|
كلستان
هوشنك
" اضرب، اسحق، اقتل" شعار قديم
رفعه الطغاة في كردستان منذ القديم، وها هو والآن
يتجدد في هذا العصر بأدق تفاصيله واضحاً للعيان،
بل لم يتوقف لحظة واحدة، ولاسيما منذ بدأت حركتنا
بأولى خطواتها على طريق حرية الشعب.
فعندما ينظر المرء إلى الأحداث
المتسارعة على الصعيد السياسي يرى بكل جلاء عربة
الإرهاب تبيد كل ما في طريقها دون أن يتم الكبس
على المكابح، لابل تستمر في كبحها لتترك خلفها
الألاف من الخرائب والدمار والضحايا، والذي نعتبره
إرهاب الدولة والنظام الذي يقوم بادارتها بعينه.
فما نشاهده يومياً عبر القنوات
الفضائية وغيرها لتذهل لذكرها العقول من هول
المفاجأة، وفي ذلك الوقت الذي يأمل فيه المرء بروز
مواقف أكثر إيجابية مع تقدم وتطور العالم في كافة
المجالات، إلا أننا وللأسف الشديد لا نجد إلا
والأوضاع تسير نحو الأسوء وخاصة بعد الاجتياح
الأمريكي للعراق وكأنها تريد أن تصفي حساباتها
قديمة مع حكومة العراق وذلك بتقديم الشعب كضحايا
على حلبة المصارعة في كل يوم.
لقد انتقد الكثيرون بأن دخول
أمريكا إلى العراق كان أمراً حتمياً لا نعرفه وكان
لابد منه للقضاء على نظام صدام الديكتاتوري.
ولكننا نرغب بالسؤال هنا:" يا هل ترى، كيف دخلت
أمريكا إلى العراق؟... وماذا كانت أهدافها على وجه
التحديد؟... وهل وصلت إلى مساعيها كما تريد أم
لا؟... وماذا ستفعل من الآن فصاعداً ولاسيما على
الصعيد الكردي؟...
فعندما ينظر المرء إلى وضع أمريكا
وحسب اعتقادي بأنها ستموت من التخمة وهي تتغذى على
جهد الشعوب، وبدل من تدخلها كقوة عظمى تحتل مكانها
ضمن حقوق الإنسان الأوروبية في حل الأزمات
المتفاقمة بني الشعوب والأنظمة التي تحكمها فهي
تساهم في تعقيدها أكثر فأكثر وترعى في نفسها صاحبة
النصيب الأكبر في الحصول على الغنيمة (انها
المصالح السياسية التي تدفعها إلى العمل وتجاهل
حقوق الإنسان).
فها هي المناظر ماثلة أمام أعيننا
فيما يحدث في العراق من أعمال وحشية وحوادث رهيبة
تحت حماية أمريكا هناك. فبدأت الأرض والسماء
والناس حتى الأطفال الرضع تتحدث بلغة الانفجارات
وتلغيم الطرق والسيارات والأبنية السكنية والمحلات
العامة التي يذهب ضحيتها في كل يوم العشرات من
المدنين العزل من الأطفال والشيوخ والنساء والكثير
من الأوقات عائلة كاملة في سيارة تفقد حياتها
ويقتلع جذروها في لحظة واحدة. حينها يساوؤ المرء
تسائلاً بكل حتمية:" ماذا تفعل الحكومة الجديدة
وخاصة في اقليم كردستان إزاء هذه الأوضاع؟!...
ألا يكفي تناول قسط من النوم
والغفلة كل هذه السنوات، فها هي العاصفة السياسية
والعسكرية تهب مصحوبة بأشلاء الناس تحيط بهم من كل
جانب وتصطدم بأقدام كراسيكم كل يوم، دون أن يهز
هذا الوضع واجدنهم ودون أن يثقل ذلك عرشهم الذي
تحجروا بالتمسك به غير أبهين بمصير الشعب أو تفقد
ما يجري من حولهم من أحداث؟... لذلك أرغب بمناداة
ومناشدة الضمير الكردي الذي يتوجب أن يبقى حياً
بالقوة الوطنية لتسري في العروق على الدوام.
