطف تاريخي جديد ومرحلة مهمة من حياة البشرية تتم فيها تصفية كل الحسابات القديمة والجديدة لتاريخ المجتمعات الطبقية التي صارت تفترس نفسها بنفسها عبر صدامات دموية عنيفة، هي المرحلة الديمقراطية المعاصرة. وحدوث هذه الحروب والانفجارت التاريخية على هذه الأرض العريقة بالذات، دليل آخر على أن التاريخ على وشك إنهاء دورته الزمنية الكبرى ليعود إلى المكان الذي بدأ منه، محفزاً ودافعاً مجتمعاتها وشعوبها إلى قفزة نوعية قادرة على تغير وجه الأرض. ومذكراً شعوبها بأدوراها التاريخية المميزة وإلى ضرورة عودتها إلى سياقها الحضاري المتقدم والمنتج. ليس بالإصرار والتحامل على القديم واحيائه بأساليب رجعية ورثة، بل بتحليله واستيعابه وباستخلاص الدروس الحياتية المفيدة منه وخطو الخطوات نحو محطات تاريخية جديدة تنقذه من القشور الميثولوجية والدينية والدوغمائية القصوى التي تجعله بأفراده ومجتمعاته أشبه بقشة في مهب الريح لا تقدر ثمن حياتها وتاريخها ولا تستوعب الهدف من مماتها وفنائها.  والمشاهد التي نراها كل ليلة على شاشات التلفاز والتي تظهر أفواجاً كبيرة من العراقيين يتسابقون نحو الموت والفناء ليصبحوا وقوداً ينفذ يوماً بعد يوم. في حين أن شعباً وأمة عريقة كتب التاريخ الإنساني لأول مرة بيده يستطيع أن يضع طاقاته وقدراته الكامنة في خدمة حياة حرة وديمقراطية المسعى إليه في بعض التجارب تعيده إلى مسرح الأحداث قوياً وواثقاً من نفسه. فهذا وحده سوف يجعله ينجح في الإنتقام لنفسه من الأنظمة الرجعية البالية من جهة ومن الأنظمة الإمبريالية التي تجاهلت وجوده وتاريخه وإرادته الحرة من الجهة الأخرى. لتبقى  كل الأساليب الانتقامية الأخرى والمعتمدة على النظريات القومية والمذهبية والدوغمائية القصوى غير مجدية للنفع حيث تترك المجتمع العراقي أشبه بعليل يمدح ويبالغ في وصف ونعت علته ودائه، وبالتالي يمقت لجهله دوائه الحقيقي ويركله جانباً ليعود منصرفاً إلى هلوسته ووهنه وإرهاقه التاريخي.

العراق نموذج حي وماثل للعيان على المأزق الذي تعيشه المجتمعات الشرق أوسطية في يومنا الراهن. والتي أصبحت ساحة نزال وصراع دائمين لأجل الهوية التي ترفض الأنظمة المونارشية والأوتوقراطية العميلة التي تبيع وتشتري فيها تحت غطاء الانفتاح والحداثة والعولمة وتجعله بوضعه البائس هذا لقمة سائغة في أفواه الأنظمة الإستعمارية الجبارة. فالإفتقار إلى وعي تاريخي عميق وشامل والتأثر بالأنظمة الذكورية التي حرفت مسار التاريخ وقطعته عن جذوره الأصلية وحذفت مراحل مهمة وحياتية من عمر التاريخ نفسه وهي المرحلة النيولوتية الأمومية التي كانت هذه البلاد العريقة مهداً لها وكانت هي المرحلة البدائية والأساسية في التاريخ وأن بقيت غير مكتوبة! وكان يجب التأثر بها ولكن المجتمع الطبقي الذي غزا هذه المجتمعات بمؤسساته وذهنيته وإيدولوجيتاته المهيمنة التي قامت بتسجيل وتورية نظرياته المتعصبة والأنانية التي أنكرت وجود الحياة والحضارة والإبداع الإنساني قبلها، وتبنت كل المنجزات والمكتسبات الإنسانية العائدة إلى مرحلة الأمومة الأولى وجعلت هذه المجتمعات تعاني فقداناً في ذاكرة طفولتها الأولى. إذن فالهوية الإيدلوجية الحقيقية لهذه المجتمعات هي الإيدولوجية الأمومية التي أتصفت بالمساواة والعدالة والحرية. وأن كان يجب الدفاع حقاًَ عن ماضينا فيجب أن ندافع عن تلك المرحلة الحياتية وأن نحاول احيائها وبعثها من جديد بسبل حديثة ومعاصرة، فاحياء المرحلة النيولوتية حسب السمات العصرية هي الديمقراطية بحد ذاتها والحرية والتقدم والرقي بحد ذاته وهو الإنتقام الحقيقي من الأنظمة البطريريكية التي تتلاعب بأقدار الشعوب وتاريخهم وموارد بلادهم بفظاظة وأنانية متوحشة.

المجتمع العراقي بأحداثه الساخنة الأخيرة فصل آخر من مسرحية مكائد الأرباب وأنانيتهم وأمام هذه الاحداث نهايتين حاسمتين، إما الإستسلام بعد مقاومة جنونية وإما وصول تلك الشعوب القديمة إلى إرادتها ووعيها التاريخي والعصري والوقوف بأنتصاب على أقدامها بعد عملية نقد ونقد ذاتي عميق وبناء يتمخض من أعماقها ويتجسد في هوية إيدولوجية جديدة تهدف إلى الديمقراطية والإزدهار والسلام تتبناها وتناضل من أجلها. ونحن بدورنا نأمل أن تؤدي هذه المواجع والألام بتلك الشعوب الصامدة إلى إنتقام واعي من جهلها أولاً ومن العبودية التي تثقل أعبائها بجديدها وقديمها، عبرنضال ديمقراطي وتحرري جوهري ومتمدن ينقذها من العبارة التي ترددها كثيراً وبأمتعاض... التاريخ يعيد نفسه! دون شك أن التاريخ سوف يعيد نفسه ما لم نستخلص منه دروساً مفيدة، إذاً فلتصر شعوبنا في سبيل إحلال الديمقراطية الحقة والتي باتت براعمها تبرز والتي ستثمر بهمتنا في سبيل العيش الكريم في وطن كريم وأبي كتاريخه العريق.

 

 

 

                                                                       موقع حزب حرية المرأة الكردستانية  كافة الحقوق محفوظة  PAJK © 2006