فما يحصل في العراق اليوم من جرائم
وحشية ترتكب بحق المدنين العزل من إبادة إثنية في
مجازر جماعية من قبل فئات إرهابية مرتبطة بالأنظمة
التركية الأمريكية بشكل فاضح لا مفر من التستر
عليه. فبحق الشعور الإنساني الذي يجري في عروقنا
متى ستتوقف هذه المجازر والجرائم التي تقعشر لها
الأبدان وتصل بالمرء إلى نتيجة حتمية ( لا تظهر
هذه الهجمات في نظري إلا جانباً واحداً فقط لا غير
وهو أنه النظام التركي بات يفقد سطوته شيئاً
فشيئاً ولذلك لم يعد يمتلك أية مراوغة سياسية يطيل
بها عمره بعد أن أصبحت مكشوفة لا يتقيد على أحد
صعوبة فهمها). فناهيك عن ذلك تعمل أنظمتنا الحاكمة
على التقنع بسطوته وعدم الإعتراف بضعفها حيال نفاذ
حيلتها تجاه هذه الأعمال والمجازر لا بل تعتبرها
منفذه الوحيد والأخير لتتنفس به تحت تهديد الغرق
من خلال الإبادات الجماعية (الأنفال الراهنة)
والمواقف الفظة الممارسة بحق الشعب ليعبر بها عن
ضعفه في المقاومة دون أدنى محاولة للنطق بكلمة
(أنا ضعيف).
"فقد ذهب ما يفوق 700 إنسان كردي
ما بين طفل وكهل وإمرأة ضحية هجمة رعناء إرهابية،
ضاربة كافة المقاييس والمبادئ الإنسانية عرض
الحائط لمسألة تدفع بالغضب ليصل ذروته في كل إنسان
يمتلك ضميراً حياً في كل أرجاء العالم ولاسيما
إزاء ازدياد الضحايا كل يوم من اليزيدين وبين
الذين يمتلكون تاريخاً عريقاً في المنطقة
ليتفاجأوا بتلك المجزرة التي كانت تنتظرهم كوحش
مفترس فاغراً فاهه ليلتهم دون رحمة في يوم الرابع
عشر من شهر آب دون أن تكتمل فرحتهم بقدوم ذكرى يوم
15 آب التاريخية فالتصريح الخفي واضح جداً وأن لم
ينطق به ألا وهو أنه يصرحون به كتهديد على كل خطوة
تقدمية نحققها في التقرب من تحقيق إرادتنا
الجماهيرية، كما لو أنهم يردوننا الصاع الصاعين
بشكل فظيع ألا وهو كسر إرادة شعوبنا العزلة،
مشيرين على أنه مجرد بقاء الكردي على الأرض
سيجعلهم يدفعون المزيد من الضحايا وبالباهظ من
الخسائر ويهددون بتحويل كردستان إلى مقبرة للموت
تدفن فيها الأجساد دون توقف بدلاً أن تصبح جنة
الحياة".
كما أن المرء لا يستطيع أن يبرء
إطلاقاً الأنظمة الحاكمة في كردستان بيد واحدة في
تحقيقها التهجمات التعسفية بحق العزل من الكرد،
فهم أن لم يتوطئوا ضمنها فعلياً لكن صمتهم وخرسهم
يفضح بجلاء شديد بحيث يكشف ضياء الشمس الشرقية عن
سبلهم الملتوية وتواطئوهم في هذه الأفعال
الشنيعة، كما يقال:"الساكت عن الحق..."
ويتبقى لنا أن نذكر بأنه في حين
حقق شعبنا في شمال كردستان تقدماً ملحوظاً على
الصعيد التركي من خلال الانتخابات الأخيرة في ذاك
البلد وبالتالي انضمام المرأة إليها بنسبة لابأس
بها والذي حازوا على هذه النصر بتوحد إرادتهم الذي
قاموا بتمثيله لدخول البرلمان، بينما كانت الهجمات
والتمشيطات العسكرية تجتاح قدماً نحو قمم كردستان
وسهولها بغية اقتحام سور مناطق ميديا الدفاعية بزج
الألاف من الجنود إن كان برغبتهم أو دونه، والمسير
بها قدماً في تلك الغابات والأدغال ليبدؤوا بحرقه
بهمجية كبيرة شاملاً حقدهم ليس الإنسان فحسب بل
براءة الطبيعة وجمالها أيضاً، ولا يخلفون وراءهم
سوى رماداً من الحيوان والنبات وجثث الجنود القتلى
من أبناء الشعب التركي. ترى ألا توجد لأولئك
الجنود أمهات أيضاً؟... ألا تقتطع فلذة أكبادهن
بالعشرات من الأجزاء وهم ينساقون إلى ساحة الحرب
دون وجه حق رغم معرفتهم المسبقة في قرارة نفسهم
أنهم يحاربون ويقتلون فوق أرض ليست أرضهم؟...
وآخر ما نراه الآن هو إفراغ ذاك
الحق بأكمله في جزيرة إيمرالي حيث يتواجد قائدنا
في سجن انفرادي في عامه الثامن دون أن يرف لهم جفن
وهو الذي يعاني الوحدة أمام الجماد الذي يشمل داخل
الغرفة وخارجها متحلياً بصبر كبير إزاء هذا الوضع
على الرغم من حرمانه من أبسط حقوقه الحياتية ألا
وهو استنشاق الهواء من الفضاء الطلق خارج نطاق تلك
الغرفة من خلال تطبيق وفرض حالة العزلة ضمن عزلة
والتي تدوام أحياناً أشهراً بكاملها، وبالأخص جزاء
العزلة تلك التي طبقت مع بزوغ الذكرى السنوية
الثالثة والعشرين لقفزة 15 آب التاريخية التي كانت
قفزة نوعية في تاريخ الكرد بانطلاق رصاصة المقاومة
ضد النظام والسياسة الفاشية المطبقة بحقهم.
وما يبرز واضحاً للعيان بأن ما
يطبق هنا بحق قيادتنا من جزاء الحجرة الانفرادية
والانعزال بتلك الحجج الواهية التي تتفوه بها
الدولة أنما هي في حقيقة الأمر تعبر عن سياسة
دقيقة جداً لكسر إرادة الشعب الكردي والرد على تلك
التظاهرات والمسيرات الاحتجاجية اليومية في الأزقة
والشوارع وتسلمها جنازة شهدائهم (فلذة أكبادهم)
واحتضان فلذتهم بين جموعها واستقبالها بشوق كبير
ومن ثم تشييع أبنائهم وبناتهم وموارتهم مسقط
رؤوسهم والحناجر تبح بالشعارات التي تنادي "بحياة
القائد والشهيد لا يموت".
في حين تتجاهل الحكومة التركية بأن
PKK
والشعب والقائد آبو قد باتوا جزء لا يتجزأ وروحاً
واحدة ينبض بالحياة الحرة. ويتجاهلون بأن هذا
الشعب له الحق في تبني أولادهم كما يتبنى الشعب
التركي فلذتهم من ضحايا الحرب الضروسة في كردستان
دون وجه حق، ولكن لتعلم كافة الأطراف بأن شعبنا لا
يهاب الموت لا بل تزداد شرارة حماسهم لدى فقدان كل
شهيد من أبناء هذا الشعب لأجل هذا حرية هذا الوطن
وبالتالي يزداد ارتباطهم بالمقاومة والثورة أكثر
من أي وقت مضى.
أما على الصعيد السوري؛ ذاك الجزء
(غرب كردستان) الذي نهض واقفاً على أقدامه تيقظاً
لسياسة الصهر والتعريب الممارس بحقهم وبالتالي
قامت الحكومة السورية بإعادة النظر في سجلاتها
القديمة لضم وصهر عرق بأكمله بسياسة تعريب المنطقة
التي بدأت منذ عام 1962.
وتجاهلت الحكومة السورية وخاصة بعد
رحيل الرئيس حافظ الأسد وبدأت بتجديد سياستها
القمعية إزاء الشعب االكردي متناسية بأن قائد هذا
الشعب قد عايشهم أفراحهم و أتراحهم طوال عشرين
عام، هذا ما تقوم به الحكومة السورية بدل ترسيخ
دعائم الديمقراطية وإعادة نظرها الأحادي الجانب
بشأن القضية الكردية، ولم بتدي غير بعدة مفرادت لم
تبعث بأي بصيص من الأمل على تغيير ذهنيتها ولو
قليلاً، لا بل قامت بزج العرب في المناطق والقرى
الكردية رغماً عن قاطنيها...
ومن هنا يتجلى لنا بعدم تبرئة
النظام الإيراني الذي يصوب بمدافعه نحو المناطق
الآهلة بالسكان من الشعب الكردي تحية للصباح
والمساء وبعد كل صلاة يقومون بتأديتها ليتوجهوا
نحو مدافعهم بالقول:"الله أكبر"، ليفتحوا أبواب
النيران الحارقة والمدمرة فوق رؤوس القرويين،
والتي تعتبر مهزلة واستخفاف فاضح للقول المقدس،
فهل يقول الله أضربوا الناس العزل؟ وهل يقول الله
أضربوا بالمدافع الأطفال الأبرياء باسمي؟... يا هل
ترى هذه من الفتوحات اسلامية على طراز حديث؟...
وتبقى الأسئلة تساور المرء وعالقة
في أذهان العديد أصحاب الوجدان والحس الإنساني،
وهذا ما يضعنا في آخر المطاف ونحن نطوف بحافلة
الشعب من نظام إلى آخر لنحط عند ذلك الوحش الذي
يفتك بالشعب ويضرب بقبضة من جديد على جموع
الجماهير لينتشروا في أنحاء العالم تاركين الديار
خلفهم ويبقون في الهجرة والغربة معرضين للفقر الذي
بات كشبح يطاردهم في كل مكان والطرقات عمالاً
وشيوخاً وصغاراً، حيث يواجهون حوادث مؤسفة يذهب
ضحيتها العشرات من أبناء الشعب وحتى الأطفال الذين
يجتمعون فوق أكوام القمامة للبحث عن قطع الحديد
لبيعها وإعالة عوائلهم دون أن يتمكنوا من التمتع
بحقوقهم الطبيعية في الحياة والتعليم والرعاية،
فبحق الوجدان ألا يعتبر هذا جرماً لا يغتفر بحق
هؤلاء الأبرياء؟.
ترى ما عسانا أن نقول في هذه
المرحلة التي يمر بها الشعب الكردي بأقسى درجاتها
بينما يواجه المئات منهم خطر الإبادة الأثنية
والعرقية؟...
وأي مادة في ميثاق حقوق الإنسان
العالمي ينص على أن نص هذا الميثاق رهن على بعض
الشعوب وإلى أين ستسير هذه الأحداث دونما حركة أو
تفوه أوروبا وميثاقها العالمي بأي كلمة إزاء هذه
التهجمات والمجازر والممارسات البعيدة كل البعد عن
الإنسانية بحق شعب عزل لا حول له ولا قوة، أم أن
الولادة كردياً هو ذنب مرتكب من قبل الأزمان؟...
وإلى متى ستبقى نصوص هذا الميثاق حبراً على الورق
بالنسبة للشعب الكردي؟
وختاماً أود النطق بحقيقة ما طالما
يتجاهلها البعض وهو أن
PKK
لم ولن ينتهي بل أصبح جزء من الشعب وأن الشعب
الكردي لن يقهر رغم موت الألاف منهم في مجازر
جماعية... وقد آن الأوان لتفهم أمريكا وتركيا
وكافة المتواطئين معهم هذه الحقيقة التي لا مفر
منها؟... لذلك حري بهم اتخاذ وضعية جديدة في
مسيرتها داخل الشرق الأوسط واتخاذ الحلول والسبل
الديمقراطية أساساً لها، وإلا سيأتي يوم يسبقه
الشعب في التقدم لأن العلم الذي ينهل منه الشعب لا
ينضب، فهو متشبث بكرامة ومحبة أرضه التي تأصلت
جذورها في تاريخه الكفاحي العريق ولا يمكن استئصال
هذه الجذور بهذه السهولة التي يتصورها الحكام لا
بل أنها مستحيلة وسيأتي يوم يأخذ فيه الشعب من تلك
الأنظمة لواء الحضارة الديمقراطية ويصل به إلى
الذروة.
|